}

عن صداقة البيئة واغتيال الطفولة واستحقاقات 2030

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 19 أبريل 2025
إناسة عن صداقة البيئة واغتيال الطفولة واستحقاقات 2030
أطفال غزة ونظرة نحو عناوين لا تصلهم مكاتيبها
حثيثًا، يقتربُ أبناءُ الكوكبِ من عام 2030 بمختلفِ ما لهُ ومَا عليْه، وخصوصًا ما يرتبط به من خططٍ للتنميةِ المستدامةِ أعلن عنها العالم أجمع في عام 2015، العام الذي اعتمدت فيه الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة بالإجماع خطة التنمية المستدامة لعام 2030 (أو ما تُعرف بِخطة عام 2030) بأهدافها الـ17، وغاياتها الـ169 ومؤشّراتها (الفريدة) الـ231. وتهدف الخطة إلى تحديد اتجاه السياسات العالمية والوطنية المعنية بالتنمية، وتقديم خيارات وفرص جديدة لسدّ الفجوة بين حقوق الإنسان والتنمية، وتشْكيلِ إطارٍ عامٍ يوجّه العملَ الإنمائيَّ العالميَّ والوطنيّ.
عناوين برّاقة لا شك في ذلك، ولكنها، منذ الطوفان الكاشف الفارق العاصف، خاويةٌ على عروشها كما هو شأن العناوين البرّاقة جميعها، المزيّفة بربطةِ عنقٍ وأقنعةٍ رسمية.
فهل يسير العالم نحو تنميةٍ مستدامةٍ في كوكبٍ آخرَ غيرِ كوكبِ الإبادةِ الجماعيةِ المنشورةِ على الهواءِ مباشرةً بمباركةٍ مُعلنة، أو مُبَطّنة، من دول (العالم الأوّل) في أوروبا وأميركا وعموم الغرب الاستعماريّ القديم المتجدِّد؟ هل يشيرُ إلى بيئةٍ غير التي نعرفها، تلوّث جيوشٌ محميةٌ مختلفَ مكوّناتِها من ماءٍ وهواءٍ وزرعٍ وضرعٍ وأرضٍ وسَماء؟ إن ملياراتٍ من أبناءِ الكوكبِ المصلوبِ فوقَ مقصلةِ النّحر هم أصدقاء بيئةٍ مثقلةٍ بأسبابِ الخرابِ المُتعارض مع أحلام الحالمين بـ2030. ملياراتٌ لا تملك سوى الحسَرات واللوْعات ومختلف تعابير القهرِ الذي يقصّر الأعمار فيقصفُ أهمَّ عنوانٍ من عناوين 2030: الاسْتدامة!! فعن أيِّ استدامةٍ يتحدثُ أبناءُ كوكبٍ غارقٍ بالنفاقِ والتدْليس وإدارةِ الظّهر لِلاستحقاقاتِ الجوهريةِ الحاكمةِ الفاصلةِ الفارِقة؟ عن أيّ استدامةٍ في ظل وجود بلادٍ كثيرةٍ تحكمها أنظمةٌ شموليةٌ محميةٌ بأجهزةِ أمنٍ محليةٍ وأجنبيّة؟
مجموعة الأممِ المتحدة للتنمية المستدامة، ولِكي تنْأى بنفسِها عن تهمة التّناقض بين ما تعلنه وبينَ ما يجري حقيقةً فوق أرض الواقع، مهّدت في الدليل المرجعيّ الذي أصدرته حول خطة التنمية المستدامة لعام 2030، بالقولِ إن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلّب "التزامًا فاعلًا من الجهات المعنية كافّة؛ من منظماتِ الأمم المتحدة، والحكوماتِ الوطنيةِ والإقليميةِ والمحليةِ، والقطاعِ الخاص، والمجتمعِ المدنيّ، والأوساطِ الأكاديميّة، وعامّةِ الناس". وذهبت في مقدمة الدليل إلى أن نجاح الخطّة وتحقيق بنودِها وأهدافِها، يتوقّف على اتّباع رؤيةٍ تشمل الحكومات بأسرِها والمجتمعات بأكملِها، رائيةً أن تلك الرؤية ينبغي أن "ترْنو إلى بلوغِ مطامحَ ساميةٍ، وإلى التغلّب على ما يحدقُ بالأهدافِ من تحدّيات". ثم ولكي لا تعفي نفسها من المسؤوليات جميعها، عادت وقالت إن منظومة الأمم المتحدة "يجب أن تكون جاهزةً لمساعدةِ الدول الأعضاء في هذا المسعى، بجميعِ أوجههِ وأبعادِه".

