}

الهندسة الحضرية في المدينة العربية ـ الإسلامية

أسعد عرابي 18 يوليه 2021
عمارة الهندسة الحضرية في المدينة العربية ـ الإسلامية
مقطع لإحدى المدن الإسلامية
مشهد من القاهرة القديمة بريشة أحد المستشرقين 

لعل أكثر ما يعبر عن مفهوم الأمة في المجتمع العربي الإسلامي هو العناية الصناعية (الفنية) المتراكمة التقاليد بخصوص التنظيم الحضري، أو المدينة (City)، سواء أكانت مونوبول للخلافة، مثل بغداد، وسامراء، دمشق، وإسطنبول، وفاس، أو تبريز، وأكرا، وسمرقند، والقيروان، ونظائرها، أو المدن والمرافئ الواقعة على طرق التجارة، أو المياه في الأمصار المتباعدة (مثل طريق الحرير، وطريق البخور، وطريق العطور والتوابل،... إلخ).
وترسخت تقاليد المدينة ابتداء من الكوفة والبصرة. ويذكر الباحث التونسي، الدكتور هشام جعيّط، في كتابه المحوري: "الكوفة ـ بناء مدينة إسلامية"، مجمل الرسائل الموجهة من الخليفة عمر بن الخطاب إلى قواده في جبهات الفتح المتقدم، ينصح فيها عمرو بن العاص وخالد بن الوليد بعدم السماح للمجاهدين ببناء أكثر من طابق واحد ومساحة مركزية. مع الأيام، وتغير الاستقرار، فرخت هذه الخلية الأحياء التي تلتف حول المسجد الجامع لتتأسس مدن الأمصار المتباعدة. يعتمد تأسيس هذه الحواضر على المسقط المهندس وفق الأبجدية الأولى، مثل المربع والدائرة والمثلث. بغداد على مسقط مربع، وسامراء على دائري، وهكذا، ثم يستمر النمو السكاني بطريقة حلزونية اقتصادية تلف الأحياء والخطط حول السوق المركزية المتصلة بساحة المصلى، تحمل أسماء الحرف والصناعات الأساسية، مثل الصاغة والنحاسين والنساجين والصوف والحرير وسوق الطحين والبزورية ومثالها، أما المسالخ والمصابغ والصناعات الملوثة فتقع مثل قبور التربة خارج السور. تحتفظ تفاصيل المدينة بسهم التوجه نحو قدس الأقداس الكعبة ابتداء من جدار القبلة والمحراب المركزي وانتهاء بتوجه رؤوس المتوفين وسجاجيد الصلاة، ويروى عن الحديث: "وجعلت لي الأرض مسجدًا".

بوصلة المدينة يتمثل في المحراب المتوسط في جدار القبلة وهي قاعدة عامة في المساجد الإسلامية


ولعل أبرز ما في المدينة هو محرابها الذي يمثل بوصلة التوجه الهندسي والروحي، أما أهم دراسة فنية فقد أنجزها الفنان الألماني، بول كلي، الأشد تأثيرًا على جيل فناني السبعينيات العرب من التجريديين (مثل عبد اللطيف الصمودي)، بمن فيهم الحروفيون. هو مصور مجيد مدرس في الباوهاوس، وموسيقي محترف يعزف ضمن فرقة البلدية، أثار ذائقته الروحية تنوع المواد النورانية والعاكسة للضوء الملصقة في عرين زجاجيات المحراب من المصابيح إلى شظايا السيراميك والمرايا والأبلق والفسيفساء الشطرنجي (الزيلليج المغربي) واللوحات الخطية، مثل آية "كلما دخل عليها زكريا المحراب"، وغيرها. والدراسة محفوظة في اليونيسكو لأهميتها.




