}

سورية المفخّخة والعري الطائفي

رشا عمران رشا عمران 24 يوليه 2025



في إحدى سهرات مهرجان السنديان الثقافي، الذي كنت أنظمه مع مجموعة من الأصدقاء في قريتي في ريف طرطوس، وتوقّف مع بداية الثورة عام 2011، جرى نقاش بين بعض الأصدقاء السوريين والعرب حول الوضع السياسي السوري وقتها، وجرى حديث عن الفساد وعن القمع، شاركت فيه مع الأصدقاء. في اليوم التالي، اتصل بي أحد أقاربي، ممن كان حاضرًا على النقاش، يريد رؤيتي، وأتى إليَّ والغضب يكاد يأكله. سألته عمّا به، فقال لي إن ما حدث بالأمس خطير جدًا. سألته ماذا يقصد، قال إن (فلانًا)، صديقًا لنا سوريًّا كورديًّا، كان يشارك في النقاش، شتم الدولة، ولا يجوز أن نسمح له بهذا. أجبته بأنه لم يشتم الدولة، كان هناك نقاش عن الفساد والقمع، وأنا شاركت به معه وتحدثت بما يزيد عما قاله! كان ردّه مفاجئًا لي: "أنت معلّش تحكي، هو غريب". سألته: كيف هو غريب؟ هو سوري مثلي مثلك! باختصار، كان قريبي يؤمن أن كل (سنّي) سوري ينتقد الدولة أو السلطة، فهو ينتقد من منطق طائفي. ربط قريبي، بدون تفكير، بين الدولة والطائفة، انمحى من إدراكه منطق المواطنة تمامًا (كان ممحيًّا أساسًا من كل سورية). الوطن له كان هو الطائفة، ومن ينتقد الدولة وفسادها وقمعها من خارج الطائفة، هو مجرد خائن للوطن.

مع بدايات الثورة في عام 2011، بدأ مثقفون سوريون يتوجهون بالشكر لمثقفين (علويين) أعلنوا انحيازهم للثورة منذ لحظة انطلاقتها، كما لو أن هؤلاء لا ينتمون إلى ذات الشعب الثائر. لم يختلف أولئك المثقفون الشاكرون بشيء عن قريبي متواضع الثقافة. هو اختزل الوطن بطائفته، وهم مثله، اختزلوا الثورة بطائفة. هكذا، شيئًا فشيئًا، تحوّلت الثورة في الوعي الجمعي السوري إلى ثورة (سنيّة) يؤيدها علويون ومسيحيون ودروز وإسماعيليون، لكن جوهر الثورة في هذا الوعي المضطرب كان جوهرًا سنّيًا، مثلما كان جوهر الوطن لدى قريبي وكثر مثله هو جوهرًا علويًا يسانده سنّة ومسيحيون ودروز وإسماعيليون... إلخ.

لم تكن الطائفية في سورية قبل الثورة تعلن عن نفسها بوصفها كراهية واضحة أو عنفًا علنيًا، كانت أكثر ذكاءً مما هي عليه الآن، قادرة على الاختباء والتخفي والمواربة، تظهر على شكل نكات متبادلة، أو مرويات سرية عن الطوائف، أو سخرية مبطّنة من اللهجات المختلفة، وفي الأسئلة اليومية المعتادة: "من وين؟ من الساحل؟"، "من نفس السويدا؟"، "من أي ريف بحمص؟ شرقي ولا غربي؟"... إلى آخر هذه الأسئلة التي كان يعرف السوريون مقصدها جيدًا. كان الذكي يوارب في الإجابة أو يمتنع نهائيًا عنها، بينما البسيط يجاوب من دون حسابات، ومن دون محاولات لإخفاء لهجته الفاضحة.

وعلى ذكر اللهجة، حين عُرض فيلم "رسائل شفهيّة" للمخرج السوري الراحل عبد اللطيف عبد الحميد في دور السينما السورية، شهد حضورًا هائلًا من قبل السوريين. كانت اللهجة المستخدمة في الفيلم سببًا في هذا الانتشار والشهرة. تحدث عبد اللطيف في فيلمه (وفي باقي أفلامه) عن البيئة الريفية العلوية، التي لم تكن تُقدَّم أبدًا في السينما أو الدراما التلفزيونية، جاعلًا أبطاله يستخدمون اللهجة العلوية بقافها القوية، التي كانت تعني للسوريين أن صاحبها مقرّب من السلطة في الحد الأدنى (في الحد العادي، كل من يلفظ حرف القاف هو عامل في الفروع الأمنية).