أطفال غزة خلف قضبان الأمل رغم كل الألم 

أمّا أوّل ما يطالعكَ الدليل به فهو الآتي: "تمثّل خطةُ التنميةِ المستدامةِ لعام 2030 نقطةَ تحوّلٍ في التفكيرِ الإنمائيّ، فهي تتطلّب تكوينَ مفهومٍ وصيغةٍ جديدةٍ لِفحوى التنميةِ المستدامةِ وقيمتِها، وتصوّرٍ شاملٍ لترابطِ أهدافِها مع القطاعاتِ المختلفة، واستكشافٍ لمتطلّبات تحقيقِها".
كما تضمّنت المقدمة تأكيدًا على أن هذا "الدليلَ المرجعيّ" يهدفُ إلى إرساءِ "أسسٍ مشتركةٍ لِفهم منظومةِ الأممِ المتّحدة ونهجِها في دعم خطة عام 2030"، موضحةً أن الهدف من إصدار الدليل هو ليتجلّى بوصفهِ مرشدًا تسترشدُ به هيئاتُ الأمم المتّحدة جميعُها فيما تضعهُ من برامجَ وتتّخذهُ من تَدابير، وفي علاقاتِها مع الحكومات وشركاءِ المجتمع المدني.

طفولةُ الدليل ومقتلةُ الواقع

في مقال نشره لها موقع الأمم المتحدة على الشبكة، تنخرطُ مارتا سانتوس بايس، الممثلة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة، في الحديث عن الوعود التي تنتظر الطفولة في 2030، بشكلٍ مُغْرِقٍ في التكرارِ والحفاظِ على  استخدامِ مصطلحٍ واحدٍ وحيدٍ لا شريك له، ألا وهو مصطلح "العنف ضد الأطفال". وعلى مدى (1436) كلمة طولُ مقالِها المعنوَن بـ"الخطة العالمية لعام 2030: إقامة عالم أكثر أمانًا للأطفال"، لا تَرِدُ ولا مرّة مفردةُ قتْلِ الأطفال! فهل تُقيم السيدة سايس في كوكِبنا؟ أم لعلها مع ازدحام البسيطةِ بدخانِ الجريمةِ وركامِ الأشْلاء المقطّعة، قرّرت الإقامةَ في زُحل؟! صحيحٌ أن تاريخ المقال هو 27 أيلول/ سبتمبر 2017، ولكن أليس قتْلَ أطفالِ فلسطين، على سبيل المثال، فعلٌ إجراميٌّ ممتدٌّ على مساحة قرنٍ مضى؟ ألمْ تتابع قتْلَ أطفالِنا في عام 1948؟ ألمْ تتابعهُ في عام 1967؟




