لم تكن المرة الأولى التي أحلم فيها بالمكتبة، ولكن الحلم اتخذ منحىً أشدّ غرابة، وهي ليست "مكتبة بابل" حلم لويس بورخيس، ولا "المكتبة في الليل" عند تلميذه ألبرتو مانغويل بل مكتبة من الطين.
أمضى والدي، الذي فقد حياته في عام 2012، رافضًا للكتب. كان يرى فيها ملهاةً لا فائدة منها، ومن هذا الرفض ولدت مقاومتي، إذ كنا في نزالٍ مستمر بين أحقية عالم الواقع على عالم الخيال أو العكس. في عائلة تؤمن بالزراعة والعمل اليومي لا يمكن أن يكون الكتاب سوى مارقٍ أو دخيل أو مبعث خَبَل.
التقينا حين صرت قريبة من السن التي سيموت فيها، على تخوم البيت الذي تحول إلى شيء آخر. أمسك يدي بتلك الطريقة التي تشبه اعتذارًا وسرنا بضع خطوات: "تعالي لأريكِ مكتبتك"...
أخبرني أنه ميت الآن. وأنهم في العالم الآخر يعاقبون المرء بالاعتذار عمّا اقترفه، وهو يرغب بأن يكفّر عن ذنبه لذلك بنى لي مكتبة، ثم أشار لبناء هندسيّ غريب الشكل لكنه أقرب لبرج بابل الذي قرأت عنه يومًا: "هذا من أجلك". قال ثم اختفى، فيما رحت أتأمل الجدار الذي يصيب الناظر إليه بالدوار؛ إذ كان يلامس حدود السماء بل ربما تجاوزها.
لم تكن مكتبة مألوفة بل جدارًا طينيًا، تتموضع فوقه رفوف من الطين وكتب مماثلة من الطين، فلا يمكن للمرء أن يمدّ يده من دون أن تنغرس في الجهة الأخرى من الكتاب.
كانت معلقة كلوحات دون عناوين، وفكرت في استحالة قراءة أيٍّ منها فعدا عن غموضها، فإن مجرد لمسها سيجعلها تتفتت. كان هذا الحلم أقلّ وقعًا من حلم سبقه بسنوات، إذ التقيت برجل أحبّه يملك مكتبة، سرنا بضع خطوات ثم وجدت نفسي أمام حفرة هائلة العمق وهناك تكدست كتب كاللوحات، أهال التراب عليها رافضًا إعارتي أيًّا منها؛ لينتهي الحبّ في اللحظة ذاتها التي ظهر بها.
سيبدو ساذجًا السؤال عن الحدّ الفاصل بين ما نقرأ وما نعيش؛ فثمة علاقة قدرية بين القارئ والكتاب، وهي تأتي كنبوءة، قد تكفي جملة أو عبارة ليحدث السحر أو الشرارة الأولى، كالبرق الذي لا نعود قبله كما كنا لتسهم القراءة في كتابة العالم من جديد.
لكل قارئ حكاية مع "ألف ليلة وليلة" هناك من ادّعى شرف معاشرة هذا الكتاب ومن ادعى لمسه، إنه ملهم بورخيس، وقد فتن الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو.
