}

عمارة بابل.. أساطيرُ المسافة بين الأرض والسماء

محمد جميل خضر 12 سبتمبر 2021
آثار عمارة بابل.. أساطيرُ المسافة بين الأرض والسماء
حدائق بابل المعلقة في مخيلة فنان


بين سفر التكوين وكافكا، تتجلى عِمارة بابل، مُلَخَّصَةً في برجها الشهير، بوصفها سؤال الدهشة التي لا تنتهي.
قصة برج بابل هي بحسب السفر أعلاه (الفقرات التسع الأولى من الإصحاح الحادي عشر)، قصة أوّل مشروع بشريّ طموح بعد الطوفان العظيم.
الهدف من وراء بناء البرج المعجزة بحسب أدبيات العهد القديم، هو بناء صرح صاعد نحو السماء يكون مركزًا لأهل الأرض؛ عوضًا عن حالة التبعثر الّتي قد تهدّدهم، وليكون عَلَمًا لمَنْ ضاع منهم وتشرّد، واسمًا لمَنْ لم يعد يعثر على الله في داخله "هلمّ نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسمًا لئلّا نتبدّد على وجه كلّ الأرض" (سفر التكوين، الإصحاح 4:11).
في مقاله المعنون "كافكا يبني برج بابل... تأمّلات في قصّة (شعار المدينة)"، المنشور في موقع "فسحة" بتاريخ الثالث من نيسان/ أبريل 2021، يشرع الباحث الأردني عمر المغربي، الحاصل على ماجستير الفلسفة من "معهد الدوحة للدراسات العليا"، بقراءة متأنية متأمّلة يغوص خلالها داخل تجليات برج بابل وأبعاده الفلسفية والأسطورية والمعتقدية والمجتمعية، من خلال قصةٍ للروائي التشيكي فرانز كافكا (1883 ـ 1924) تحمل عنوان "شعار المدينة"، وفيها (تلك القراءة) يخلص إلى أن كافكا يقدّم في قصّته هذه تصوّرًا جديدًا للأسطورة؛ إذ يرى أنها نابتة من أرض الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ الّذي تعيشه المدينة، أو هي بالأحرى، تتحدث، أقلّها، عن أسباب ضروريّة لاستدامة أسطورة معيّنة من دون غيرها في المجتمع البشريّ، ويعود ذلك إلى ارتباطاتها بالواقع المعاش وتعقيداته.

برج بابل كما تخيله الفنان باتريك سون شيونغ 


يقول المغربي: "يمكن قراءة قصّة كافكا من زوايا مختلفة، ووفق جدليّات وثيمات متنوّعة: الفكر والواقع، النظر والممارسة، الله والإنسان، التاريخانيّة ونقّادها، البيروقراطيّة، الاجتماع البشريّ، ولكن ما يسترعي الانتباه هو الطريقة الّتي صُوِّرت فيها الأسطورة. كما يمكن قراءة القصّة على أنّها قلبٌ للسرديّة الوضعيّة المتناولة تطوّر المجتمعات البشريّة، إذ تظهر الأسطورة في الطور الأخير للمجتمع البشريّ، لا في مرحلة الطفولة".



آفاق ووقائع
ليس من دون معنى استهلالي الحديث عن عِمارة بابل، وبالتالي عن عِمارة ما بين النهرين، على وجه العموم، عبر بوابة نقدية فلسفية أدبية، مبتعدًا كما قد يرى بعض من يقرأ هنا، عن صلب الموضوع حول سمات العمارة البابلية (الكلدانية من تجلياتها) والسومرية والآشورية. وأما المعنى فهو أن تلك العمارة على وجه العموم، وذروتها الكبرى المتمثلة في برج بابل على وجه الخصوص، تحرّكت في قلب المعمعة التي سادت أيامها هناك في المسافة بين الأسطورة والديانات السماوية الثلاث، خصوصًا أقدم هذه الديانات: اليهودية. فهي مسافة عامرة بالتقاطعات، حيث الظواهر نفسها، لكن الشروع في تفسيرها يؤسس لقطيعة بين الدين والأسطورة، تلك القطيعة التي قد تكون بلغت ذروتها مع ظهور آخر هذه الأديان: الدين الإسلامي.