ألمْ تراه بكلِّ فداحتهِ في عام 1982؟ وأين كانت (سعادتها) عندما شنّت طائرات فانتوم الحربية التابعة لسلاح جوّ العدو الصهيونيّ، الأميركية الصنع، صباح الثامن من نيسان/ أبريل 1970، غاراتٍ داميةً جبانةً على مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر، ما أدّى إلى استشهاد 30 طفلًا، وإصابة 50 آخرين، وتدميرِ مبنى المدرسة تمامًا، عن بكرةِ أَبيه، عن آخرِه؟؟ أو لِنقل، فلعلّ ذلك أقرب، أين كانت في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر 2000، عندما قتل أفراد العصابات/ فرع غزّة الطفلَ محمد الدرّة على الهواء مباشرة؟ كان وأبوهُ يستنجدان، ولكن، وعلى عكس التوقعات الإنسانية جميعها: كانا كلّما زادَ استنْجادهما، زادَت شهيةُ القتْلِ عند المجرمينَ الذين جرّبوا يومَها مهاراتِهم باصطيادِ الطفل وهُو في حِضن أبيه، وإلا فما الذي يفسّر أن محمد استشهد ووالده جمال بقي على قيد العيش المعطوبِ بِالبراغي وما يكفي لعدِّ الأيام بلا أي حافزٍ حقيقيٍّ لِمواصلة الإقامة فيها تلك الأيام التي يجري تداولها في كل العالم، إلا في بلادنا فإنها تسيرُ وفقَ منطقٍ واحدٍ وحيدٍ هو قتْلُنا واجْتثاثُنا من خلال قتْلِ أطفالِنا؟!؟ وهل سمعتْ الأستاذةُ الممثلةُ الخاصةُ عن مجزرةِ قَانا 2006 (أو ما تعرف باسم مجزرة قَانا الثانية) عندما أسفرت غارةٌ إرهابيةٌ نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في 30 تموز/ يوليو 2006، واستهدفت مبنى مكونًا من ثلاثة طوابق في بلدة الخريبة الصغيرة بالقربِ من قرية قانا جنوب لبنان، عن استشهاد 28 مدنيًا، بينهم 16 طفلًا؟ وطالما أنها تحمل اسم "مجزرة قانا الثانية" فلا بد أن هناك "مجزرة قانا الأولى"، وهي الجريمة التي اقترفها العدو الصهيوني قبل قانا الثانية بعشرةِ أعوامٍ وثلاثة أشهر تقريبًا، وتحديدًا في النصف الثاني من نيسان/ إبريل 1996، عندما قصف بالمدفعية الثقيلة مقرَّ قوات اليونيفل جنوب لبنان ما أسفر عن استشهاد أكثر من 100 مدنيٍّ كانوا يحْتمون (وجلّهم من الأطفال والنساء وكبار السن) بالمقرِ آملينَ في أن يحميهِم حقًّا!

أطفال يلعبون في مكب نفايات ستونغ مينشي بكمبوديا 


أين كانت؟ وأين كانت؟ وأين كانت؟ عندما قتل أفراد العصابات الصهيونية مئات الطفلات الغزيّات والأطفال الغزّيين في أعوام: 2008، و2009، و2012، و2014، و2018، و2021، و2022، وصولًا إلى المقتلة المتواصلة منذ عام 2023؟؟
تختمُ سايس الحالمة مقالها بقولِ الآتي: "إن تنفيذ خطة أهداف التنمية المستدامة يمكن أن تساعد في إقامة عالمٍ رحابتهُ كرحابةِ حُلْم الأطفال. هذا هو طموح الأطفال، وهذه هي القضية النبيلة الماثلة بين أيدينا، ولا يساورني أدنى شك في أنكم ستنضمون إلى هذا المسعى"، وأقول إننا جاهزون للانضمام يا فاقعةَ العناوينِ خاويةَ اليدِ حين يتعلّق الأمرُ بأطفالِنا. ولنا، قبل انضمامنا، مطلبٌ واحدٌ وحيدٌ لا شريكَ له: نريد أن تُخْبرينا من المسؤول عن قتل 25 ألف طفل فلسطيني في أقل من 18 شهرًا منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أي بمعدل 1400 طفلة شهيدة وطفل شهيد في الشهر الواحد؟ من هي الجهة المخوّلة بأن تحاكم القَتَلة في حال تحقّق تحديدُهم؟ وهل يخضع التحقّق من هويّاتهم وخرافاتِهم وزعماءِ عصاباتِهم إلى أجنداتٍ بعيْنها؟ يا سيدتي أطفالُ العالمِ سواسيةٌ المفروض، أليس كذلك؟ وعلى حدِّ علمي لا ينتقصُ لونُ بشرةِ طفلٍ من طفولتهِ شيَّا، ولا معتقداتِ أهلِه، ولا جغرافيةِ وجودِ شعبه فوقَ رقعةِ الكوْكب، أهُم جنوب تلك الرقعة أم شمالها. فكم مليارٍ سوف يلْفظون كلَّ عناوينِكم فوْر التقاطِهم انتقائيَتها؟ وكم مليار آدميٍّ ستخسرون من حساباتِ خطّتِكم، وأجنداتِ مشارِيعكم المدفوعةَ من ضرائبِ شعوبٍ تدفعُ نقدًا وفورًا وتُحلب مقدّرات بلادها حلبًا؟!