جدّة واسيني الأعرج حسبته مصحفًا؛ وحين أتى واسيني الطفل يحمله بين يديه راحت تقبّله وتضعه على رأسها؛ وكحال كثيرين وقع بيدي، حين دخلت صديقتي إلى بيتنا لتخبرني بوصول كتب جديدة حملها والدها حارس المبنى، من أثرياء أبو رمانة الذين ينظفون مكتباتهم كما ينظفون خزانة الأحذية؛ قلبته فطالعتني حكاية "الحمّال ونساء متهتكات"، وجنية تجمع خواتم رجال خانت معهم عفريتًا يحبسها في زجاجة؛ النساء الشهوانيات لم يكن ينتمين إلى عالمي فهنا تتسبب قبلة في القتل، وشعرت بحجم الخداع والضياع؛ أغلقته وتناولت الكتاب الآخر وفتحته على الصفحة الأولى فقرأت:
"انقضت العقبان على شرفات القصر الرئاسي خلال نهاية الأسبوع، فحطمت شباك النوافذ المعدنية بضربات مناقيرها، وحركت الزمن الراكد في الداخل برفيف أجنحتها، عندئذ فقط تجرأنا على الدخول... الأمر الذي مكّننا من الصعود إلى الطابق الأول عبر سلم حجري، سُحقت سجادات الأوبرا التي تغطيه بأظلاف البقر، شاهدنا المكاتب والقاعات الرسمية التي كانت الأبقار تجوبها جيئةً وذهابًا. وهي تأكل ستائر المخمل وتلوك ساتان الأرائك".
بقرات يقفن إلى الشرفة وبطريرك لا يموت!
كان هذا المقطع من "خريف البطريرك" أشبه بالسحر، شعرت بقوة هذه العبارة وأسرتني قدرتها على تحطيم كل دفاعات الواقع بقبضة المخيلة. لماذا يتوجب أن أختار أبقار ماركيز، والبطريرك الذي لا يموت. ما الذي جعلني أنفر من ألف ليلة وليلة، مع أن خريف البطريرك أيضًا فيها توابل كثيرة؟
لم أعرف الجواب يومها.
الآن أفكر ربما لكون الأولى كُتبت بعقل ذكوري، والثانية كُتبت لتعبر عن الروابط الخفية للطغيان. ربما الآن الأولى فيها تعمية والأخرى فيها جلاء.
رفعت رأسي وحسمت أمري قائلة لصديقتي التي تتكئ بمرفقها على الباب الحديدي:
- هذا فيه بذاءة وهذا فيه أبقار تتجول في شرفة قصر.
مدّت يدها ضاحكة: إذًا هاتي الأول.
لقد كانت كتب ماركيز تشبه الغمزة المتواطئة، تطلبُ منا أن نضحك مما يجري لا أن نصاب بسكتة قلبية حين نرى عبث الحياة، وكيف يدك اللامعقول الواقع كما يفعل الموج بالرمل وهذا ما أبحث عنه.
راجعت سيرة الكتب، ومصائر من كتبوها فوجدت أن كل كاتب يولد من رحم كتاب، إذ تشبه الروايات حياتنا وتقلدها تقليدًا يصل حد ضياع الأصل والتباس الحدود.
"أقرأ في الليل وأكتب في النهار"- تعكس تلك العبارة خلاصة تجربة مانغويل لتعبر عن الأثر الذي نمته جلسات القراءة اليومية لأستاذه بورخيس. فالعمى والظلام في حياة الأخير جعل التلميذ - الذي يبدو كفكرة هاربة من رأس الأستاذ - ينحاز لسحرِ العتمة وملاءمتها للقراءة؛ باعتبار القراءة تتحقق بصورتها الأمثل في الليل. بالنسبة لبورخيس فالقراءة والتأليف يحدثان في العتمة.
يروي التلميذ كيف كان يجلس أمام الأستاذ الذي "تخيل الفردوس على شكل مكتبة" متأملًا مسحة الكآبة في العينين الكفيفتين "حتى حين تتجعد أجفانهما أثناء الضحك" سوف يدمغ ذلك وإلى الأبد الروح التي سيكتب بها، لتنكفئ أعماله على ليل الذاكرة وسنلحظُ سطوةَ الموت الذي يعيدنا إليه مانغويل كلَّ بضعة أسطر.
وبتأثير من العالم اللفظيّ للأستاذ والذي "نادرًا ما داخلته الموسيقى واللون والشكل" سيتسم البناء السرديّ عند مانغويل بمسحة من كآبة حدّ تشبيهه الكتب "بمحادثة يبتلى بها مجانين"؛ بل إن مكتبة الأستاذ المتواضعة التي خيبت أمل الأخير دفعته لإنشاء مكتبة ضخمة أراد لها أن تكون كونية.
