كانت سيرينا آنا روزين موهوبة، عُرفت كعازفة بيانو ورسامة وموسيقية وكاتبة. ألّفت كتابًا حمل عنوان "ألبومي الشرقي" يوثّق رحلتها إلى الأرض المقدسة كزوجة للقنصل البروسي.
جاءت سيرينا آنا روزين إلى القدس رفقة زوجها جورج فريدريك روزين، المعروف باسم "فريدريك روزين" في عام 1854، وفي عام 1865 أقاما سويًا ما باتت تُعرف بدار القنصل في البلدة القديمة بالقدس، ومن ثم رفقة من ولد من أبنائهم هناك. هي التي وثقت رحلتها إلى الأرض المقدسة في كتاب حمل عنوان "ألبومي الشرقي".
في عام 1856، أقامت مملكة بروسيا الألمانية (1701 – 1918) مبنى تاريخيًا ضخمًا يقع في عقبة التكية شرق سوق خان الزيت، في الحي الإسلامي بالبلدة القديمة في القدس، ليكون بمثابة القنصلية البروسية ومقر إقامة القنصل، الذي هو فريدريك روزين، الدبلوماسي والسياسي الألماني.
ومنذ ذلك الحين، اتخذ المبنى اسم "دار القنصل"، كناية عن بيت القنصل البروسي، وهو الاسم الذي حفظته الذاكرة الشفوية حتى اليوم.
كان جزء من الطوابق العليا للمبنى استُخدم كمقر لإقامة القنصل، في حين تم استخدام بقية المبنى كمركز للأنشطة السياسية والثقافية البروسية، والتي كانت على مدار نحو ثلاثة عقود من بين أبرز الفعاليات في فضاء التفاعل الاجتماعي في البلدة القديمة بالقدس، قبل أن ينتقل المبنى في عام 1882 إلى ملكية البطريركية اللاتينية في القدس.
المراجع الشحيحة ذات البُعد التفصيلي عن "دار القنصل"، ومن كانوا يقيمون فيها، جعلت الجزء الأكبر من تاريخها مجهولًا، إلا أن الفنان والمؤرخ الألماني والأكاديمي د. أرندت إنغلهارت أماط اللثام عن العديد من المعلومات حول تلك العوالم الخفية زمكانيًا في بيت القنصل، خلال ندوة، احتضنها، أخيرًا، المعهد الثقافي الألماني الفرنسي بمدينة رام الله، ضمن مشروع "مِشكال"، الممول من الاتحاد الأوروبي، وينفذه معهد غوته الألماني والمركز الثقافي البريطاني في فلسطين.
قدّم إنغلهارت لبحثه الذي يركز على الذاكرة الثقافية والاجتماعية والسياسية لدار القنصل في القدس خلال القرن التاسع عشر، ويهدف إلى إعادة بناء الذاكرة البصرية للقدس في القرن التاسع عشر من خلال أعمال سيرينا روزين الفنية، التي كشف أنها أقامت في القدس منذ عام 1854 إلى عام 1867، وهو المتكأ لعمل فني ناتج عن إقامته الفنية في فلسطين، وتحديدًا في القدس، وتفاعله المجتمعي مع أهلها الفلسطينيين، ويشارك فيه بالمعرض الجماعي "نَفْس الأرض"، في النصف الثاني من تموز/ يوليو 2025.
ويُشكّل عمله في المعرض، الذي يجمع لوحات سيرينا روزين مع الوسائط المعاصرة والاكتشافات الأثرية، منصةً حيويةً للتواصل والحوار العام، من خلال عرض مواد تاريخية بطريقة سهلة وتفاعلية، ويهدف، بحسب صاحبه، إلى خلق "نقطة وصول جديدة وجيدة إلى القدس" من منظور فلسطيني، بحيث لا تُبرز هذه المبادرة التاريخ الغني لدار القنصل فحسب، بل تُسهم أيضًا في تعزيز السياحة الفلسطينية والتفاهم الثقافي في البلدة القديمة، مُجسّرةً الماضي والحاضر، علاوة على التزام العمل الفني أو المبادرة هذه بالتفاعل الاجتماعي، وخاصةً مع الطلاب الفلسطينيين، ما يُعد أمرًا بالغ الأهمية لجعل البحث التاريخي ذا صلة بالمجتمعات المعاصرة، من خلال تشجيع الشباب على مقارنة تصويرات سيرينا روزين التاريخية بتجاربهم الحالية في القدس، كما يُعزز فهمًا أعمق لتراثهم وذكريات المدينة المتعددة الطبقات، بحيث يتحول بحثه التاريخي الذي قام المشروع على مداميكه، إلى أداة لتمكين المجتمع ولفتح مساحات جديدة من الحوار، لجهة معالجة "الذاكرة المتضاربة" في المنطقة.
