في بداية شهر مارس/ آذار الجاري (2025)، فاز المهندس المعماري الصيني ليو جياكون/ Leo Jiakun بأعرق جائزة مهنية في العالم، والتي تعد بمثابة "جائزة نوبل في الهندسة المعمارية".
على مدى أربعة عقود كاملة، صمّم ليو جياكون أكثر من 30 مشروعًا، بدءًا من المتاحف، وحرم الجامعات، إلى المباني التجارية والعامة. وأكثر ما يثير الإعجاب في أعماله هو اختلافها الكليّ عن بعضها بعضًا. كان كلّ حلّ معماريّ يقدّمه جياكون يختلف عن غيره من الحلول، وكلّ تصميم جديد لا يشبه ما سبقه من تصاميم، لأنّه يمثّل خصوصية وهوية المكان في حدّ ذاته. كلّ هذا لا يعني غياب الأسلوب في أعماله، الأمر الذي أشارت إليه لجنة "نوبل المعمارية" في بيانها: "لا يتجلّى الأسلوب الشخصي الخاصّ للفائز هذا العام في الصور المرئية، بل في ’الاستراتيجية’، ولا يفرض جياكون على البيئة شكلًا ما، بل إنّه يقوم بعكس ذلك تمامًا، ويستنبط أشكال أعماله من البيئة المحيطة".
وُلد ليو جياكون عام 1956 في تشينغدو، قبل ثلاث سنواتٍ من المجاعة الكبرى التي شهدتها الصين عام 1949. أمضى طفولته بين أسوار مستشفى المدينة، حيث كانت والدته تعمل ممرضةً. أبدى ليو منذ نعومة أظفاره اهتمامًا بالفنّ والأدب، ليقع في سنّ المراهقة تحت وطأة "الثورة الثقافية"، التي شكلت جزءًا هامًّا من برنامج الزعيم الصيني ماو تسي تونغ الهادف إلى توطين الشباب الحضري على نطاقٍ واسعٍ في القرى والأرياف، وكان الفتى في عداد من أُرسل إلى الريف.
تزامنت مسيرة ليو جياكون المهنية مع بداية حقبة ما بعد ماوتسي تونغ، التي بدأت فيها الهندسة المعمارية بالتحرر من القيود الأيديولوجية. في عام 1982، بدأ ليو ممارسته العملية باعتباره أحد المتخصصين المشاركين في عملية تعافي الصين من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. في الوقت نفسه، لم يقف العمل الهندسي عقبةً أمام انخراط جياكون في عالم الأدب، حيث حقق نجاحاتٍ ملحوظة لدرجةٍ جعلته يفكّر جديًّا في ترك الهندسة المعمارية، التي بدأ يشعر فيها بمرور الوقت بخيبة الأمل. لحسن الحظ، زار ليو في تلك الفترة (عام 1993) معرضًا فرديّا لزميل الدراسة تانغ هوا، فأدرك أثناء الزيارة أنّ التصميم المعماري لا يمكن أن يكون مجرد حرفة، بل يجب أن يكون وسيلة للتعبير عن الذات، لا تقلّ شاعريةً عن الأدب. في عام 1999، أسس جياكون شركته الخاصّة Jiakun Architects في مدينته تشينغدو، التي كانت في الوقت نفسه واحدةً من أوائل الشركات الهندسية المعمارية الخاصّة في البلاد.
يمكن القول إنّ المشاريع المستقلة الأولى التي نفذها ليو جياكون كانت بمثابة بيانٍ أعلن فيه منهجه المعماري. في أعماله، يتجه جياكون إلى التقاليد الصينية، ليس باعتبارها تراثًا يجب المحافظة عليه، بل باعتبارها نقطة انطلاق للبحث عن حلولٍ هندسيّةٍ جديدة متحررة من الحنين إلى الوطن (النوستالجيا)، ومن الأسلوب الواحد.
في عام 2002، تم افتتاح متحف "لو ييوان" لمنحوتات الحجر، الذي صمّمه جياكون في مدينة تشينغدو. يبدو مبنى المتحف وكأنّه يخرج من ظلال غابة خيزران. من الواضح في التصميم أنّ الخرسانة الخشنة وحجارة الأردواز الرمادي لا تدخلان في نزاعٍ ولا في صراعٍ مع الطبيعة، بل على العكس من ذلك يخيّل للناظر أنّهما تذوبان فيها، مما يخلق شعورًا بالصمت والتناغم والانسجام.
