لأن القدس هي، بحسب الديانتيْن الإسلامية والمسيحية، بوابة الأرض إلى السماء، ومجد القيامة، وعتبة المعجزات، فقد تسابق أبناء الحضارات المرتبطة بهاتيْن الديانتيْن، إلى تثبيت بعضٍ من أثرهم وآثار خطوهم فيها. ولأن حارات القدس عتيقها وجديدها، تحوّلت منذ عرف بنو البشر قيمة المدينة السابحة في جلال المدى، إلى موزاييك يأوي داخل جدران بيوتها أممًا من مشارق الأرض ومغاربها، فإن العمارة التي شيّدها أبناء هذه المرجعيات الغزيرة المتدافعة إلى لمس مطالع البركة، وتلمّس أقواس الروح، عكست تنوّعهم جميعه، وكشفت عن حرصٍ بليغ على جعل المدينة زهرة المدائن حقًّا وقولًا كما غنّت لها فيروز.
وبينما يعبّر التراث المعماري في القاهرة عن العهد الفاطمي والمملوكي، والتراث المعماري في العراق عن العصر العباسي، وفي دمشق عن العصر الأموي، فإن التراث المعماري المقدسيّ يعبّر عن تلك الحقب التاريخية جميعها مضافًا إليها بيوت المقدسيينَ في حارات القدس جميعها، زاخرةً بتنوّعٍ معماريٍّ يعكس خصبًا جماليًا وتلاقحًا حضاريًّا.
قبابٌ ومدارسُ وأسواقٌ وحمّاماتٌ ومفرداتٌ معماريةٌ لا تكاد تحصى، تخبرنا جميعها كم هو المعمارُ المقدسيّ كنزٌ ثمينٌ يعبّرُ عن تاريخِ المدينة المقدسة، ويشفُّ عن مددِ حضارتٍ تعاقبت عليها، وعن خصوصيةِ المقدساتِ المتوزّعة جهاتِها.
قبّة الصخرة وكنيسة القيامة وغيرهما؛ تحفٌ معمارية تحتشدُ بالجمالياتِ وتخطف الأبصار.
القدس هي، في أوّل القول، مدينة كنعانية تعود أحقابها التأسيسية القديمة إلى أزيد من 5600 سنة ماضية. والمعروف والمتواتر بالحجج والاكتشافات والنقوش والآثار، أن الكنعانيين كانوا ماهرين في فن البناء، وفي قطع الحجارة الضخمة، وكانت مدنهم حصينة ومحاطة بالأسوار. علاوة على مهاراتهم في صناعة الفخار والنسيج، وأنهم من أوائل الحضارات التي أتقنت أبجديات الزراعة جميعها. والزيتون، كما تعلمون، مرتبط بهم حصرًا ودلالات وتجذرًا في الأرض والحكاية. وهم عرفوا، إلى ذلك، المعادن والتعدين، وسنّوا الشرائع والقوانين، واخترعوا الكتابة عندما اخْترعوا حروف الهجاء ودوّنوا عبرها أجزاءً من تاريخهم، ومنجزاتهم، وشرائعهم، وسير قادتهم، وحكايات جدّاتهم.
في الزمن القديم حماها ملكها عبد-هبا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، على أن أهلها الذين عمّروها وهنْدسوا مداميك قوامها الأول، لم يبرحوها قبل أن يتركوا ما يدلّ عليهم. وعليه باتت القدس، وحتى يومنا هذا، حصن السلام الحصين، مدينة الألق المعماري الطالع من عناقيد السماء؛ أعمدة وأسوار وبيوت حجر وعروق أصالة يصعب القفز عنها إلى أي ادّعاء حولها، أو محاولةٍ لهيكلةِ حقيقتها بالاستناد إلى خرافة، أو كذبة، أو تلفيق.
كل حبة ثرى في رحابها العتيقة تقول إنها تشبه شعبها الفلسطينيّ وريث الكنعانيين وابنهم الشرعيّ المذكور في اللقى والأوابد والسطور والأناشيد.