بدأت الندوة بمقطوعة موسيقية بعنوان "أغنية بلا كلمات" من تأليف فيليكس مندلسون، مُهداة إلى "الآنسة صوفي روزين"، شقيقة القنصل البروسي، موضحًا أن هذه المقطوعة عُزفت في دار القنصل، وهو ما عثر عليه في تقرير رحلة لفريدريكا بريمر، الكاتبة السويدية البروتستانتية المدافعة عن حقوق المرأة، والتي زارت القدس عام 1859، وسلطت الضوء فيها على ندرة آلات البيانو في القدس آنذاك، حيث لم يكن هناك سوى أربع منها، إحداها كانت في منزل القنصل البروسي.
ثم تطرق الفنان والباحث الألماني إلى خلفية القنصل روزين، الذي شغل منصب القنصل البروسي الثاني في القدس لخمسة عشر عامًا، بين عام 1852 وعام 1867، وهي فترة طويلة بشكل ملحوظ بالنسبة لدبلوماسي في تلك الحقبة، ما يدل على ارتباطه العميق وتأثيره في المنطقة، كاشفًا أنه كان أيضًا مؤلفًا غزير الإنتاج، ونشر إحدى أوائل المقدمات للغات العربية في ألمانيا.
تزوج القنصل من سيرينا روزين أو "ني موشيليس"، التي ولدت في لندن وتنحدر من عائلة أوروبية ذات شهرة عالمية طاغية، مؤكدًا أن والدها كان عازف بيانو وملحنًا مشهورًا، وصديقًا مقربًا لمندلسون، وأدار المعهد الموسيقي لاحقًا بعد وفاة مندلسون.
أكد إنغلهارت على أهمية دار القنصل كنموذج مصغر للحياة الكوزموبوليتانية في القرن التاسع عشر، بحيث تقع القنصلية في قلب مدينة القدس القديمة، بالقرب من كنيسة القيامة وباب العامود، وقد استُؤجرت في البداية من عائلة الخالدي، إحدى أبرز ملاك الأراضي العرب، كما وصفهم، وفي عام 1856، أي بعد حرب القرم، تمكن الألمان من تسجيل العقار، وهو إنجاز غير مألوف لغير المواطنين العثمانيين في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن العقار، الذي رممته الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى في السنوات القليلة الماضية، كان عبارة عن مجمع كبير يضم 17 غرفة موزعة على ثلاثة طوابق وحديقته الخاصة، وشكل مركزًا حيويًا للوجود الألماني في الأرض المقدسة لأربعين عامًا قبل بيعه إلى حراسة الأرض المقدسة في عام 1882.
وركّز إنغلهارت على مساهمات سيرينا روزين الفنية كمحور رئيس لندوته، باعتبارها رسّامة مُتمرسة، وثّقت بدقة مشاهداتها للقدس والأراضي المقدسة من خلال الألوان المائية والرسومات التخطيطية، مؤكدًا على أنها تُعتبر أول رسامة معاصرة للقدس، مُسلّطًا الضوء على أهمية مصادرها البصرية لفهم مظهر المدينة في منتصف القرن التاسع عشر.
وتُقدّم أعمالها الفنية، التي غالبًا ما كانت تُرسل كبطاقات بريدية مصورة إلى عائلتها في أوروبا مع وصف على ظهرها، منظورًا إثنوغرافيًا فريدًا للقدس التاريخية، مُجسّدةً تفاصيل الحياة اليومية والعمارة، لافتًا إلى أن عمله الفني القادم في إطار معرض "نفْس الأرض" الجماعي، يتضمن عرضًا للوحات سيرينا جنبًا إلى جنب مع الصور الفوتوغرافية المعاصرة وغيرها من الوسائط، مُبيّنًا التحولات واختلاف وجهات النظر حول الأراضي المقدسة خلال تلك الحقبة.
تناول إنغلهارت أيضًا تقنيات سيرينا الفنية، مشيرًا إلى ارتباطها بفن الرسم الفرنسي المعروف نقديًا بتقنية "الهواء الطلق" مُتحدثًا عن تصويرها الدقيق والمفصل لأماكن مثل باب العامود وكهف الملوك، وعن غياب الأشخاص الشائع في لوحاتها، عازيًا ذلك إلى ممارسات الرسم التقني في ذلك الوقت، وليس إلى أجندة سياسية لتصوير "أرض قاحلة" للاستعمار.
وأكد إنغلهارت على أن سيرينا روزين، زوجة القنصل البروسي، وباعتبارها أول رسامة معاصرة محتملة للقدس، قدمت عبر الألوان المائية والرسومات التفصيلية سجلًا بصريًا فريدًا للقدس في القرن التاسع عشر، لافتًا إلى أن دورًا كبيرًا كان تلعبه في الحياة الثقافية داخل دار القنصل، مدللًا على ذلك بقيامها بعزف مقطوعة "أغاني بلا كلمات" لفيليكس مندلسون، وعرضها في مطلع ندوته، كما أشرت، هي التي عمدت إلى إبراز حضور الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية في القدس، لا سيما أن دار القنصل شكّلت مركزًا هامًا للوجود الألماني في الأرض المقدسة، ومثالًا فريدًا لملكية الأجانب للعقارات في الإمبراطورية العثمانية، والدور الذي لعبه كمركزٍ للتبادل الثقافي والسياسي.
