}

الكتابة على الجدران: من الوعي والفنّ إلى الاحتجاج والسخرية

علي لفتة سعيد 11 يوليه 2025
اجتماع الكتابة على الجدران: من الوعي والفنّ إلى الاحتجاج والسخرية
كانت الجدران وسيلةً للتفاهم، ودليلًا لأدلة الفهم

كانت الجدران أولى محاولات الإنسان لفهم الحياة، وهي الواجهة الوحيدة التي يرى نفسه فيها قبل أن يراها من خلال المرايا. الجدران التي جعلها بيتًا له، ومسكنًا، وملاذًا، كانت أيضًا المحاولة الأولى للتوثيق والتعلّم؛ فتحوّلت من كونها رغبةً في الرسم، سواء على شكل حروف أو أشكالٍ خيالية، إلى مكانٍ للتوثيق، لمعرفة البدايات الأولى لخُطى الإنسان الأوّل.
وقبل أن يخترع الألواح الطينية والكتابة على الحجر، كانت الجدران وسيلةً للتفاهم، ودليلًا لأدلة الفهم، والمعادل الموضوعي لاختراع الكلام وتبويبه، ومعرفة سرّ اللفظ والنطق، ومن ثمّ فهم الرسائل التي يمكن أن توصلها الجدران من شخصٍ إلى آخر.



لذا بقيت الجدران حتى عصرنا الراهن، والذي تحوّلت فيه إلى ناشطٍ سياسيّ في زمن الثورات، ومقاومة الاحتلال، والثورة على الطغيان، ثمّ إلى ردة فعلٍ على واقعٍ سياسيّ أو كبتٍ إنسانيّ؛ فيلجأ الكاتب إلى استخدام الجدران التي أصبحت كثيرةً وكبيرةً لتكون هي المكان الأفضل للتعبير عن المكنونات الداخلية، أو التصدّي لظاهرة، أو إبداء الرأي المخالف الذي لا يمكن قوله مباشرةً، وربما تحوّلت إلى وسيلة للصراعات والتهديد بالقتل، أو حتى إعلان الحبّ لطرفٍ لا يمكن مواجهته. بل وصل الأمر إلى تثبيت أرقام الهواتف كوسيلةٍ إعلانيّة لتقديم الخدمات.

الكهوف والجذر التاريخي

بدأت الكتابة على الجدران قبل آلاف السنين قبل الميلاد. وهذا الاكتشاف أخذها إلى كهوف "لاسكو" الفرنسيّة، أو "ألتميرا" الإسبانية، وكانت على شكل رسوماتٍ تمّ فيها استخدام الفحم وأكاسيد المعادن، تصوّر الحيوانات ومشاهد الصيد.



لكن الحقيقة أن الكتابات كانت على جدران الكهوف في وادي الرافدين، والمصادر تشير إلى أنها بدأت على مرحلتين: الأولى على الجدران القديمة، حيث ظهرت الكتابة المسمارية في سومر منذ حوالي 3200 قبل الميلاد، بالتزامن مع الكتابة على ألواح الطين، وقد وجدوا كتابات على جدران زقّورة أور. ونقوش الملك نبوخذ نصر في بابل. وكتابات آشورية بارزة في نينوى ونمرود. فقد كانت الكتابات عبارة لها وظائف مقدسة وسردية، مثل كتابة الأساطير على جدران المعابد والقصور، حيث كانت في الحضارات السومرية، البابلية، الآشورية تُزَيَّنُ بنقوش تروي أساطير الخلق، والطوفان، والإلهة إنانا، والملوك شبه الآلهة مثل جلجامش. وكانت الكتابات من أجل التوصيل إلى الناس فضلًا عن كونها تهدف إلى حفظ الذاكرة الأسطورية وتُعَلِّم الأجيال. فضلًا عن الكتابات كما تشير المصادر حين يتم نقش اسم الملك أو إلهه الحامي، كان يُعتقد أن ذلك يثبت سلطته في السماء والأرض. مثلما هي كتابة ضمن طقوس العبادة والسحر، أما الكتابة على جدران القبور والمنازل، فهدفت إلى حماية الناس من الأرواح الشريرة. ولكنها في أغلبها كانت تدخل في النقش المقدس وهيمنة الفكر الديني والميتافيزيقي، حيث الجدار يتحوّل إلى شاهد على العلاقة بين الإنسان والآلهة، بين الزمن والأبدية.