عمارة القدس الإسلامية
المسجد الأقصى المقصود في الآية الكريمة الأولى من سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، هو كل المكان الذي يسمّى "الحرم الشريف"، وهي أرض واسعة تحيط بها الأسوار بطول يصل إلى 492 مترًا من الغرب، وإلى 462 مترًا من الشرق، وعرضه في الشمال 310 أمتار، وفي الجنوب 281 مترًا، وله عدد من المداخل الرمزية مؤلّفة من أقواس وأعمدة أطلق عليها اسم الميازين، في هذه الساحة منشآت تعود إلى مختلف العهود الإسلامية، مدارس ومساجد وقباب وأهمها قبة الصخرة والمسجد الأقصى، يتبرّك المسلمون بهما فور وصولهم مدينة القدس.
في عام 72هـ/691م، أمر عبد الملك بن مروان بإنشاء قبّة الصخرة، وابتدأ بإنشاء المسجد الأقصى الذي أتمّه بعد ذلك ابنه الوليد سنة 97هـ/715م. ولقد أنفق عبد الملك مالًا وفيرًا في القدس لإنشاء هذين الصرحين للدلالة على قوة الإسلام وانتصاره، وأمر بتعبيد الطرق بين الشام والقدس، لتسهيل سبل زيارة الحرم القدسي.
وكما كان الأيوبيون أبطالًا في التحرير، كانوا، كذلك، قدوةً في الإعمار والإنشاء، حيث قام صلاح الدين بإعادة بناء سور القدس سنة 587هـ/1191م. وأمر بحفرِ خندقٍ حول الأسوار. كما جدّد، بعد تحرير القدس سنة 583هـ/1187م المحراب القائم حتى اليوم وزينه بالفسيفساء، واستحضر من حلب المنبر الخشبي الذي أحرقه الصهاينة في آب/أغسطس 1969م. تابع أبناؤه من بعده الإعمار والرعاية، الملك العادل (شقيق صلاح الدين) أنشأ الجامع العمري سنة 589هـ/1193م، وبنى سقاية لحفظ الماء وتموين القدس. وأنشأ ابنه الأفضل المدرسة الأفضلية، وقبّة المعراج، والزاوية الجراحية، والمدرسة الناصرية، وزاويتيّ الدركاه والهنود.
تابع المماليك عمارة القدس وأصبحت المدينة في عهدهم أكثر ازدهارًا. فخلال فترة حكم الملك المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، التي امتدّت 43 عامًا، حفلت القدس بالعمائر المملوكية التي باحت بتطوّرٍ رائعٍ حفلت به أيامهم العمارة الإسلامية؛ أنشأ قلاوون أروقة المسجد الأقصى الممتدّة من باب الحرم حتى باب الغوانمة، وعمّر السور القبلي، وأمر بترخيم صدر المسجد الأقصى وصولًا للحائط الجنوبي، وجدّد تذهيب قبّتيّ الأقصى والصخرة سنة 720هـ/1320م، وعمّر الميازين مقابل باب حطّة وباب شرف الأنبياء، كما جدّد عمارة باب القطانين، وأحيا قناة السبيل عند بركة السلطان، (القناة الداخلة للقدس من عين العروب)، وأنشأ جامع القلعة 710هـ/1310م.
في عهد السلطان الأشرف قايتباي أُنشئِت الأشرفية، ومُدّ سبيلٌ في الحرم الشريف يحمل اسمه، وشُيّدت المدرسة المزهرية. السلطان برقوق أنشأ، بدوره، المدرسة الجهاركية، وبركة وخان السلطان.
من مآذن الحقبة المملوكية المئذنة الفخرية 677هـ/1278م، وهي مربّعة وفوقها شرفة تحمل بيت المؤذن وفوقه رقبة مثمّنة ثم قبة صغيرة، إضافة إلى مئذنتيّ باب الغوانمة 730هـ/1329م، وباب الأسباط 769هـ/1367م. ومن المساجد مسجد القلعة 710هـ/1310م، والمسجد القيمري 674هـ/1276م، وجامع الخانقاه الصلاحية.