في مبنى أحد أقسام معهد سيشوان للفنون، الذي شيّد في تشونغ تشينغ بعد عامين وفقًا لتصميم جياكون، تكتسب الهندسة المعمارية ملامح النحت: فقد قطّعت الواجهة، ذات اللون الأحمر الصدئ، بفتحاتٍ ونتوءاتٍ، ليتحوّل المبنى بذلك إلى تشكيلٍ حجميّ مرنٍ. هنا، لا يقوم المعماري الفنان ببناء الفضاء فحسب، بل ويتعامل أيضًا مع الظلّ والعمق والملمس، وكأنّه يقطع الشكل من كتلة حجرية عملاقة.
إن كانت الحداثة تؤكد أنّ الشكل تحدّده الوظيفة، فإنّ الشكل في أعمال جياكون يخضع للسياق. فمبانيه لا تحاول الهيمنة على محيطها، إنّما تذوب في نسيج المدينة، مما يتيح للأشياء المحيطة بها الاحتفاظ بصوتها الخاصّ. على سبيل المثال، في القرية الغربية/ West Village في تشينغدو، وهي أكبر مشاريع المهندس المعماري الفذّ، نجد أنفسنا أمام مجمّع من خمسة طوابق بحجم حيًّ كاملٍ، يضمّ ساحات عامة، حدائق، مناطق رياضية، ومكاتب ومتاجر. يخلق القرميد المثقب، الذي ينمو العشب من خلاله، تأثيرًا يماثل تأثير المناظر الطبيعية، وفي الوقت نفسه تبدو المسارات الممتدة على مستويات عدة وكأنّها امتدادٌ لشوارع المدينة.
يحظى تاريخ المكان باهتمام خاصّ من المعماري جياكون، فيزرعه في المباني التي يشيدها. تخليدًا لذكرى زلزال سيشوان المدمّر عام 2008، أقام ليو من أنقاض المنازل المفقودة "طوب الانبعاث"، واستخدمها في بناء متحف "معمل الخمور" التاريخي في تشونغ تشينغ، وفي عدد من المشاريع الاُخرى.
ربما تكون أهمّ ميزات هندسة ليو جياكون المعمارية هو أنّه يصمّم أعماله للناس. وكما هي حال النفس البشرية المتعددة المستويات، فإنّ مبانيه تجمع بين المثالية (يوتوبيا) والواقع، وبين التاريخ والحداثة، وكذلك تجمع الذاكرتين: الجماعية والفردية.
قال ليو جياكون عن نفسه: "أسعى دائمًا لأن أكون كالماء، أخترق المكان من دون أن أتخذ شكلًا ثابتًا، وأتسرب إلى البيئة المحليّة والمكان نفسه. مع مرور الوقت، يتصلّب الماء تدريجيًا، متحولًا إلى هندسة معمارية، وربما إلى أسمى أشكال الإبداع الروحيّ الإنساني. وعلى الرغم من ذلك، يحتفظ بجميع صفات المكان، سواءً كانت جيدة، أو سيئة".
وعن علاقة الأدب بالهندسة المعمارية، يقول: "تأليف الروايات والممارسة المعمارية شكلان مختلفان من أشكال الفن! وأنا لم أتعمّد البتة الجمع بينهما. ولكن، ربما بسبب خلفيتي المزدوجة توجد في أعمالي علاقة وثيقة لا تنفصم بينهما. منها، على سبيل المثال، جودة السرد ورغبتي الشعرية في تصاميمي".
أشادت لجنة تحكيم الجائزة بشكلٍ خاص بقدرة المهندس المعماري على الجمع بين العناصر الصينية التقليدية والتصميم المعاصر، وبالتزامه بالمساواة الاجتماعية في البيئة التي يبنيها. كما أوضحت لجنة التحكيم: "يتخيّل ليو جياكون ويبني عوالم جديدة متحررة من أيّ قيود جمالية، أو أسلوبية. فبدلًا من الأسلوب، طوّر استراتيجية لا تعتمد التكرار، بل تسعى إلى تقييم خصائص متطلبات كلّ مشروع من مشاريعه".
من جانبه، قال رئيس لجنة التحكيم، أليخاندرو أرافينا: "عادةً، تتشاطر المدن الوظائف، لكنّ المعماري ليو جياكون يتخذ نهجًا مختلفًا، فيحافظ على توازنٍ دقيق في سعيه إلى دمج جميع أبعاد الحياة العصرية. وفي عالمٍ تميل المدن فيه إلى خلق ضواح كثيرة تبعث على الملل، وجد ليو طريقة لبناء أماكن تكون، في الوقت نفسه، مباني وبنية تحتية ومناظر طبيعية ومساحاتٍ عامّة. ربما يقدّم عمله تلميحاتٍ عمليّة حول كيفية مواجهة تحديات التحضّر في عصر المدن سريعة النمو".


تحميل المقال التالي...