علينا استدراك كتاب معاصر بعنوان "الزجاج المعشق" كتبه جاك لافون، الكاردينال المسؤول عن الزجاج المعشق في الكاتدرائيات الفرنسية، يصحح فيه صراحة تاريخ بدء اختراع وتطبيق صناعة الزجاج المعشق، والذي درج فيه المؤرخون على نسبته خطأ إلى الطراز الغوطي في النصف الثاني من القرن التاسع، ويعترف هو نفسه بأن تحريه عن هذا الموضوع ميدانيًا مع الحفريات الأثرية الفرنسية في محيط الجامع الأموي في دمشق، ثم اكتشاف محترفات للزجاج المعشق الأموي المتقدم تقنيًا بدرجاته الرهيفة الألوان، والتي تعود إلى شمسيات نوافذ القرن الثامن الميلادي (عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك)(1) هي النوافذ الزجاجية الملونة التي تقود النور الطبيعي إلى بواطن حرم المسجد الجامع الأموي الكبير. كان ذلك التصحيح منذ الثلاثينيات من أوائل القرن العشرين، ليس من باب المصادفة أن فسيفساء جدران وخزنة بيت المال من النوع المزجج البراق المتوهج الوضاء اللامع والمصقول، أي أنه مغطى بنفس أكاسيد الزجاج المعشق المذكور إلى السيراميك، والذي تكتسي به أحيانًا القباب بكاملها. فترى على بعد عشرات الكيلومترات، مثل كاظمية بغداد، وبشتاقات شيراز وقونية وازنيخ وجامع مدخل مرفأ صيدا، يقال عنها فنون النار والنور. وإن المدينة تشبه الدارة النورانية المتصلة والمغلقة. ثم قسّم الفارابي المدن إلى فاضلة وفاسدة. شرحها ابن خلدون في "مقدمته" قائلًا: "أول ما يفسد بعد العمران صناعة الموسيقى"، لأن هندسة المدينة تماثل الرياضيات الصوتية في المقام الموسيقي.

علاقة الجامع الأموي الكبير لتنظيم دمشق


تعتمد، إذن، هندسة المدن ليس فقط على مخططها الأرضي العام، وإنما على مركزية هندسة "المسجد الجامع"، فإذا كانت بداية تقاليد توزيع الأحياء والخطط في المدينة يبتدئ من الكوفة بالنسبة إلى د.هشام جعيّط، فإن هندسة المدن الكبرى (مونوبولات العواصم، مثل دمشق، وبغداد، وقرطبة) يرتبط بهندسة مخطط هذا الجامع النواة الحضرية، فإذا كان المسجد الأول في القرن السابع للميلاد هو "مسجد قباء" (المدينة، أو مسجد الرسول المبني من سعف النخيل والطوب في يثرب)، فإن الأساس في ارتباط هذا المسجد بخصائص المدينة يبتدئ من جامع أمية الكبير، واعتماده على قاعدة ستتحول إلى تقاليد ثابتة حتى اليوم رغم تنوع الطرز نلخصها كما يلي: الشكل الساكن (السالب) المربع + الشكل المتحرك الموجب الدائرة = الشكل الكامل وهو المثمن. طبقت هذه القاعدة بعلاقة قبة النسر بتربيع الحرم، وقبة الخزنة بالأعمدة الرباعية التي تحمل خزنتها، وطبقت في عدد من الأضرحة (الأولياء) المتاخمة، كل ضريح (مزار) يبتدئ من مربع الأرض، وينتهي بدائرة القبة، عبورًا بالهيكل، أو الجذع المثمن. كما طبقت في نوافذ الشمسيات، والزخارف الهندسية النجميات من المثمن ومضاعفاته، توحي وهمًا بالدوران حول نفسها.





السور في المدينة الإسلامية 


إذا كانت دمشق مبنية منذ العهد الآرامي (الألف التاسع ق.م) عبورًا بالتعديل التنظيمي الهلنستي والبيزنطي عبورًا بشتى الحساسيات الحضرية السلجوقية والممالكية والأيوبية والعثمانية، فإن وحدة هذه العناصر لم تتبدل: تربيع الدائرة وتدوير المربع إفناء كل منهما في المثمن. سيشارك تطور طرز وأقلام الخط والنسخ في تطور هذه الثنائية الروحية. وكذلك بقية الصناعات والرقش والأرابسك. هو نعرفه بتمايز وخصائص المدينة العربية الإسلامية عن نظائرها في شمال المتوسط.



هامش:
(1) بدأ بناء مسجد الجامع الأموي الكبير على يد الخليفة الوليد بن عبد الملك عام 705 م، واستمر استكماله على مراحل وسنوات وعهود، فقبة الخزنة مثلًا تأخر إنشاؤها حتى العهد العباسي. وكان قد ابتدأ بموقعه كمعبد آرامي منذ 1200 ق.م. أصبح في ما بعد كنيسة يوحنا المعمدان مع المسيحية.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.