على صعيد المدارس التعليمية، فإن الرحّالة والمستكشف العثماني أوليا جلبي (1611-1684)، يورد في كتاب رحلته المنشور في عشرة مجلدات، أنّ عدد المدارس والزوايا في القدس خلال القرن الحادي عشر الهجري كان 630 مدرسة، ومن أقدم المدارس المدرسة المنصورية التي أنشأها الملك المنصور قلاوون، وهي أكثر المدارس الإسلامية الباقية من العهد المملوكي الذي امتد حتى عام 923هـ/1517م، وقد اهتم المماليك بتأكيد المذهب السنّي بمذاهبه الأربعة وبخاصة المذهب الشافعي، ولذلك فإنّ بناء المدرسة يتضمّن أربعة أواوين لتدريس الفقه حسب المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي، وكان الإيوان القبلي هو حرم للصلاة ومدرسة لتدريس المذهب الشافعي.
استهل العهد العثماني علاقته بعمارة القدس بانطلاق أعمال الترميم التي قام بها السلطان سليمان القانوني في سور المدينة. كما شيّد برجيّ اللقلق والكبريت وأبراجًا أخرى، وجدّد أبواب العامود، ودمشق، والساهرة، وستّي مريم، والخليل، والمغاربة. وأنشأ عددًا من السبلان في الطرق المؤدية للحرم القدسي؛ منها سبيل بركة السلطان، وسبيل باب العتم، وسبيل باب الناظر وغيرها. واستبدل الزخارف الفسيفسائية التالفة في واجهة قبّة الصخرة وأمر بتغطيتها بألواح القيشاني التي ما تزال قائمة تحمل اسمه وتاريخ الترميم.
الهاشميون، بدورهم، أدلوا بدلوهم على صعيد العناية بمقدسات المدينة، متنكّبين خطو من سبقهم بدءًا من الأمويين وصولًا إلى العثمانيين، ففي عام 1924، تبرّع الشريف الحسين بن علي من ماله الخاص (26677 جنيهًا، حوالي 50 ألف ليرة ذهبية)، ومعه ابنه الملك عبد الله الأول (الملك المؤسس للمملكة الأردنية الهاشمية) لإنجاز الإعمار الهاشميّ الأول الذي لا تذكر لنا المصادر التاريخية ما الذي تضمّنه. الملك الراحل الحسين بن طلال تصدى للإعمار الهاشمي الثاني الذي انطلق في عام 1959 وانتهى في عام 1964، متضمّنًا: تقوية القبّة من الداخل، حيث اُسْتعيض عن خشبها القديم الذي تآكل بفعل السوس بخشبٍ صالح وجيد، ورُفعت ألواح الرصاص التي كانت تغطي القبّةَ من الخارج، ورُكّبت بدلًا منها قبّة مصنوعة من الألمنيوم المذهَّب، ورُفع الهلال القديم وكان مصنوعًا من النحاس، ووُضع مكانه هلالٌ مصنوع من الألمنيوم المذهَّب تعلوه مانعةٌ للصواعق من البلاتين، وقُوِّيَت الجدران من الخارج بالخرسانة المسلّحة، ووُضعت دعامات له من الداخل، ورُفعت ثلاثة أعمدة جديدة: اثنان من الناحية الشرقية القِبْلية للصخرة، وثالث إلى الشمال. كما جرى إصلاح الفسيفساء في القبّة من الداخل، والرخام والقاشاني في جوانب أخرى من المسجد. الإعمار الهاشميّ الثالث انطلق بعد الحريق الذي ارتكبه الصهاينة كما أشرنا، واستمر حتى عام 1994، مشتملًا على إنشاء شبكة كاملة للإطفاء بالمياه، وشبكة إنارة أمنية للمحافظة على الحرم الشريف. قُسِّم مشروع العمل إلى مرحلتين: مرحلة إنشائية هُدِم فيها الجزء الجنوبي الشرقي وأعيد بناؤه، ومرحلة الأعمال التكميلية والزخرفة. وأعيدت خلال العملية تكسية قبّة المسجد الخارجية بمادة الرصاص كما كانت عليه قبل عام 1964 بدلًا من ألواح الألمنيوم الأبيض.