حدائق بابل المعلقة 


أما الإنسان فهو نفسه، إنسان الأساطير القديمة، وإنسان الديانات السماوية. الإنسان هو الإنسان، مرّة يريد أن يغوص في رحلة حتى الأرض السابعة كي يعيد (عناة) من براثن (موت) كما فعل (بعل) الأوغاريتيّ الكنعانيّ على سبيل المثال، ومرّة يَشْخَصُ بصره نحو الأعالي يشتهي أن يبني برجًا يكاد يلامس السماء. مرّة يحلّ في (وطفان) الكواسر والشرور، ومرّة تصفو عواطفه، وتحنّ كما تحنّ (أفروديت)، فتخضرّ أحلامه، ويطلع الخصب من ضلوع مسرّاته، فإذا به (أبو) الخصب الأكاديّ السومريّ، أو (مايا) الخصب الروميّ، أو (تموز) الخصب الآشوريّ البابليّ العربيّ.




إنه الإنسان الذي شيّد، مسترشدًا بكل هذا الإرث الأسطوريّ المعتقديّ، برج المعجزة الخالد، وأهرامات العمارة المستحيلة، ومعابد آخر الدنيا عند حدود المكسيك هناك. أبدع وأنشأ الحصون، وبنى مداميك وجوده الذي دافع عنه بضراوة ضد شياطين الشر، وتقلبات الطبيعة، وتصاريف القدر، وكواسر الفلوات الموحشات.
واجهَ واقعَه حوله، فإذا به يتخطاه مؤسسًا لآفاق وصلتنا بأبهى حللها، وأنصع مهاراتها، وأبقى صلابتها، كما لو أنه يقول لنا: هاكم تفضلوا، هذا ما صنعته لكم، فانظروا ما أنتم صانعيه لمن سوف يأتون بعدكم.
صحيح أن الأسطورة تحركت أساسًا كمحاولة لتفسير ظواهر الكون من حولنا، ولكنها، ومع ازدياد اشتباكها مع بني البشر، أخذت بعدًا وظيفيًّا.
في قصة "شعار مدينة"، وبالتالي في حيثيات بناء برج بابل، تتحوّل الأسطورة، وفق طرح عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي أوغست كومت (1798 ـ 1857) حول التصوّر الوضعيّ، من حدثٍ تاريخيٍّ بعيدٍ "تخالطه أوهام كثيرة، إلى نسيجٍ سرديّ متخيّل يقوم داخل الفكر؛ انطلاقًا من إشكالات اليوم وتأزّم أحواله؛ فالأسطورة لا تستمرّ في الوجود داخل الوعي الجمعيّ لمجرّد حدث تاريخيّ، ولكن من خلال استدامة وجودها الحيّ في أرض الواقع، من خلال الحاجة والخوف؛ الحاجة إلى إيجاد تبرير يمكنه أن يستر وجودنا الهشّ، والخوف من أن يكون العالم خُلوًا من المعنى والسكينة" (المغربي).
وبما أنّ المجتمعات البشريّة مرّت، بحسب كومت، بأطوار ثلاثة: اللاهوتيّ الأسطوريّ، الميتافيزيقيّ الفلسفيّ، وأخيرًا العلميّ الوضعيّ، فإن حقيقة بناء برجٍ على شاكلة برج بابل، أو وهمية هذا الأمر (يذهب كثير من أتباع الديانة السماوية الثالثة (الإسلام) إلى نفي قصة برج بابل من أساسها)، تبقى رهن ما تفترضه القصّة حول التطوّر المجتمعيّ والمدينيّ لبني البشر. وفي حين يتخيّل جمهورٌ من المؤمنين أن الأسطورة ساقطة من السماء، ولا صلة لها بالواقع، فإن كلا التصوّرين الوضعيّ والمؤمن، يرى في الأسطورة منتجًا مفارقًا لهذا العالم، ولكنهما يتباينان في الحكم عليها، وحول إن كانت حقيقة أم وهم.



