}

وسط بيروت.. يأس كئيب ناجم عن التهميش

أحمد محسن 4 مايو 2021
عمارة وسط بيروت.. يأس كئيب ناجم عن التهميش
العمارة الكولونيالية المحيطة ليست غبية.. إنها عمارة خبيثة ومخادعة

بعد الجائحة تعطّلت الحياة الاقتصادية. وبعد تعطّل الحياة الاقتصادية فرغت الأسواق. قيل سابقًا إن وسط بيروت هو وسط أشباح. وقيل أيضًا: الوسط التجاري. وصار هذا اسمه "التجاري"، كما لو أنه يتوجب على الجميع الموافقة، واستخدام هذه التسمية الدنيئة. صار وسط الأشباح. بعد الجائحة صار العطب واضحًا في بيروت. حتى الأشباح غادرت. لكن هل كانت هناك حياة اقتصادية فعلًا في وسط بيروت ومحيطه السليب؟ جولة صغيرة اليوم في المدينة الخالية تعيدنا إلى أعمال دافيد هارفي. المفارقة أنه عندما جاء إلى بيروت، أي قبل 11 عامًا، ليلقي محاضرة عن "الجذور الحضرية للأزمة المالية"، لم يخرج بالجديد. كانت بيروت بعيدة تقريبًا عن هذا النقاش. بالطبع كانت هناك طبقات، وكان هناك تفاوت، وكانت أدوات القياس الماركسية حاضرة في وعي جزء من اللبنانيين، لكنها كانت قد ترّنحت بسبب جمودها وترّنح أهلها أنفسهم، ولكن أيضًا بسبب استفحال النيوليبرالية، كما فهم هارفي نفسه لاحقًا بعد نقاشات سريعة مع يساريين لبنانيين.

 
تأويل طبقي للمدينة

أحلام النيوليبرالية طُبِّقت هنا في بيروت على أفضل وجه. الأسواق الكبيرة خُلِقت. الإحلال الطبقي نُفِذ من دون مشاكل. الحلّاق الذي رفض أن يخلي محله في أول التسعينيات، هنا في عاصمة الحرّيات، أغلق الباب على نفسه وأطلق النار على رأسه. ولم تحدث جلجلة. جاءت سيارة الإسعاف، وأزيلت الجثة من المحل، وكفكف الجيران الذين طُردوا قبله دموعهم، بعدما جاؤوا لكي يلقوا نظرةً أخيرة، على الحلّاق، وعلى المدينة، كما يعرفونها. ثم باشرت الجرافات عملها. أزالت المحل. طحنت المرايا والكراسي التي جلس عليها الزبائن والصور الفوتوغرافية المعلّقة، ثم أزيل على هذا كله في هيئة "أنقاض". ولم يعد يأتي أحد عند الحلّاق، لأن الحلّاق انتحر. والحوانيت الصغيرة أغلقت، لأنه لا مكان للصغار في المدينة. هذه المدينة، كان مخططًا لها أن تصير مدينة عملاقة.

وسط بيروت صار وسط الأشباح... حتى الأشباح غادرت.


فراغ عملاق في فضاء عملاق. هكذا تشعر اليوم وأنت تتجول في محيط وسط بيروت. الجولة الأولى من الخسائر بدأت عندما أدرجت المدينة في مشروع تجاري، تجاوز وظيفتها كمدينة. كانت خسارة أولى ولم يتفق الجميع بعد على أنها كانت خسارة. الخسارة الأخيرة كانت بعد تسرّب الفردانية إلى الانتفاضة بسرعة قياسية. لم تُعِد الاحتجاجات الحياة إلى المكان، بل كانت محاولة جدية لإعادة الحياة إليه. وهناك فارق كبير بين الفكرتين، بين الحياة، وبين الإحياء. ولعل اللغة العربية برحابتها تجعل البُعد الألسني ظاهرًا في المسألة، من دون أن يلغي ذلك طابعها السوسيولوجي. المفارقة أن هذا، وربما من باب الصدفة، سيحيلنا إلى أحد أهم الاتجاهات في دراسة هنري لوفيفر الشهيرة: "الحق في المدينة"، وهو الاتجاه التأويلي، أي تأويل المدينة كنص اجتماعي لمحاولة تفسيرها. لكن بيروت ليست باريس، مع أن السيستم الرأسمالي يحتفظ بالقدرة ذاتها في أي مكان، لإحداث تغييرات واضحة في مورفولوجيا المدينة، مما يفقد التأويل الكثير من إمكانياته التفكيكية، ولا سيما وأنه فرداني، على عكس المدينة التي لا تقوم إلى على قاعدة جماعية. تفتح أفكار لوفيفر سجالًا جديًا بين المتحدّثين عن صراع طبقي في لبنان، بين مجموعة تقليدية تعتقد بوجود بورجوازية تسيطر على وسائل الانتاج، مقابل بروليتاريا تعرّضت قوة عملها للمصادرة، وبين مجموعة أكثر مرونة في فهم الماركسية، تدعو إلى ما يشبه توسيع مفهوم «الطبقة العاملة»، إلى درجة يصير فيها قادرًا على تعويض فقدانه لمحدّده التاريخي، واحتواء التحولات الهائلة في الزمن النيوليبرالي.