ونُفذت أعمال تركيب شبابيك جصّية داخلية وخارجية في جميع فتحات المسجد، بلغ عددها حوالي مائتي شباك، وكذلك تبليط وترميم جامع عمر ومحراب زكريا ومقام الأربعين. ورُممت المصاطب والقباب، ومن أبرزها: قبّة السلسلة، والمحاريب، والسبل وفي مقدمتها سبيل قايتباي. كما رُمِّم المتحف الإسلامي، وضريح الشريف الحسين بن علي، وجامع المدرسة الأرغونية، والرواق الغربي. أما منبر صلاح الدين الذي أراده الملك الراحل جزءًا من الإعمار الهاشميّ الثالث، فقد تحقق في عهد الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حيث أُرسِل المنبر إلى مكانه في المسجد الأقصى في الثالث والعشرين من كانون الثاني/يناير 2007، بعد الانتهاء من إنجازه داخل جامعة البلقاء التطبيقية. (الوصاية الهاشمية شملت، إلى ذلك، ترميمات لبعض المفردات المعمارية المسيحية، مثل ترميم القبر المقدس في كنيسة القيامة نيسان/أبريل 2016، وترميم كنيسة الصعود على جبل الزيتون عام 2017، وغيرها من أوجه العناية بالمقدسات الإسلامية والمسيحية داخل أسوار المدينة العتيقة).
إجمالًا قسّم المسلمون المدينة إلى حارات (خطط)، وفي هذه الأحياء أسواق محلية صغيرة استقلّتْ عن الأسواق الرئيسة، وكانت الأحياء تضمّ مجموعات سكانية منسجمة في بيئتها الاجتماعية والدينية، وطرق المدينة القديمة متعرجة، غطّي بعضها بعقود. بيوتها عالية وعتباتها واسعة. عمارة المدارس تمتاز بالفِناء ذي البِرْكة (البحرة في الشائع الدمشقيّ)، تنتشر حوله الأواوين والغرف، أمّا الواجهات الجميلة التي تدخل منها إلى المدرسة من خلال دركاه، فهي من ميزات العمارة المملوكية. ورغم أن المدارس المملوكية في القدس لم ترْقَ إلى مستوى مدارس عهودهم في القاهرة، المتميّزة بالاتساع والفخامة كمدرسة السلطان حسن، إلا أن مدارسهم المقدسيّة تتمتع بالأناقة والبساطة والوحدة. من مدارسهم الباقية حتى اليوم: السلامية، الجاؤلية، الملكية، الفارسية، الأرغونية التي تضم ضريح الحسين بن علي، والقشتمرية وغيرها.
في موضوع عمارة القدس، لا بد من الإشارة إلى أن عددًا من الزلازل عصفت بالمدينة خلال حقب مختلفة، خصوصًا في الفترة ما بين القرنيْن الثامن والحادي عشر الميلادييْن. غيّرت هذه الزلازل، كما هو متوقّع، كثيرًا من معالم المدينة وأودت ببعض عمارتها، إلا أن الخلفاء والقادة ظلوا يواجهون كل زلزالٍ بإعادةِ إعمار، وترميمِ ما أصاب الحجارة المقدسة من دمار.
المستشرق السويسري ماكس فان برشيم (1863-1921) وثّق معظم معالم العمارة الإسلامية في القدس وسماتها وخصائصها، ومما وثقه الترميمات المهمة التي قام بها المهندس التركي كمال الدين. برشيم يورد في توثيقه أنّ كمال الدين استخدم في ترميمه فسيفساء يعود إلى العهد الفاطمي، المختلف بجودته ورسومه وطريقة تنضيده عن الفسيفساء الأموي. والفسيفساء الفاطمي مثال نادر نراه في الأقصى فقط وليس له مثيل في أي عصر آخر.
يجسّد الحرم الشريف (وخصوصًا قبّة الصخرة) روائع العمارة الإسلامية. والحرم هو أولى القبلتيْن وثالث الحرميْن، والقبّة صرحٌ لحماية الصخرة المقدسة، ومن هناك تحققت معجزة معراج رسول الله محمد ﷺ.
خصوصية القبّة
لا بدّ من الوقوف طويلًا أمام قبة الصخرة، هذه الآية الرائعة التي قال عنها الرحالة والمؤرّخ السويسري (مكتشف البتراء) جون لويس بركهارت (1784-1817): "إنّ إشادة بناء بهذا المستوى من الكمال والإتقان الفني، يعد عملًا خارقًا في دولةٍ لم يكنْ قد مضى على ظهورها سوى قرن واحد".