لقد أنتج ليل بورخيس الطويل- الذي يحبُّ التظاهر بأنه مبصر- الأقل فالأقل من الكلمات، مكثفًا عتمته في قصص موجزة يؤلفها من شذرات وحكايات ونصوص الآخرين، ويمنتجها بما يلائم ليله الخاص، مقطرًا في بضع جمل أو أسطر ما كان يمكن أن يكون رواية بلا رائحة متسائلًا عن الحاجة لاقتراف ذلك الجُرم.
بين هذين الحدّين "القراءة – الكتابة" تنوس حياتنا، وترسم أقدارنا فنستحيل في لحظة قرّاءً وفي أخرى كتّابًا، إذ نعطي في القراءة وقتنا للآخر وعالمه: نجودُ بالزمن (زمنُنا الخاص) لنقرأ زمن الآخر ونبحث فيه عما يتقاطع مع تجربتنا. وكم من قرّاء تخلّوا طوعًا عن مقعد الكتابة؛ وبعضهم أعاد تأليف النصوص بتوقٍ يُعادل بل يفوق شغفَ مبدعيها.
بل لعل القراءة هي إعادة إحياء لنصوصٍ لم نلتقِ يومًا بالبستانيّ الذي رعاها. فقد يقع الكتاب بيد قارئ مثابر، مخلص يبحث عن مواساة، ويجسد مانغويل و"مكتبته في الليل" هذا القارئ، "الظلمة حافز للكلام، بينما الضوء دافع للصمت".
| |
| "أقرأ في الليل وأكتب في النهار"- تعكس تلك العبارة خلاصة تجربة مانغويل لتعبر عن الأثر الذي نمّته جلسات القراءة اليوميّة لأستاذه بورخيس |
يعتبر البعض، أن القراءة فعل نجاة من حاضر رث، بينما يراها آخرون فعل خلود، يعتمد هذا على مثالية القارئ، وطموحاته، وكما لا تضمن قراءة الكتب السماوية أن يأتيك الوحي، كذلك لا توجد ضمانة لدى القارئ الأكاديمي بالتحول إلى كاتب. مع أنه إغراء يندر أن يقاومه أحد لكن لنكن واقعيين (كل القراء الكبار أتوا من خارج هاتين المنظومتين).
تحمل القراءة شجاعة الروح الأنثوية، والميل للعطاء؛ بينما في الكتابة يتقمص الكاتب دور القدر وصانع الحبكات وواضع النهايات ومتخِذِ القرارات وإنطاقِ الشخصيات، فنزوة الكتابة أقلّ كرمًا من ديمومة وخصوبة القراءة وبخلاف ذلك تتسم الكتابة بنزعة ذكورية تميل للسيطرة.
ورغم أن هذا الرأي محفوف بالخطر لكونه يقيم تقسيمًا جنسويًا بينهما، بين ذات تهتم وتصغي وأخرى تقول وتؤول وتقرر، إلا أنه أمر اختبره كل كاتب يجهد لأن يموت خارج النص لا داخله، وأن يتخلى برحابة عن مصائر شخوصه حتى لا نتعرف على شبحه فيما يكتب، ما دعا الكثير من الكتّاب لحثّ الكاتب على التحلي بروح الأنوثة وبين هاتين الضفتين ترسم سيرة القراءة مصير الكتابة وتعطي الأخيرة ملمحًا عن قدر الكاتب، في القراءة تتوسع مروحة العيش أو بتعبير شاتوبريان "نعيش فقط بواسطة الإبداع".
في الكتابة نجدف باتجاه مصائرنا وفي المكتبة نتعرف على أقدارنا؛ وما إن ندخلها لا تكتفي بأن تدلنا على العالم الذي نتواجد فيه بل والعالم الذي ينتظرنا على مصيرنا، بدون أن توضحه.