أما الثانية فهي الكتابة الحديثة على الجدران (الغرافيتي أو الشعارات) وهي في العصر الحديث، وكانت عبارة عن تعبير سياسي لإيصال رسالة إلى الناس والتحفيز على مقارعة الأنظمة والدول المحتلة الاستعمارية، وكانت المعارضة في أغلب الدول ومنها العربية والعراق تستخدم الجدران لكتابة شعارات ضد الأنظمة. وكانت الجدران تشهد أشهر جملة تتم كتابتها (يسقط الاستعمار. تسقط الحكومة. يسقط الاحتلال). لكن بين الاثنين حقبة ربما يطلق عليها العصور الوسطى، بعد اختراع وسائل أخرى للكتابة، فإنّ الجدران ظلّت وسيلةً للممارسات الدينية أو للهيمنة الدينية المحافظة، وكانت تُستخدم كنقوش رمزية في الكنائس والأديرة، بهدف الوعظ أو الزخرفة الفنيّة. وفي العصر الإسلامي، تحوّلت الكتابة الجدارية إلى وسيلةٍ لكتابة الآيات القرآنية وتبيان أهمية ورمزية الخط العربي في نقل الآيات إلى أكبر عدد من الناس التي تمر بجوار الجدران وعليها خطت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والحِكم، والأمثال الشعرية وغيرها. وكانت الزخرفة واحدة من علامات العصر التي انتقلت إلى جدران المساجد والجوامع والحسينيات.

التغيير والتغيّر في الخطاب الاجتماعي

منذ عام 2003، شهدت الجدران في العراق تحوّلًا نوعيًّا في وظيفتها، إذ لم تعد مجرّد عناصر معمارية تؤدي دور الحماية والعزل، بل باتت تُمارس وظيفة رمزية مضاعفة، بوصفها مساحة مفتوحة لبثّ الرسائل الاجتماعية والسياسية والنفسية. لقد شكّلت هذه الجدران، في مرحلة ما بعد السقوط، مجالًا تعبيريًّا تلقائيًّا لجماعاتٍ متعدّدة، عكست من خلالها الهواجس المكبوتة، والمواقف الأيديولوجية، وردّات الفعل المتراكمة نتيجة عقودٍ من القمع والتهميش.



اتّخذت التعبيرات البصرية على الجدران أشكالًا متعدّدة؛ بدأت بشعارات دينية وحزبية تمجّد "الواقع الجديد"، وترسم ملامحه المتخيّلة، لكنها لم تلبث أن تحوّلت إلى ردّ فعل عنيف تجاه رموز النظام السابق، فظهرت ممارسات كحرق الجداريات السابقة ومحو آثارها. ومع تصاعد الحراك الاجتماعي، أصبحت الجدران منصّات احتجاجٍ واضحة، خصوصًا في سياق التظاهرات، لتتحوّل تدريجيًّا إلى وثائق حيّة تعبّر عن الصراع السياسي، وتقدّم عروضًا شعاراتية بأرقامٍ ومنجزاتٍ، غالبًا ما تحمل طابعًا دعائيًّا أو تعبويًّا.
بموازاة ذلك، ظهرت كتابات شبابية تنضح بالسخرية والتهكّم والغزل والتباهي، فضلًا عن رسائل انتقامية تعبّر عن منطق الثأر الشخصي، مثل عبارة "مطلوب دم"، التي تكرّرت في العديد من المناطق. هذه التعدّدية التعبيرية تكشف عن صراع رمزي على الفضاء العام، وعن رغبةٍ جمعية في استعادة الصوت بعد صمتٍ قسريٍّ طويل.