وسط بيروت.. فراغ عملاق في فضاء عملاق


رغم ذلك هناك نقطتان تضعفان الحق في استعارة أفكار لوفيفر عن المدينة، لمحاولة تفسير علاقة أفقية بين بيروت وبين المتظاهرين. النقطة الأولى، هي أن أفكار لوفيفر عن المدينة اتهمت بالطوباوية، وأن ثمة فارقًا كبيرًا يبقى قائمًا بين باريس وبيروت. النقطة الثانية، هي أن الميزة الأهم في الاحتجاجات اللبنانية كانت لامركزيتها، التي منحتها زخمًا هائلًا. لكن ليس كل هذا ما يهمّنا، بل ما يهمّنا هو فكرة لوفيفر عن تكوّن الطبقة العاملة من سكان المدن، وليس فقط من عمال المصانع. ومع العلم بأن نظريته ليست نهائية، يجب التوضيح للذين لا يعرفونه جيدًا، أنه يعتبر سكان الريف ينتمون إلى المدينة بالعيش حولها، وضمّ سكان المدن إلى طبقة متضرّرة من تركّز رأس المال لا يهدف إلى إقصاء الريف بل بالتحديد إلى توسيع مفهوم الطبقة العاملة، على نحو يشرحه دافيد هارفي جيدًا. هذه الطبقة لديها تكوين مختلف تمامًا، فهي متقطّعة الأوصال، ولديها أهداف وغايات متباينة، كما أنها "تشكيل صلب ومتنقل أكثر منه صلب ومتجذّر". وهذا ما يفسّر معاناة اليسار، وفي حالته السريرية لبنانيًا، وربما عربيًا، في التعامل مع إمكانات ثورية للحركات الاجتماعية في المدينة، وتصويرها كما لو أنها جزء من قضايا خاصة، لا تندرج في إطار الصراع الطبقي التقليدي.


 

العمارة والسياسة: علاقة متوازية

المدينة فضاء. لكنها ليست فضاءً متفلّتًا أو هاربًا، بل إنها مكان يمكن فيه تحرير الروح، ويمكن أيضًا تقييد الضعفاء وإقصاؤهم. إنها شعور، برواز للمجتمع وتفسير للسياسة، والعمارة تلعب دورًا يتجاوز طبيعتها المورفولوجية كما يفهمها المهندسون العاديون. المعمار كالسياسي، صنيعة المجتمع وصانعيه. وقبل التظاهرات التي تعترض على السياسة، اقترنت الحداثة شكلًا في وسط بيروت بالمضاربة العقارية. ومع مرور الوقت بدا الأمر أشبه بقبول جماعي لتجاهل الفضاء العام، واختصار مساحات اللقاء بين الناس في المحال التجارية. ليس أي محال تجارية، بل المحال صاحبة السمعة المعروفة، من تلك التي تملك فروعًا في كل العالم. محال لحيتان التجارة صاحبة الواجهات الأنيقة والحملات الإعلانية التي تحاكي المستهلكين. ذات مرة وصف الشاعر اللبناني أنسي الحاج وسط بيروت بأنه مكان يصقع لشدة خلوّه من الروح. وإذا كانت تلك حساسية الشاعر، على إهمال إرث العمارة، وإبعاد السكان، فإن أحدًا لا يحتاج لأن يكون شاعرًا اليوم ليعرف الوقع ذاته وهو يتجوّل في "أسواق بيروت": يصقع لشدة خلوه من الروح، ومن البشر، ومن الهواء. بعد انتهاء فترة الحجر بسبب وباء كورونا، لم يجد اللبنانيون شيئًا يفعلونه في الأسواق. 



