لا يحضر الجوع في غزة بصفته نتيجة ثانوية للعدوان والحصار، بل هو سياسة واعية، مصمّمة بعناية، ومُفعّلة عبر منظومات معقدة من السيطرة والمراقبة والإذلال. فما تشهده غزة اليوم من مجاعة، ليس أزمة إنسانية ناتجة عن حرب، بل هندسة تجويع هي بذاتها جزء من سياسة العدوان الإبادي، يعاد عبرها تشكيل الذات الجماعية الفلسطينية، من خلال التفكيك والفوضى، والاغتيال الرمزي، ومحو الوجود الفلسطيني. فيتحول الرغيف إلى مصيدة للقتل، والطابور إلى مساحة للإذلال الجماعي، والمساعدات إلى فخاخ للسيطرة الأمنية والأرشفة البيومترية.
البيومترية الاستعمارية
في فلسطين، لا تُستخدم التقنيات الحديثة بصفتها وسائل حكومية مساعِدة تؤدي وظائف تنظيمية، بل هي جزء من منظومة السيطرة الاستعمارية؛ يمكن ملاحظة التوظيف البيومتري ــ لتعزيز سياسات المراقبة والتحكّم في حياة الفلسطينيين، من خلال أجهزة الفحص الدقيق على المعابر الحدودية والحواجز العسكرية المنتشرة في الضفة الغربية، وفي آليات إصدار التصاريح لمواطني الضفة الغربية وبطاقات الهوية للمقدسيين.
وفي غزة، تفرض ما يُعرف بـ "مؤسسة غزة الإنسانية" ــ التابعة لأميركا وإسرائيل، إجراءات فحص بيومترية على المواطنين المتجهين للحصول على المساعدات، والتي حذّرت منها حركة "حماس" مبكرًا، منذ أيار/ مايو الماضي، أي مع بدء عمل المؤسسة في غزة[1]. هنا، ليست البيومترية مجرد أداة لتنظيم مسألة توزيع المساعدات أو ضبط دخول وخروج الأفراد، بل هي جزء من منظومة التحكّم بالفلسطينيين وبمصائرهم؛ عبر جمع بيانات شخصية، مثل بصمات الأصابع وصور الوجه، وربما أكثر من ذلك، ليصبح كل فرد مسجّلًا في الأرشيف الاستعماري، وموضوعَ تصنيفٍ ومراقبة مستمرة. تتحول هذه البيانات البيومترية إلى أداة تحكم سياسي وعسكري، فتستخدم لتحديد من يُسمح له بالبقاء، ومن يُترك للجوع والإقصاء، أو للاغتيال، ما يحوّل حياة الفلسطينيين إلى تجربة مستمرة من الخضوع والرقابة، ويعيد تشكيل الإنسان الفلسطيني كجسد قابل للإدارة.
تُدار حياة الفلسطيني في غزة داخل بنية عقابية رقابية، لا تمنحه الطعام إلا بشروط الانصياع، وتحاسبه على الهواء والماء، وتعيد تشكيله بوصفه جسدًا قابلًا للإخضاع، لا كينونة حرة. ومنذ الحصار المفروض عام 2007، وُضعت غزة تحت نظام دقيق لتقنين الغذاء، ليس فقط عبر خنق المعابر، بل بتحديد عدد السعرات الحرارية التي يُسمح بدخولها للفرد الواحد. لقد وثّقت تقارير عديدة استخدام مبدأ "الحد الأدنى الغذائي" لإبقاء المواطنين دون المجاعة الكاملة، بهدف أن يبقوا دون الكرامة والقدرة على المقاومة[2]. ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، وظف الاحتلال التجويع كأداة رئيسية للإبادة. لكنها إبادة بطيئة "ناعمة"، لا تترك جرحًا ظاهرًا، بل تحطم ببطء القدرة على العيش والصمود، حيث يُجبر الناس على المفاضلة بين الجوع أو الخضوع، بين الاصطفاف أو القنص، بين الانتظار أو الانقراض.
سلطة "اختراق الجسد"
إن الصور التي نقلت تكدّس الغزّيين داخل مسارات حديدية ضيقة، طلبًا لكيس طحين، ليست مجرد توثيق للحظات إنسانية عابرة، بل هي تمثيل بصري مكثّف لأحد أشكال هندسة الإبادة الرمزية في فلسطين. لا أحد في الطابور يختار موقعه؛ الحديد يُحدّد المسار، والبندقية تُحدّد المدى، وكاميرات المراقبة تُحدّد المصير. وهي ليست صورًا جديدة، بل تقليد استعماري يومي عرفه فلسطينيو الضفة الغربية والقدس لسنوات طويلة، عبر دفعهم إلى الاصطفاف القسري في المسارات الحديدية على الحواجز العسكرية، في انتظار السماح لهم بالعبور إلى أماكن عملهم أو سكنهم. ولكن اللحظة في غزة تبدو أكثر كثافة ووجعًا، لارتباطها بعدوان إبادي وحشي ومركّز وبتجويع ممنهج.