زقورةُ سُومر وطوبُ الزّمن
لا يبتعد الجوهر الذي انبنى على أساسه برج بابل، سواء في الواقع، أو فقط في الأساطير والكتب المقدسة، عن فكرة المعبد في حضارات ما بين النهرين. فالمعبد (الزقورة) في تلك الحضارات بُني على شكل مدرجات صاعدة نحو العلا، تنتهي أخيرًا بالحرم المقدس. تذكروا أن المقدس في مختلف الأساطير والمعتقدات عُلويٌّ، والمدنّس سفليّ. وكما هو معلوم، فقد تنوعت الزقورات بحسب كل حضارة نشأت في منطقة ما بين النهرين، سواء كانت الحضارة سومرية، أو آشورية، أو كلدانية، أو بابلية.

حدائق بابل المعلقة بريشة الهولندي مارتن هيمسكيريك


وبما أن السومرية هي بحسب معظم المؤرخين وباحثي الآثار أقدم حضارات ما بين النهريْن (بلاد الرافديْن)، فالزقورة بالتالي، هي، على الأرجح، مستهلٌّ سومريّ، قلّده بعدهم الأكديون والآشوريون والبابليون والكلدانيون.




ولكن ما هي الزقورة (أو الزيقورة)؟ ولماذا تحمل هذا الاسم؟ الزقّورة (كلمة أكدية معناها المكان المرتفع)، بحسب الإجماع الأعم، هي اسم المعبد أيام أور (المدينة العراقية الجنوبية قرب الناصرية حاليًا، أو هي مدينة سومرية تقع جنوبي بلاد الرافدين التي نعرفها اليوم باسم العراق، وهناك من يذهب إلى أنها محافظة ذي قار المعاصرة) والحضارة الممتدة التي نشأت فوقها قبل زهاء خمسة آلاف عام (ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد). حول أقدمية زقّورة أور، يؤكد الباحث والآثاري العراقي، عامر عبد الرزاق، مدير متحف الناصرية الحضاري، أن زقورةَ أور تعد "أقدم فكرة للبناء المدرّج في العالم، حيث بناها الملك (أور نمو) من سلالة أور الثالثة (2100 قبل الميلاد)".
الزقّورة وسط هذه الحيثيات هي معبد متدرج، تدرجه ذاهب نحو الأعلى، ومما عثر عليه من زقورات، يبدو أن هذا الطراز المعماري المرتبط على الأغلب بوظيفة دينية، أو بالأحرى بمفهوم عبادة طقسي، يرى أن لحظة الوصال مع الرب تكون أوفى، كلما صعد المكان الذي يقام فيه هذا الطقس للأعلى. كما تخبرنا اللقى وبقايا آثار الزقورات المعثور عليها، أن هذا الوعي المجتمعي حول شكل العبادة وشروطها، لم يقتصر على حضارات بلاد الرافدين، إذ عثر على زقورات في سوريا، واحدة منها عثر عليها في سهل الغاب في محافظة حماة السورية بين مدينة إيبلا الاثرية (العصر الفخاري والبرونزي)، وأفاميا (الهيلينية/ البيزنطية)، كما عثر على عدد من الزقورات في مدينة ماري الأثرية قرب الفرات الأوسط في سوريا. وعثر على أربع زقورات في إيران أشهرها زقورة جغا زنبيل في خوزستان الأهواز.
إنّه الشرق مرّة أخرى، حيث يولد الأنبياء، وحيث الأرض السمراء العاشقة للأسطورة والأديان، والتفاعل الخصب مع تقلبات الفصول ومتوالية الأيام، والعلاقة الساطعة تحت نور الشمس بين الأرض والسماء.

زقورة سومرية


لا تختلف الزقورة كثيرًا، لا في شكلها وعمارتها، ولا في معناها ودلالاتها، عن فكرة أهرامات مصر، والأهرامات عمومًا، وشكل تدرجها وصعودها نحو العُلا. وهي تشكّل، كما يرى الكاتب العراقي، علاء كولي، "الهوية التاريخية والحضارية لمحافظة ذي قار"، حيث يرتبط الناس "بذاكرة هذه المدينة التي كانت يومًا ما واحدة من أعظم الممالك على وجه الأرض، وأكثرها دقة وتنظيمًا لحياة سكان بلاد الرافدين القدماء، بحسب ما تذكره التنقيبات الآثارية".