بالفصيحةِ المجروحةِ يُنْشِدُ أطفالُ غزّة المشطوبون من سجّلات الأمم المتحدة، على مسمعِ من يغلقون آذانَهم، ومرأى من يغمضونَ عيونَهم:
"لنا اللهُ في كلِّ حزنٍ وهَم
بلادي تئنُّ بدمعٍ وَدَم
لناَ اللهُ رغمَ ليالي العَنا
وهوْلِ المآسي وحجمِ الألَم
لنا اللهُ عندَ أنينِ الجِراح
وفقدِ الشهيدِ بساحِ الكِفاح
لنا اللهُ في كلِ وقتٍ وحِين  
فمن عتمةِ الليلِ يأتي الصباح
سلامٌ لطفلٍ يتيمٍ بكى
لمعتقلٍ صامدٍ ما اشتكى
لجدٍّ رأى نكبةً ثانية
دروسَ الثباتِ بعزمٍ حكى
لنا الله
نزوحٌ وجوعٌ وقهرُ الخِيام  
شَهِدنا صنوفَ العذابِ الزُّؤَام
كتبْنا بصبرٍ حروفَ التاريخ
ومَا اهتزّ جِفنٌ لِشعبِ الكِرام
لنا الله

شباب خان يونس يعيدون إنتاج سيارات قديمة 


لِذكرى عزيزٍ مضى لِلخلود
تناديهِ أمٌ عَسَى أنْ يعود
سلامٌ لغزَّة سلامٌ سلام
لشعبٍ عظيمٍ ونحنُ الشهود
لنا الله".
إنه لسان حال أطفال غزّة عبّرت عن خلجاتهم كلمات سامح المدهون في أغنية "لنا الله" التي أداها الفنان الفلسطيني الغزّاوي محمد عساف من ألحان وائل اليازجي، ليقْفز بعدها عساف فوق الأداء ويصبح كما لو أنه الذي ينقش في أغنية "سأموت حرًّا" كلمات طارق شخاترة بلحنٍ لِمحمد الولْويل وتوزيعِه. بأنّات وجعه على شعبه الذبيح في أرض القطاع يهتف العساف:
"الشمس تزأر في عرين صباحي... هي هييي
والليل يرجف من صهيل كفاحي
حرب الإبادة لن تزيد مواقفي
إلّا الوقوف على الثبات بساحي
سأموت حرًّا أو أعيش بِعِزةٍ
أرْوي تُرابي من نزيفِ جِراحي
سأكونُ صقرًا في سمائكَ موْطني
أحمي حماكَ بِمخلبي وجَناحي
سأكونُ في هذا الثرى زيتونةً
وظلالُها لا تنْحني لرياحِ
فلتشهد الأيام أنّي ثائرٌ
خضتُ المعاركَ بالضميرِ الصّاحي".
لن أزيدَ على هذا الشّجِنِ النّديِّ الجريحِ سوى كلمتيْن إثنتيْن: لنا الله.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.