رواق طويل مقوّس على غرار القناطر، في تفصيل هندسي ليست له أي وظيفة سوى خداع الذين يعبرون تحته، وإيهامهم بأن المكان ينتمي إلى التاريخ. لكن الطابع العصري للمكان عطّل كل أشكال الحياة البشرية فيه، وأغلق الباب أمام محاولات الحديث على أساس العدالة. فالعمارة، كما تظهر ساحات الأسواق الخالية بذريعة الوباء، وبسبب الاقتصاد اللبناني المتهالك، ليست سوى تفسير صارخ للعلاقة البنيوية بين المدينة والسياسة. بعد الوباء، ظهرت نتائج المرحلة الأخيرة من الاغتراب عن المدينة. انهار الاقتصاد، وبعدما كانت المدينة قد تحوّلت إلى مادة استهلاكية قابلة للبيع والشراء، صارت قابلة للبيع فقط. لا نقاط يجتمع فيها الناس، لأن المولات كانت ذلك المحل الوحيد، وليس الحدائق، لأنه لا حدائق، وليس الأرصفة، لأنه لا أرصفة، وليس الباصات، لأنه لا يوجد باصات. وربما كانت الانتفاضة احتجاجًا غير معلن على غياب مظاهر الحياة، محاولة أخيرة للتأكد أن بيروت ما زالت مدينة قادرة على الحياة.

جانب من الخراب الذي تسبّبت به الاحتجاجات في أسواق بيروت 


رغم كل شيء تظهر السماء بوضوح في وسط بيروت. العمارة الكولونيالية المحيطة ليست غبية. على العكس من ذلك إنها عمارة خبيثة ومخادعة. يقسم "الرينغ"، وهو الجسر الذي يقص أوردة المدينة، الطريق إلى نصفين. وهذا ما يكتفي به الجميع عادةً، أي قطع الحاضر عن الماضي بالطريق السريع. لكن النصفين، ينقسمان على نفسيهما، فيصير الماضي جذابًا ومنفتحًا على البحر في الجمّيزة بسبب فترات متواترة من الإحلال الطبقي، ويصير ناقمًا ومنكفئًا على نفسه في الخندق الغميق، حيث تسيطر الأحزاب الطائفية على الذين لا يملكون ترف التمرد في المنطقة الشعبية. وتنقسم الجمّيزة على نفسها، بين أصليين ومحتّلين، وينقسم الخندق بين صورته والصور النمطية. بمعنى ما، كان الجسر فرصة لكي تتسع الطبقة الناقمة على هذا البناء الطبقي، خلال الانتفاضة، لكنها سرعان ما تحولت مساحة لإعلان كل طبقة شروطها، لمزيد من الانكفاء. ما تبقى هو الجانب العاطفي، الماثل في الشعارات المكتوبة في كل مكان، والأهم من ذلك، ما تبقى هو الفراغ.

انسحب الجميع، فعادت الحياة إلى طبيعتها، أي عادت إلى اللاحياة. ذلك لا يلغي وجود الكثير من الرموز الدالة إلى اليأس في وسط بيروت نفسها. العينة الأولى مادية مثل الساعات الثمينة على اللافتات التجارية في الأسواق التي لا يشتريها أحد، أو مثل المباني الزجاجية التي تناطح السماء، ومحال بيع الحقائب التي كانت تستقبل الزوار بالطوابير قبل أعوام، لكي يتفرّجوا طبعًا لا لأن يشتروا. العينة الثانية تتألف من رموز أعقد سيميائيًا، مثل الملل الظاهر للعيان، في وجوه العاطلين من العمل، إذا صادف مرورهم في المكان، أو حوله، الجاهزين لتحويل المدينة إلى موقع للاعتراض، فيحوّله عنف الأمن بدوره إلى ساحة اضطرابات، خلاصتها الحاسمة القمع. العينة الثالثة قد تتمظهر في تضامن العقارات مع بعضها البعض، بينما يعجز السكان عن التضامن، ويقفون عند حدود الجسر، ويتبادلون ثقافتين غير رحبتين. الثقافة الأولى، حزبية/ مضطربة، تصل تمثيلاتها إلى تخوم وسط المدينة ولا تجد طريقة للتعبير عن نفسها أفضل من الرايات الدينية. والثقافة الثانية، سلوك طبقي مستورد/ مستلب، يحاول أصحابه ترجمة معرفة متأخرة عن "ربيع التظاهرات"، وأوضح تمثيلاته تكمن في شعاراته المنفصلة عن مصالح الجزء الأكبر من السكان.