إضافة إلى الزقّورة، انكبّت العمارة السومرية على مسائل ومنجزات عديدة، منها اختراعها للتخطيط الحضري، وتصميمها فِناء البيت، ورغم أن الهندسة المعمارية لم تكن موجودة في سومر بهذا المعنى المهنيّ الدقيق، إلا أن الكتبة (جمع كاتب وهي وظيفة مرموقة بحسب تراتبية الحضارة السومرية) انهمكوا في إدارة الأبنية الخاصة بالملوك والنبلاء وكبار موظفي الحكومة. كما آمن السومريون أن "حرفة البناء" هي هدية إلهية يدرّسها الآلهة للرجال دون النساء. وبحسب جل الباحثين شكّلت ِعمارة السومريين الأساس الذي استقى منهم من جاء بعدهم أسرارها ومواصفاتها، فهي حجر نهوض، وعبقر إلهام العمارة الفينيقية والأناضولية والحثّية والحرّانية والأوغاريتية والبابلية والآشورية والفارسية والإسلامية، وبدرجة أقل العمارة الغربية.
الطوب المشوي والآجر هي المداميك الجوهرية التي قامت عليها عِمارة ما بين النهرين. يحملون هذا الطوب نحو تلال صناعية كانوا يرفعونها كي تشكل ساتر حماية للمبنى المنوي تشييده من الفيضانات والسيول.
بهذا الطوب شيّد أبناء حضارات بلاد الرافديْن السدود وقنوات تصريف المياه والجسور، وبها رفعوا المعابد ونقشوا القصور.
أما الطراز الذي اعتمدوه في عِمارتهم، فهو طراز العقود والأقواس والقبب التي كانت تبنى من الآجر. ويعد سكان ما بين النهرين أول من ابتكر هذا الطراز، ومنهم استوحته الحضارات اللاحقة.

برج بابل للرسام أناثاسيوس كيرشير 


أمّا الفناء المركزيّ المفتوح على الغرف جميعها، فقد تجلى بوصفه مفردة عميمة الآفاق، لم يَحرِم الفُراتيون منها البيوت حين صنعوها للقصور. فإذا بها مفردة تساوي بين الفقير والأمير، وتؤدي وظيفة الفضاء المطل على السماء. مفردة حازتها المعابد كما حازتها البيوت جميعها، وأمّا الغرف فهي بالنسبة للبيوت والمعابد صغيرة طولانية ملضومة بالعقود، في حين غرف القصور أكبر وأعلى، ووظائفها أكثر. فِناء/ فضاء المعابد محاط بغرف للكهنة، متصل بفِناء آخر تحيط به غرف الخزين، وفيها الهدايا المقدمة للآلهة، ثم غرفة الصلاة، وغرفة الحرم التي تضم، إلى ذلك، سريرًا ومائدة وتمثالًا للآلهة.



الحدائق المعلّقة بين الأسطورة والحقيقة
كما هو حال برج بابل، فإن الحدائق المعلقة هي مِعمار حضاريٌّ بابليٌّ واقعٌ في المسافة المتأرجحة بين الحقيقة والخيال.
الباحثة الأميركية، ستيفاني دالي، من جامعة أكسفورد، المتخصصة في الدراسات الشرقية، وتحديدًا في بلاد ما بين النهرين، تخلُص بعد بحث وتنقيب ومتابعة استغرقت منها عشرين عامًا، إلى نظرية مفادها أن العلماء وهم يبحثون عن آثار الحدائق المعلقة، ضلّوا الطريق، فإذا بهم يبحثون في المكان الخطأ.
دالي ركّزت دراساتها وبحثها وتنقيبها على مدينة الموصل، حاملة في يمينها رقيمًا قد يكون حاسمًا حول حقيقة الحدائق، إنه اللوح المسماري الذي نقشه الملك سنحاريب (سبق نبوخذ نصر بمئة عام)، ودوّن فيه معلومات دقيقة عن حدائق تحيط قصره (الذي لا يضاهيه قصر بحسب جملة في الرقيم)، وتشكّل حوله سياجًا من الأشجار والنباتات الغنّاء. حتى أن النقش الموجود في المتحف البريطاني يصف، إلى ذلك، طريقة زراعة الأشجار على الرواق المسقوف، فإذا بها تتماهى تمامًا مع وصف حدائق بابل.