وتحدث أيضًا عن التبادل الثقافي والتأثير الأوروبي في القدس العثمانية، قائلًا: يُسلّط حضور الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، متمثلًا في عزف سيرينا روزين لـ"أغاني بلا كلمات" لمندلسون في دار القنصل، الضوء على التبادلات الثقافية النابضة بالحياة التي شهدتها القدس في القرن التاسع عشر، ويُبرز الطابع النخبوي والتأثيري لهذه الأنشطة الثقافية، مُظهرًا كيف اندمجت الممارسات الثقافية الأوروبية في الحياة الكوزموبوليتانية للمدينة، ما عزّز الروابط والتفاعلات بين مختلف المجتمعات، حتى في خضمّ التوترات السياسية.
وعرض إنغلهارت مجموعة من اللوحات التي رسمتها سيرينا روزين، والتي كان الحصول على نسخ رقمية منها نتاجًا لبحث وعمل مضنيين تواصلا لسنوات، ومن بينها لوحة بعنوان "شارعنا الذي يسمى عقبة التكية"، حيث يقبع "دار القنصل"، وهو مسكنها في عام رسم اللوحة (1854)، وتصف معلقة عليها: عند بابنا الأمامي يقف حسن بعصاه. ثمة نافذة حمراء كبيرة تابعة للمستشارية، ومن القوس المؤدي إلى البازار عبر ممر، تقف فلاحة ترتدي قميصًا أزرق وحجابًا أبيض بأهداب ملونة، وعلى رأسها سلة فيها أباريق حليب وخضروات، وعلى يمينها درج دار الرعاية، بينما يمكن رؤية قبة بيضاء مقابل نافذة الغرفة الرئيسية، بينما النافذة الكبيرة تتبع دار الأفندي، التي يستلقي عندها "عبد أسود" كالعادة، بينما أرسم لوحتي تحت "قوس الطوب".
ومن اللوحات الأخرى التي عرضها إنغلهارت لسيرينا روزين، لوحة لباب العامود حملت عنوان "بوابة دمشق"، إحدى بوابات القدس العتيقة المؤدية إلى المسجد الأقصى، وتعود إلى عام 1858، ولوحة "قوس إيك هومو في القدس" في عام 1864، وهذا القوس يقع في دير راهبات صهيون في البلدة القديمة بالقدس، ويرتبط بتقليد مسيحي، ويُعتقد أنه جزء من بوابة المنتدى الشرقي لمدينة إيليا كابيتولينا الرومانية، وأعيد بناؤه بعد تدمير القدس في عام 70 للميلاد، ثم أعيد دمجه في دير راهبات صهيون.
ويهدف مشروع إنغلهارت إلى تقديم "تاريخ مصغر" للسنوات الخمس عشرة التي قضتها عائلة روزين في القدس، مستكشفًا جوانب مختلفة من حياتهم في القنصلية، بما في ذلك التبادلات الثقافية، والدراسات الشرقية، والممارسات الدينية والسياسية، وإرث هذه الفترة العالمية.
وسلط عرض إنغلهارت الضوء على نهج "التاريخ المتشابك"، الذي يُمثل إطارًا منهجيًا قويًا لفهم تعقيدات القدس في القرن التاسع عشر، من خلال ربط التقاليد الثقافية المختلفة، والتاريخ الوطني (الألماني، الفرنسي، البريطاني، العثماني، الفلسطيني)، والتجارب الفردية، بحيث يتجاوز المشروع التفسيرات القومية أو الاستعمارية المبسطة، ويُركز على التأثيرات المتبادلة، والمساحات المشتركة، والترابط الذي ميّز تلك الحقبة، كاشفًا عن فهم أغنى وأكثر دقة للتفاعلات التاريخية.
وخلص إنغلهارت إلى أن إرث سيرينا روزين الفني وتوثيقها التاريخي، لا يقتصر على دورها كرسامة صاحبة مسعى فني فحسب، بل يُعدّ شكلًا أساسيًا من أشكال التوثيق التاريخي، فلوحاتها المائية ورسوماتها التخطيطية، تُقدّم غالبًا بأوصاف مُفصّلة، صورةً قيّمةً للقدس في القرن التاسع عشر، تُشبه بطاقة بريدية، ما يجعل من سيرينا شخصيةً بارزةً في التاريخ البصري للمنطقة. هي التي قدّمت منظورًا إثنوغرافيًا للحياة اليومية والعمارة والمناظر الطبيعية قبل انتشار التصوير الفوتوغرافي في القدس، لتُشكّل أعمالها تحديًا للسرديات التاريخية التقليدية من خلال توفير سجلّ بصريّ شخصي، وإن كان مُفصّلًا، يُكمّل الروايات المكتوبة.


تحميل المقال التالي...