المخطط الثمانيّ المتفرّد بابتكاريّةٍ فذّة من المعمارييْن رجاء بن حياة الكندي ويزيد بن سلام... روعة الزخارف الفسيفسائية في القبّة... الحوامل الممشوقة في دائرة يحيطها مثمّن طول ضلعه 20.60م، مؤلّف من جدران ارتفاعها 9.5 تعلوها تصوينة... مثمّنات ودوائر أخرى، وحوامل، وأقواس، ودعائم، وجدران، وأبواب، وأعمدة، وعضّادات، ومساقط، ومربعات، ومكعّبات، ومحاريب، وإيوانات، وزوايا، ورؤوس زوايا، ومنظور لولبي، تتضافر جميعها لتمنحنا تحفة معمارية قد لا يجود الزمان بمثلها. وهي تحفة شكّلت تحريضًا معماريًا جماليًا يواصل المعماريون والدارسون والأكاديميون محاولة فك شيفرة تفاصيلها، وفهم مرامي تشييدها وفق الهندسة التي جرى تشييدها عبرها.
يقرأ بعض المعماريين الانتقال من المربع إلى مضاعفاته وصولًا إلى الكرة المتمثلة بالقبّة، أو أنصاف القبّة، أو الدائرة، بوصفه انتقالًا كونيًّا توحيديًّا؛ فالمربع يمثل الأرض بجهاتها الأربع، والدائرة تمثّل السماء وكل ما يرتبط بها من مطلق ومقدس ومشتهى، والمثمّن يمثل التحام المربع والدائرة بعناصر الطبيعة الأربعة الماء والنار والتراب والهواء.
صحيحٌ أنّ القبّة تقليدٌ معماريٌّ قديمٌ، وهي حلٌّ إنشائيٌّ ذكيٌّ لتغطية المباني، بيد أنها في العمارة الإسلامية ارتقت إلى كونها رمزًا لملكوت الواحد الأحد؛ عبْرها يصعد الابتهال والدعاء، ومنها تشع الرعاية والحماية.
المعماريان المصمّمان الكندي وسلام أرادا أنْ تعبّر قبّة الصخرة في مقاسها وتشكيلاتها عن رموز وحدانية، وهنا نتذكر أسباب تسمية القبّة بالسلسلة، هذه التسمية التي أطلقها العامة على القبة تعبيرًا عن علاقتها بالسدّة السماوية، فالمعتقد الشائع أنّ ثمة سلسلة معلقة في السماء توصل الصاعدين الصالحين إلى السدّة العليا. هكذا يحمل شكل القبّة معنى دينيًا محددًا. التشكيلات والمقاييس والنسب في قبة الصخرة تعبّر عن هوية البناء باعتباره مظلة للصخرة المقدسة، وآبدةً رمزية للإيمان والارتباط بالخالق، وطلبًا لرحمته وعنايته، إذْ أنّ القبة التي تعبّر عن الكون والسدة السماوية تغطّي حادبة حامية موضع التكريم والتمجيد، برمزيّة تراوح بين الدائرة والشكلِ المثمّن والمربّع.
وسواء رمزْنا للقبّة بطاسة المحراب، أو أيّ مسمّى آخر، فإنها تبقى في مختلف أشكالها ومسمّياتها رمزًا للعلاقة التي تربط الأرض بالسماء.
أمّا النجمة الثمانية في معمار القبّة فتعبّر عن مفهوم الكون وخالق الكون في الفكر الإسلامي، فهي تتألّف من مربعيْن متقابليْن بمركز واحد؛ مربّع يمثّل الجهات الأربع كما هو مربّع الكعبة المشرفة، ومربّع يمثل، كما أسلفنا، عناصر الطبيعة الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب.
ومرّة ثانية نحن لا ننكر أنّ عمارة القبّة لها نظائرها في عمائر أخرى سابقة للإسلام، مثل قلعة سمعان (قرب حلب)، وكاتدرائية بصرى (حوران)، وها هو المعماري الفرنسيّ ميشال إيكوشار (أو إيكوشاغ) يذهب إلى أنّ كثيرًا من الرموز الرياضية المألوفة في الثقافة الإغريقية عند أفلاطون وفيتاغورس كانت معروفة عند علماء المسلمين، ولكن الشيء الجديد في قبّة الصخرة كما يرى، هو تحوّل الشكل المربّع الذي يرمز إلى جغرافية الأرض بأبعادها الأربعة، إلى شكل ثماني مؤلف من مربعين متقابلين في قبة الصخرة يشكّلان نجمة ثمانية هي إشعاع القبة، هذا الشكل الكروي المعبّر عن قبّة الكون، كما لو أنه بحسب الكندي وسلام يمثّل العناية السماوية على الصخرة المشرفة.