نقش مسماري قد يؤكد وجود الحدائق المعلقة


إذا قررنا تصديق وجود الحدائق، فعلينا أن نكمل معروفنا ونصدق وجود سور يحيط بابل القديمة، ووجود مسلة نسبت إلى الملكة سميراميس، بوصفها جميعها، ومعها البرج الأسطوريّ التوراتيّ الكافكويّ، من عجائب المدينة الأعرق، لعلها من بين باقي مدن التاريخ القديم. كما علينا أن نصدّق أن مقطوعة نينوى هي موسيقى طالعة بأبهى بهائها من أعماق ذلك الزمان الذي أسّس، لعله، جذور ما نقرأه من أساطير، وما نطالعه من تاريخ حضارات، وما نقف أمامه بجلال من أوابد من سبقونا وآثارهم ونقوشهم وصراعهم ليس مع أعدائهم فقط، ولكن أيضًا، وأيضًا، مع الظواهر حولهم، والتقلبات عن يمينهم وعن شمالهم، ومع سنين جدبهم (السبع العجاف)، وأسارير خصبهم (السبع السِمان)، ومع آلهتهم وأنصاف آلهتهم. أي بمعنى صراع وجودهم الذي أرادوا له أن يظل حيًّا باقيًا، فمنحوه أكاسير خلود، فإذا بهم يتركون وراءهم آثارًا لا يمحو الزمان أعمدة صمودها. كل ما علينا أن نواصل البحث والتنقيب عن مكامن اختباء آثارهم، نزيل الرمال التي تنزوي تحتها، تنتظرنا، تتحدانا، تقول لنا إن مجدًا صنعوه من دون ما أتيح لنا هذا الزمان من تكنولوجيا، لهو بحق مجد يستحق الشموخ، وينتزع بجدارة وصفه بالمعجزة، لا بل بالمعجزات، إذا اتفقنا أنه ليس أثرًا واحدًا، ولا عجيبة يتيمة.



عِمارة وفنون وتنوّع
في تلك البُقعة العتيقة التي بدأ منها التاريخ، ترك لنا أبناء الرافديْن ليس مجد عِمارتهم فقط، ولكن قبسًا صاخبًأ من باقي فنونهم في النحت والنقش والخزف والحليّ والرسم (التصوير) والموسيقى والطهي والصناعة والزراعة والحياة.
فنون عمارة وأسوار شاهقة مطعمة بأبراج وتحصينات. جدران مزدوجة، شيّدت داخل تفاصيلها هياكل وقصور قد تتحول عند الحاجة إلى قلاع دفاع. أبواب ضخمة مزينة ومتينة منها، على سبيل المثال، باب عشتار الذي يعد من أشهرها.




قصر جنوبيّ، وآخر رئيسيّ، وثالث صيفيّ. ساحات يحيط بكل منها حجرات ومرافق كثيرة، منها ساحة الاستقبال، التي يوجد في ضلعها الجنوبي قاعة عرش تزيّن واجهتها المقابلة للساحة بِصُوَرٍ جداريةٍ ذات ألوان زاهية، وفي الجدار المقابل لمدخل القاعة محراب كان يوضع فيه العرش. بقايا بناء غريب، يتألف من أربع عشرة حجرة متشابهة في شكلها وحجمها، كل سبع منها على جانب من الممر، ويحيط بها جدار سميك قوي، في إحدى الحجرات بئر لها ثلاث حفر متجاورة. عجائب سحرت عقول المؤرخين اليونانيين والرومان.



فتنة غربية بمجدٍ شرقيّ
تحت عنوان "التاريخ يبدأ في بلاد ما بين النهرين"، أقيم قبل زهاء خمسة أعوام معرض احتضنه فرع متحف اللوفر في مدينة لانس الفرنسية الشمالية بعيدًا عن المركز الباريسيّ للمتحف الأشهر، لعله، على امتداد جغرافيا الكوكب. الناقد الفني والإعلامي الإنكليزي، ألاستير سوك، زار المعرض، ووصف لنا عبر مقال نشره له موقع تلفزيون BBC في نسخته العربية، ما رآه، وما خلص إليه، وما فجّر ينابيع دهشته.