 

 

الفراغ الكبير

كل هذه الرموز، ماثلة وحاضرة، في الفراغ الكبير، بعدما أنجزت المرحلة الأخيرة من إقصاء الضعفاء، وتم تقييد كل محاولات النهوض. يحيلنا هذا إلى الاتّساق الحادّ بين مصطلحي العمارة والمدينة، الذي ظهر أول مرة بوضوح في عمل المعماري الإيطالي ألدو روسي، الذي تجنّب السفسطة في عمله الأشهر: "عمارة المدينة". هناك علاقة أفقية بين العمارة والمدينة، تقوم على التفهّم وعلى قبول اجتماعي بأشكال هذه العلاقة، ينعكس في الممارسة. لا مكان أوضح من مدينة خالية من السكان، لتفسير اعتراضهم على العمارة التي تجمع الهيئة الكولونيالية المنفّرة مع الوظيفة النيوليبرالية. ستجد هنا في وسط بيروت وحولها رجالًا ونساءً كبارًا في السن يجلسون على المقاعد، يعلنون السأم. فلا شيء يوجد بلا تبادل، أو بدون علاقات تقوم على المسافة. ما نعاينه بالعين، ليس مثل شعور الخسارة. فالمطرود من المدينة، ليس مثل الذي يتعاطف معه. شيء يشبه شعور المقدسي الذي يهدم بيته، من دون أن نستطيع الوصول إلى نصف شعوره بالخسارة. يعتبر هنري لوفيفر أن المجتمع الإنساني هو الذات التي بوسعها إنتاج الفضاء، وليس الوعي الذاتي، بمعناه الأنطولوجي. يعود لاحقًا ليستدرك هذا التعدّي الواضح على الفلسفة بتوضيح شرور ما بعد الحداثة، والعلاقة بين الذات والمجتمع في مجتمع رأسمالي. في المدينة رأسمالية استهلكت تمامًا، يتحوّل العنف إلى تحدٍ متواصل. بين الحين والآخر، ستجد رجال أمن، يتبلطجون على الباعة المتجولين وأصحاب العربات واللاجئين، قبل أن يعودوا في نهاية النهار إلى منازلهم، برؤوس مطأطأة من تعب النهارات، وضيق الأحوال. وبالطبع لا يقطن أحد منهم في هذه المدينة، وفي هذا الوسط، ما سيجعله في الليل أكثر شحوبًا.

ربما كانت الانتفاضة احتجاجًا غير معلن على غياب مظاهر الحياة


ما نتحدّث عنه هو العلاقة بين كل هؤلاء والعمارة. فرغم أن الطريق إلى السينما، وإلى المول، هي طريق سهلة، ومسيّجة بما يشبه القناطر، إذا تجاهلنا خفّة الذوق الرهيبة المتمثلة بالإضافات البلاستيكية، فإن العلاقة مع المكان داخل الأسواق هي علاقة عمودية بامتياز. يشعر معظم المارّة بأنهم أقل من المكان، وأن المكان يمكنه العيش بدونهم، وأنهم جاؤوا لكي يتفرّجوا. لكنهم أخيرًا بعدما انهار كل شيء، اكتشفوا أن دفع كلفة الفرجة ليس ضروريًا، وأن ما كان باهظًا لا يمكن شراؤه قبل عامين، أي قبل الانهيار الاقتصادي في بيروت، صارت كلفة التفرّج عليه بلا أي معنى. ليس وسط بيروت بلا أي معنى لأنه فرغ تمامًا بعد نهاية الوباء، إنما صار واضحًا للجميع لأي درجة بلغت العبثية النيوليبرالية في بيروت.

الهوس بالتاريخ ليس تعويضًا مناسبًا، فسينما الدومو كانت مجمعًا تجاريًا في السبعينيات، يطمح للوصول إلى ما وصلت إليه الأسواق، لكن ما يميّزها هو كونها محطة في ذاكرة تجمع أكثر من مُنسحِب، وأكثر من باحث في ذاكرات الجماعات. تمثال رياض الصلح الذي يتحلّق المتظاهرون حوله، ليس مرجعًا نهائيًا، وها هو يتفرّج وحيدًا اليوم على ساحة خالية، وعلى أسلاك شائكة، وعلى جدار يسيّج برلمانًا معطلًا. مباني المصارف أيضًا حاضرة بلافتاتها المضيئة دائمًا، في عزّ النهار. بعد عزل البشر كفاعل حيوي في وسط المدينة، لا يوجد مكان في العالم، ربما، يمكن إلى هذا الحدّ، أن يتبين فيه مستوى العلاقة بين العمارة والسياسة. لكن المدينة ما زالت مكانها، والبحر سيبقى حارسًا. الناس قد يعودون في أي لحظة، وقد يحدث وأن تدّب الحياة في هذه الأحياء فجأة.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.