كان فيلم "رسائل شفهية" أول اشتباك بين العلويين وباقي السوريين، يظهر فيه العلويون على حقيقتهم: بسطاء، وفقراء، وطيبون، وعشّاق، ومخذولون


كان الفيلم مرآة للعلويين الذين يرون أنفسهم لأول مرة بصورتهم الحقيقية. كان أيضًا أول اشتباك بين العلويين وباقي السوريين، يظهر فيه العلويون على حقيقتهم: بسطاء، وفقراء، وطيبون، وعشّاق، ومخذولون؛ لكن هذا كله لم يمنع من أن يتحوّل الفيلم الأول عن البيئة العلوية إلى ما يُقارب الفيلم الكوميدي. اللهجة العلوية، التي لا تُسمَع إلا بوصفها لهجة النظام الأمني، هي الآن عارية كما هي، وخفيفة بعد أن تخلّت فنيًا عن الحمل الأمني الثقيل، ومضحكة لفرط البساطة التي يتّصف بها المتحدثون بها في الفيلم.

شهرة فيلم "رسائل شفهيّة" لم تخلُ من الطائفية العميقة السلبية، المتنمّرة سرًّا في محاولة استبطان انتقام رمزي من السلطة، عبر التهكّم والاستهزاء المسموح به من لهجة أهل السلطة، ومن تلك الطائفية السطحية الإيجابية، أو لنَقُل عنها "طائفية رمزية" حسب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي قال إن "المجتمعات تنتج تمييزًا ناعمًا من حيث اللغة، واللهجة، واللباس، والعادات، والطعام، والعائلة". كان فيلم "رسائل شفهيّة" يمثّل تمامًا هذا التمييز الناعم في المجتمع السوري. توالت بعده أفلام عبد الحميد المشابهة، التي شجّعت على إنتاج فنّي بلهجات سورية أخرى، كان مسكوتًا عنها وقتًا طويلًا.

أنعشت الثورة السورية، والعنف المترافق معها، حضور الهوية الطائفية، وأصبح الحديث الطائفي المسكوت عنه والممنوع زمنًا طويلًا في سورية هو حديثًا شبه عادي، خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل وسهولة استخدامها، ومع انتقال كُثُرٍ جدًا من السوريين إلى مجتمعات جديدة تضعهم خارج الرقابة الأمنية السورية. بدأت تظهر المرويات المكتومة عن الطوائف السورية، لكل طائفة من طوائف سورية صورة نمطية عنها لدى الآخرين، أظهرت أن السوريين لا يعرفون بعضهم بعضًا حقًا، وأن التعايش المجتمعي المُحكى عنه لم يكن أكثر من تعايشٍ مفروضٍ بقوة القبضة الأمنية، أو نمطًا اجتماعيًا شديد الهشاشة تختبئ تحته طائفيةٌ يحاول الجميع إنكارها، لكنها تنخر في عظم المجتمع الهش أصلًا.

لم يستطع اصطدام السوريين بمجتمعاتهم الجديدة أن يجعلهم يواجهون هوياتهم ما دون الوطنية أو الإنسانية، بل ما حصل هو العكس تمامًا. هذا الاصطدام، الذي نتج عنه افتراق نفسي مع العادات والثقافة الجديدة، زاد في حالة الصراع الداخلي الهويّاتي؛ "من نحن؟" هو سؤال صار مطروحًا بقوة لدى شرائح واسعة من سوريي المجتمعات الغريبة، القادمين من مجتمعات سورية ضيّقة ومهمشة أصلًا، ولا تعرف أي هوية خارج هوية البيئة التي تنتمي لها، الهوية الدينية والمذهبية، والتي عززها وزاد في توهجها الاصطدام مع ثقافة مجتمعية ما بعد حداثية، تتمظهر أكثر في الحريات الفردية الجنسانية والحريات السياسية، بينما لا تصل الحريات الدينية إلى نفس المستوى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالإسلام، الذي استطاع متطرفوه وتنظيماته الجهادية نشر حالة الخوف من كل ما هو مسلم في العالم الغربي، نتيجة العمليات الانتحارية والتفجيرات والقتل والتطرف، ويترافق ذلك مع دعاية صهيونية تُشيطن كل ما هو عربي ومسلم.

هذا التناقض في المجتمع الغربي تلقّاه السوريون بوصفه صدامًا مع هوياتهم التي لم يتبقَّ منها سوى الهوية المذهبية، ما جعلهم يعضّون عليها بأسنانهم، كما لو كانت حبل نجاتهم الأخير.

سقوط نظام الأسد كان من المفترض أن يشكّل لحظة بداية لبناء عقد اجتماعي جديد، يُبنى من خلاله مستقبل البلاد على أسس من التعايش الطبيعي المحمي قانونيًا ودستوريًا؛ لكن ما حدث هو سقوط الدولة كاملًا، وسقوط مؤسسات لم تكن محمية أصلًا بقوانين مدنية أو علمانية، ما جعل التنوع الطائفي والإثني السوري مكشوفًا تمامًا، عاريًا وهشًّا. سقط الغطاء الوطني الذي يُفترض به حماية التنوع، وظهر الجرح الطائفي المتروك بقيحه منذ عقود.