إضافةً إلى ذلك لا يخلو جمال تكوين القبة من علاقات رياضية علمية، فلقد لاحظ عالم الآثار الإنجليزي آرنيست ريتشموند أنّ مقطع القبة يمكن حصره ضمْن مثلث متساوي الساقين، نسبة ارتفاعه إلى قاعدته هي نسبة ذهبية 1.6/1، وهي النسبة التي يربطها المعماريون بالمقدّس والمطلق.
لقد حقّق مصمّما قبة الصخرة أسسًا معمارية تقوم على نظرية الأشعريين وفكرهم الوحداتيّ القائم على وحدة الوجود المرتبطة بواحديّة الخالق. كما أن القيشاني والزخارف النباتية والفسيفسائية المحلية بمجملها، والخزف، والخطوط (خصوصًا الخط الجليليّ الشامي)، والألواح النحاسية، والمدّات والمنحنيات، والرقّوش، تتآلف جميعها لتشكّل صيغًا فردوسية مشتاقة لحياة ما بعد الموت، ولنعيم ما بعد الشقاء، وهي في هذا الإطار بعيدة كل البعد عن الصيغ المعمارية المادية الدنيوية. إنها عمارة التجريد المطلق، حيث تنتقل الوردة من واقعيتها المتعيّنة في دار الممر، إلى روحها النابضة بحدائق الجنان الخالدة في دار المقر.
العمارة الإسلامية في القدس تمثّل البساطة التي لفحتها الشمس، وعلى حيطان القبّة تفاصيل الفردوس السابحة في بحار من بلّور وسهول خضراء وشعاع لا ينتهي. لا تخفى على عينٍ علاقة مفردات تلك العمارة بالضّوء/النور، فللنور في الوجدان الإسلاميّ معانٍ كبرى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الآية 35 من سورة النور).
باقي عمارات القدس
تقع كنيسة القيامة (وهي المعْلم المعماري الأهم عند الحديث عن باقي عمارات القدس)، داخل أسوار البلدة القديمة، محاطةً بمناطق أثرية وأسواق تاريخية، تتيح للزوار فرصة ملاحظة التأثيرات المعمارية المتعددة التي تميز البناء، والمهارة الفائقة للحرفيين الفلسطينيين على مرّ العصور (يقال إن بنّاءً فلسطينيًا شيّد وحده، وعلى مدى أعوامٍ ممتدّة، 50 عمودًا من أعمدة كنيسة القيامة). صامدةً الكنيسة ما تزال، عاكسةً بمختلف تفاصيلها ومعانيها تجربة ثقافية متكاملة تجمع بين الإيمان والفن المعماري والتراث الحضاري.
بعض رخامها أحضره الفرنسيسكان من إيطاليا... قبابها متأثرة بمفهوم القباب في الحضارة الإسلامية... الروح الرومانية مبثوثة في عمارتها، وكذلك اليونانية، وهي بما تحظى به من قيم الجمال والبهاء أصبحت أيقونة لعمارة الكنائس على امتداد أوروبا، إذ أن كثيرًا من الكنائس والأديرة في أوروبا مثل تلك الموجودة في ألمانيا وروسيا وغيرهما صُممت كليًا، أو جزئيًا على نمط كنيسة القيامة، حتى أن بعضها يُعيد بناء الأماكن المقدسة لكي يراها من لا يستطيع زيارة الحقيقية؛ من بين هذه الأماكن كنيسة القبر المقدس في غورليتس الذي بُني بين عامي 1481 و1504، ودير القدس الجديد في مقاطعة موسكو الذي أسسه البطريرك نيكون بين عامي 1656 و1666، ودير جبل القديس الفرنسيسكان في واشنطن العاصمة الذي بُني عام 1898.