إنّ الكتابة على الجدران في السياق العراقي تُعدّ تجلّيًا لصيرورة اجتماعية معقّدة، تنقّل فيها الجدار من كونه عنصرًا ساكنًا في المشهد الحضري، إلى كونه نصًّا مفتوحًا، يُعيد إنتاج العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين الصمت والكلام، وبين القمع والبوح. بهذا المعنى، يمكن اعتبار الجدران ذاكرةً بصرية حيّة، وخطابًا اجتماعيًّا متحرّكًا، يكشف عمّا يُقال، وما لا يُقال، في الحيّز العام.

الكتابة في العالم العربي

لم تكن المنطقة العربية بعيدةً عن هذا التحوّل، إذ إنّ الكتابة على الجدران، وإن تحوّلت إلى فنّ في بعض البلدان، لم تزل تحتفظ بمكانتها الأولى كوسيلةٍ للتعبير، ليس فقط عن الواقع السياسي، بل ربما أيضًا كنوعٍ من الاحتجاج الذاتي المرتبط بردّة الفعل، سواء أكانت سياسية، أو اقتصادية، أو حتى دينية.
وربما تكون أحيانًا رسائل عشقٍ مبطّنة، أو حتى واضحة، كرسائل إلى محبوبات تُكتب أسماؤهنّ على جدران المدارس، كما يحدث في العراق، إذ تحوّلت الجدران إلى نوعٍ من التباهي والقدرة على المخالفة، رغم أن الخط المستخدم بدائيّ، يتمّ عبر استخدام مرشّات عُلب الألوان التي تُتيح تنفيذًا سريعًا.
ومع تطوّر وسائل التعبير، وظهور السوشيال ميديا والهواتف النقّالة التي أزاحت معها الرسائل الورقية، تحوّلت الكتابة على الجدران إلى صيغةٍ للتعبير عن رأيٍ شخصي، يُريد التفرد والمخالفة، أو تقديم مضمونٍ ثقافيّ بطريقة تهكّمية، أو كتابة رسالة حبّ مُوجّهة، أو حتى كنوعٍ من ردّة الفعل على واقعٍ سياسي أو ديني.
إنّها كتابة التعبير المكبوت؛ بل وحتى أداة تهديدٍ مباشر، مثل عبارة: "مطلوب دم" أو "البيت مُهدَّد ومُطالَب بالرحيل"
أو حتى عبارات ساخرة من الواقع السياسي، تربط الحبّ بالسياسة مثل: "عيونك مثل الحكومة: لا رحمة ولا عدالة".
تكشف الكتابة على الجدران، منذ أقدم العصور، عن حاجة الإنسان إلى التعبير والبوح، سواء بشكلٍ رمزيّ أو مباشر. وقد تطوّرت من أشكالٍ دينيةٍ طقسيّة، إلى فنٍّ احتجاجيّ شعبيّ، مما يؤكّد أن الجدران لم تكن مجرّد أسطحٍ صامتة، بل كانت دومًا شاهدًا على التاريخ، وصوتًا للناس. وهناك من رسم جدولًا بحسب الحقب التاريخية والزمنية ومنها هذا الجدول:

 


المصادر

كولين رينفرو – الآثار والنصوص الأولى للإنسان.
زاهي حواس – اللغة والكتابة عند المصريين القدماء.
سيد البحيري – المكان في الأدب العربي الحديث (في جزء منه يتناول الفن الإسلامي). Mitchell, W.J.T. – What Do Pictures Want? (دراسة في تاريخ الصورة والكتابة).
Lewisohn, Cedar – Street Art: The Graffiti Revolution (عن الغرافيتي المعاصر).

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.