أسد بابل 


يقول سوك إن المعرض ضم نحو 500 قطعة من المقتنيات، واستعرض زهاء 5000 عام من تاريخ "بلاد ما بين النهرين" (وهي البُقعة التي باتت غالبية أراضيها تقريبًا تُعرف حاليًا بالعراق)، وذلك بدءًا من اختراع الكتابة في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد، وانتهاءً بغزو الإسكندر الأكبر لبابل عام 331 قبل الميلاد أيضًا.
من بين المعروضات، بحسب سوك، تمثالٌ من المرمر يعود إلى عام 2250 قبل الميلاد تقريبًا. ويُصوّر مسؤولًا حليق الرأس ذا لحية، يجلس مرتديًا تنورةً متقنة من الصوف. وللتمثال "عينان مذهلتان مُطعمتان باللازَورد الأزرق".
مما يستنتجه سوك أننا في حاجة جوهرية لأن نفهم سبب تسمية "بلاد ما بين النهرين" بهذا الاسم. فالاسم الذي كان الإغريق أول من استخدموه، يشير إلى كونها "منطقة مسطحة من الأراضي ذات التربة المؤلفة من الغرين (الطين الرسوبي) الواقعة بين نهريّ دجلة والفرات؛ تلك البقعة المعروفة باسم "مهد الحضارة"، التي تخلى فيها الإنسان، للمرة الأولى، عن نمط الحياة القائم على الصيد وجمع الثمار، بهدف تأسيس مجتمعاتٍ أكثر استقرارًا تقوم على الزراعة، التي ازدهرت بحلول عام 6000 قبل الميلاد".




تزهو "بلاد ما بين النهرين" أنها كانت، بحسب المؤرخ الأسترالي، باول كولينز، والباحثة الفرنسية، آريان توما (المسؤولة عن قسم آثار الشرق الأوسط في متحف اللوفر)، مهدًا للعديد من الاختراعات والابتكارات، نظرًا لتاريخها الموغل في القدم. فعلماء الآثار يشيرون إلى ابتكارات تقنية مثل "دولاب الفخار"، وهي آلة دوارة تُستخدم لصنع الفخار.
كما يشيران إلى أن لهذه المنطقة الفضل في إحراز تقدمٍ لافت في الرياضيات والطب وعلم الفلك. فمن سكانها ورثنا الطريقة التي نحصي بها الوقت، ونقسم الساعة إلى 60 دقيقة. بل إن هذه البقعة، التي شهدت أول احتساءٍ موثّقٍ للجعة، تطوّر فيها كذلك النسيج ومنتجات الألبان.
كولينز يتحدّث في كتاب له عن المعابد المُدرّجة المبنية من الطوب اللَبِن، "التي كانت تُعرف بـ"الزقورات". وكانت هذه الصروح المؤلفة من عدة طوابق إحدى السمات المميزة للمدن التي نشأت في تلك المنطقة، بخاصة بابل، وقد استُلهم منها، إلى ذلك، برج بابل".
أما توما فتقول "سمع الكل عن حدائق بابل المعلقة، وبرج بابل، ونبوخذ نصر، والطوفان. لكن منطقة "بلاد ما بين النهرين" تحظى بشهرة أكثر بكثير مما يظن الناس".
المسألة الأهم التي يشير إليها كولينز هي التنوّع السكّاني الخصب الذي صنع كل هذا المجد، يقول حول ذلك: "شكّلت بلاد ما بين النهرين بوتقة ذات خليطٍ سكانيٍّ متنوّع. فهناك أناس يتحدثون لغاتٍ عديدة، ويُفترض أن لديهم تقاليد ثقافية أساسية مُضمرة ومختلفة كذلك. لذا يفكر الناس في الغالب ببساطة مفرطة في "السومريين" و"الأشوريين"، في وقت نكون فيه بصدد الحديث عن مجتمعٍ أكثر تعقيدًا".
تنوّع يفسّر ربما هذا المجد المعماريّ الذي وصلته حضارات ما بين النهريْن، قبل أن يجور على نسختها الحديثة: العراق، الاستعمار والطغاة ربائب الاستعمار وقوى الظلام صنيعة الاستعمار.
وربما يعطينا جوابًا ما: لماذا لم يكملوا البرج الطالع من شرايين المُخيلة؟ هل اختلاف اللغات أدى إلى اختلاف الوجهات؟ وهل أسباب الصعود إلى السماء تختلف من لغة إلى أخرى (وبالتالي من ثقافة وموجبات إلى أخرى)؟
أسئلة سوف تبقى عالقة، طالما البرج ما يزال في طور الصعود، وطالما الحدائق ما تزال معلّقة.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.