تعكس (القيامة) العلاقة الوثيقة بين الدين والحياة اليومية في بيت المقدس، وتعبّر عن التفاعلات بين الطوائف المسيحية المختلفة. كما أنها توفّر فضاءً للتأمّل، ومساحة لسرد قصص الإيمان والمقاومة والصمود عبر القرون.
العمارة المسروقة
في القدس، إضافة لما تقدم، بيوت فلسطينية تحظى بعمارة عريقة وعابقة بالرقيّ سرقها الغزاة، أبحر الباحث والأكاديميّ جورج كعدي في إحصائها والإشارة إلى بعضها في مقاله المنشور في "ضفة ثالثة" بتاريخ 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025، تحت عنوان "أحزان البيت الفلسطينيّ السليب"، وفيه يمرّ على بيوت أعيانٍ فلسطينيين مثل الطبيب المقدسيّ توفيق كنعان، ورجل الأعمال حنّا سلامة، وبيت أسرة الأكاديمية مروة داودي، والدكتور محمود طاهر الدجاني أول نقيب أطباء في فلسطين، والتربوي خليل السكاكيني وعشرات غيرهم في حي القطمون والقرمي والبقعتيْن الفوقا والتحتا والطالبية والوعرية والدجانية وغيرها، أقام، أو يقيم فيها بعض رؤساء العصابة، فهم وقحون ولا يخجلون من ارتكاب هذه السرقة الرخيصة الدنيئة الموصوفة حتى لو كان لهم مناصب سياسية أو دبلوماسية.
بيوت تزهو بحجارتها الوردية، أو (البيج)، أو الرمادية المستجلبة من مقالع الأحجار الكلسية المتوافرة في منطقة القدس. لون قرنفليٌّ يزيّن أطر النوافذ والشرفات والزوايا. نوافذ مقوّسة وأعمدة وشرفات داخلية وخارجية، سقوف مقبّبة بحقوق ملكية فلسطينية خالصة، قرميد أحمر، قضبان حديد متشابكة وفقًا لتصاميم تعكس أذواق المالكين، مصاريع معدنية خارجية بألوان متنوعة، بلاط محليّ جميل بألوان زاهية يُرصف على نحو معقد تتكرّر أشكاله الهندسية ورسومه. البيوت محاطة بالحدائق، ومبنية كلّها من دون استثناء من الحجر، وأكبرها من طبقتين وأربع شقق، مشهد عام لهذه الأحياء يسحر النظّار؛ حدائق غنّاء... زهورٌ باسمة... وأشجار مثمرة.
هذه بيوتٌ لم يبعْها أصحابها، ولم يتركوها ويفرّوا هاربين كما يكذب الكذّابون، بل دافعوا عنها ببسالة وفداء حتى الرمق الأخير، وحتى آخر رصاصات سلاح شخصيٍّ خفيف. هذه حقائق يشهد عليها المناضل بهجت أبو غربية، أحد قادة جيش الجهاد المقدس، ويشهد عليها الشهيد إبراهيم أبو دية، والمجاهد شفيق عويس ومئات غيرهم، قاتلوا حتى استشهدوا أو اضطروا لانسحابٍ تكتيكيٍّ لحين وصول المدد الذي لم يصل، وربما لن يصل في ظل قواعد الاشتباك المتعيّنة في الراهن من زمانٍ عربيٍّ حزين؛ قواعد تستعد جيدًا لأي احتراب داخلي، ولقمع أي أنفاس حياة قد تقلق الطغاة، وتكتفي في حالة أي عدوان صهيونيّ، بمنظومة أممية متهالكة للشكوى وطلب حماية لا تجيء، ولن تجيء، فمنطق الكوكب هو منطق القوة.
يروي أبو غربية في مذكراته أنه من أصل 130 رجلًا كانوا في سرية أبو دية، لم يبق على قيد الحياة سوى 15 رجلًا، وأنهم "دافعوا عن أرضهم دفاع الأبطال ولم يسمحوا للعدو أن يمرّ إلا على جثثهم".
قطوفُ حضارات هي القدس... مناراتُ علم وعزم وعمارة... معراجٌ لا ينتهي ولا يرتوي من دماء الأتقياء بين الأرض والسماء.


تحميل المقال التالي...