ومع الخطاب الديني المتشدد الذي اعتمدته سلطة الأمر الواقع الحاكمة، والذي أرفقته بأوهام انتصار (سنّي أموي)، استثارت فيه غرائز مكبوتة لدى فئات كثيرة جدًا من السوريين، باتت الهوية السنيّة هي السلطة اليوم: السلطة والقوة الحاكمة والضاربة، والغالبة، المالكة للسلاح غير القانوني، والقادرة على استباحة الأقليات تحت ذرائع متنوعة يبررها كثيرون (منهم مثقفون ونخب) من دون أن يجرح ذلك ضمائرهم.

والنتيجة هي مجازر متنقلة بين الأقليات، تُرتكب فيها فظائع لا تقل هولًا عن فظائع الأسد، ويجد لها مثقفون وفنانون وإعلاميون مبررات رثّة وسخيفة، لكن فيها من الشعبوية ما يُرضي جماهير متعطشة لانتصار (دولتهم السنيّة) التي يخشون فقدانها، فيعودون ليقعوا تحت حكم (أقلي) يرتكب فيهم مجازر جديدة، فيبررون المجازر، ويدعمونها، ويشاركون بها، ويجدون لها ذرائع ومبررات، أو يصمتون عنها خشية غضب جمهور افتراضي يُتقن الاستفزاز عبر الضحك من المجازر أو إطلاق حملات شتائم وتخوين ضد من يعترض.

لم يستطع السوريون استثمار سقوط الأسد لإعادة بناء المجتمع على أسس وطنية، بل ما حدث هو العكس تمامًا؛ إذ انفجرت كل الأحقاد الطائفية في وجه الجميع، وظهر المجتمع السوري بكامل قبحه، بعد أن ساهمت سلطات الأمر الواقع الحاكمة بتعريته تمامًا، عبر تكريسها لخطاب إعلامي مُغرق في طائفيته، وعبر تحشيد وتجييش جمهور عريض يعاني من متلازمة استوكهولم، ويرى في جماعةٍ لم تعتذر عن تاريخها في ممارسة الإرهاب، وتحاول جاهدة تحويل المجتمع السوري إلى مجتمع (سنّي) مغلق، بنُظم حكم فصائلية وعشائرية لا تمتّ لمفهوم وبنية الدولة بأيّة صلة، يرى فيها المنقذ الوحيد من الإقصاء الطويل عن سدّة الحكم، بذريعة أن الحكم يجب أن يكون للأغلبية.

وهو ما تتقنه سلطة الأمر الواقع بذكاء شديد: حشد الغرائز عبر خطاب ديني مذهبي يُرسخ مفاهيم ذهنية لا تنتمي للعصر الحالي، ولا تبني دولة، كمفهوم الأمة الدينية، والجماعة، والفزعات، ونصرة الدين، وهي كلها مصطلحات تُستخدم في الخطاب الإعلامي المؤيد للسلطة الحالية، وتزيد في تعرية المجتمع السوري، وتزيد في تقسيمه وتفتيته، وتضع جدرانًا سميكة بين مجموعاته البشرية.

تعيد سلطة الأمر الواقع العلاقة بين السوريين والوطن إلى نقطة الصفر، إلى النقطة التي بدأ بها حكم الأسد: ربط الوطن بالطائفة أو الدين أو المذهب، وربط الوطنية بتأييد السلطة. بل تمادت أكثر بكثير من نظام الأسد، الذي استطاع استقطاب كل المجموعات السورية على رأس مؤسساته وجيشه، ما فعله أنه عزّز البنية الطائفية للمجتمع وجعلها كامنة ومسكوتًا عنها، وجاهزة للانفجار في الأزمات الكبيرة. أما سلطة الأمر الواقع الحالية، فهي لم ترقَ حتى لهذا المستوى من البراغماتية في التعامل مع مجتمع متنوع ومفخخ مثل المجتمع السوري.

لم تستطع الخروج من عقلية الجهاد السلفية ومنظومتها البدائية في الحكم، التي تتباهى بما هي عليه، وتتباهى بتطبيق مفاهيمها؛ فكل من لا ينتمي إلى دين أو مذهب أو عقلية السلطة الحاكمة، هو مُقصى حُكمًا، وكل من لا يؤيد هذا المفهوم السلطوي هو خائن للوطن.

مقالات اخرى للكاتب

يوميات
3 سبتمبر 2026
يوميات
2 أغسطس 2026
يوميات
11 يوليه 2026
يوميات
23 يونيو 2026

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.