لا يوجد دافع بريء في ذلك الهوس، الذي يجعل أحدهم يتعلق بالكتب بشكل جنوني، وكما تتعدد أوجه الكاتب، تتعدد أوجه القراءة وهذه إحداها مع التنويه أنه يمكن معارضتها بسهولة؛ لأنه وببساطة لا يمكن استنفاد الإمكانات اللانهائية للروح المؤنث والروح المذكر الثاويين في أعماق كلٍّ منّا.
كان مانغويل مجرد تحقّق مثاليّ لبورخيس، فأراد تثبيت الزمن وتجميده في تلك الكراتين، وطمح لاستعادة كل شيء عبر "مدينة الكلمات" التي سيؤثثها من طوب الأحرف، وكما أراد سكان بابل الصعود نحو السماء، رغب أن يشيّد كونًا عبر الكلمات ليصل في النهاية إلى الخلاصة الأهم: "هناك كتاب يسعون لحشر العالم في كتاب، هناك الآخرون، أقل منهم، الذين يكون العالم كتابًا بالنسبة إليهم، كتابًا يسعون لقراءته على أسماعهم وأسماع الآخرين".
قد تورّطنا القراءة التي تنقل كفة التدين من هنا إلى هناك من ساحة الدين والإيمان إلى ساحة الكتب. لكن الرفض العنيد الرائع هو أجمل ما يصدر عنا، الرفض لكل ظلم وكل غياب للعدالة. أحيانًا لا يمكن رؤية الظلم، بفعل الإلفة الجائرة لكن القراءة بخلاف الحياة تدربنا على عدم الاعتياد.
من المتخيل والوطن المفقود والأقدار الغريبة تنبثق الرغبة والهوس بتملك المكتبة، ومن خلال أعمال القرّاء الكبار نتعلم دروسًا حول الشغف، إنهم القلّة الذين ينطبق عليهم وصف مانغويل "لكونهم آمنوا وهذا حقهم - بأن جوهر الحقيقة يكمن في الكتب وقراءتها والتحدث حولها".
فهي مفارق وطرقات ودروب وبعضها يغلق الطريق في وجهك منذ الصفحات الأولى، وبعضها يصفعك وينهب طمأنينتك وكما تسهم في تغيير أقدار الناس، تغير أقدار أصحابها.
أعيش الآن ثقل نجاتين متتاليين من الحبّ والحرب، وقد أكدّ لي الواقع لاحقًا، أن بقرات ماركيز كانت تتجول في شرفة القصر قبل أن تفر منه، وأن البطريرك لا يموت وبساط علاء الدين لا يطير.
وقد تنبّهت في وقت مبكر أن بعض السطور كُتبت من أجلي، وبعض المؤلفين كانوا يكتبون وفي خيالهم قارئ ما وشبحي إحداها.
حين أقمت في السكن الجامعي كنت تعيسةً حدّ التفكير بالموت كحل جمالي لكل الصعاب، في أول ليلة لوجودي في غرفة تتكدس فيها الفتيات. صعدت السرير الذي وقع عليه ضوء عمود الإنارة ليكشف لي عن عبارة سترافقني لسنوات وقد بدت وكأنها مكتوبة بحبرٍ سريّ وتم تظهيرها من أجلي:
قل للذي يحمل همًّا إنّ همًّا لا يدوم مثلما تفنى السعادة هكذا تفنى الهموم...
منذ وقت قريب، اكتشفت أنها شطر شعري من الكتاب الذي حرّمت على نفسي قراءته: "ألف ليلة وليلة".
إحالات:
-ألبرتو مانغويل، مع بورخيس، ترجمة، أحمد م. أحمد، دار الساقي.
-البرتو مانغويل، يوميات القراءة، ترجمة، عباس المفرحي، دار المدى للثقافة والنشر.


تحميل المقال التالي...