تتجسد في غزة تركيبةٌ من مفاهيم السيطرة والسلطة، التي اندمجت لتصوغ "الإنسان الجائع" كجسدٍ قابل للتسجيل والتصنيف، لا للمطالبة ولا للتمرد؛ تحدّث ميشال فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة" (1975) عن "المجتمعات الانضباطية" التي تمارَس فيها السلطة عبر مراقبة الأجساد في الفضاءات المنظَّمة (مثل السجون والمصانع)، حيث تُختزل الحياة البشرية إلى "تفاصيل صغيرة" خاضعة للرقابة. في غزة، تتحول طوابير المساعدات إلى فضاءات للرقابة، حيث تُراقب تحركات الأفراد، وتُحسب كميات الطعام، وتُسجل البيانات البيومترية، ما يُجسّد تمامًا فكرة فوكو عن "السلطة التي تخترق الجسد" لتحويله إلى أداة قابلة للإدارة.
أما جورجيو أغامبين فيصف في كتابه "هومو ساكر" (1995) ما يسميه "الحياة العارية"، وهي حالة الإنسان المُجرَّد من حقوقه السياسية والقانونية، والمختزَل إلى مجرد كائن بيولوجي يُمكن التصرف فيه، بل واغتياله، من دون عقاب الفاعل. وتحويل الفلسطيني إلى "جسد جائع" في طوابير المساعدات ــ حيث يُحرم من حقه في الغذاء والكرامة، ويُختزل إلى رقم أو بيانات بيومترية- يتوافق مع فكرة "الحياة العارية" عند أغامبين، فالجائع هنا لا يُنظر إليه بوصفه إنسانًا له حقوق، بل باعتباره كائنًا بيولوجيًا يُدار وفق أيديولوجيا القوة المسيطرة وبشروطها.
كل غزيّ يدخل طابور المساعدات يُعاد تعريفه لا كإنسان، بل كرقم، كجسم تُحسب سعراته، وتُراقب خطواته، ويُسجَّل وجهه في بنوك بيانات بيومترية دقيقة. التجويع هنا لا يعني فقط الدفع إلى الاضطرار أو الحاجة، بل يعني إعادة تشكيل الفلسطيني كموضوع قابل للسيطرة والتحكم. تعمل هندسة التجويع في غزة كسياسة استعمارية تهدف إلى إحداث انزياح عميق في الإرادة الفلسطينية؛ نقل الفلسطيني من حالة المقاومة والصمود، إلى حالة "الكائن" المنتظرِ لقوتٍ يقيه الفناء، ثم إلى موضوعٍ اختباريٍ ــ تجربةٍ ــ في مختبر استعمارٍ متوحش، يقيس فيه الاحتلالُ حدود الترويض، وحدود الانهيار.
الرغيف المسموم ــ الفخّ الاستعماريّ
لا تزال الأقنعة تتساقط عن الوجه الصهيوأميركي الذي يتخفّى وراء عباءة "الإنسانية" و"المساعدات"؛ ففي فضيحة أخلاقية أخرى ضمن جرائم الإبادة، عُثر في أكياس الطحين التي تقدمها "مؤسسة غزة الإنسانية"، على أقراص مخدّرة من نوع "أوكسيكودون" Oxycodone ، وهو من فئة الأفيونات القوية التي تسبب الإدمان السريع وتثبيط الجهاز العصبي المركزي. ليكشف هذا الحدث عن أداةٍ خطيرة من أدوات الإبادة الناعمة التي تُشنّ على الجسد الفلسطيني من الداخل: إضعاف، تخدير، تدمير للنسيج الاجتماعي عبر تسميم الحاجات الأساسية. هنا، يتحوّل الغذاء من رمز الحياة، إلى أداة للقتل البطيء. لم يعد الخبز خبزًا، بل صار حصان طروادة بيولوجيًا، محشوًا بمهدئات الإخضاع والقتل النفسي والتفكيك الاجتماعي.
يبدو الهدف الرئيسي من دسّ المخدر في الغذاء هو: تحييد القوة الكامنة في الجوع؛ فالجوع قد يولّد ثورة عنيفة ضد المتسبّب بالتجويع، لكنه حين يُرفق بمسكنات عصبية، يتحول إلى سُبات جماعي. فالأوكسيكودون لا يُخدّر الألم فقط، بل يزرع شعورًا زائفًا بالارتياح والسكينة، ما يحول الألم الجماعي إلى لامبالاة جماعية. والهدف أيضًا هو ضرب وحدة النسيج المجتمعي؛ فالمخدر يُحدث انكفاءً على الذات، وتآكلًا في الثقة بين الفرد وبيئته، وتفكّكًا في الروابط؛ أبٌ يخشى المحيط، وأمٌّ تخاف على الأطفال من سمّ في الرغيف، ومجتمع ينهار تحت وطأة الارتياب من الذات.
تُظهر دراسات طبية أن الأوكسيكودون قد يسبب ــ مع الاستخدام المتكرر ــ العقمَ لدى الجنسين. بهذا، يتحول الرغيف إلى سلاح بيولوجي ضد الخصوبة، ضمن سياسة إفراغ الأرض من الحياة والمستقبل: لا مقاومة، لا تكاثر، لا استمرارية. كما يهدف المستعمِر من دسّ السمّ في الغذاء إلى ترسيخ اعتمادية المستعمَر عليه؛ فحين يصبح الطحين نفسه مصدر إدمان وإعياء، يُعاد تشكيل العلاقة مع العدو، ليس بصفته محتلًا فحسب، بل كمورِّد للداء والدواء معًا، وتغدو "المساعدة" أداة تحكم كيميائية بالنفس والجسد.
لم تعد السيطرة تتطلب سجنًا أو جدارًا فحسب؛ بل يمكن أن يدخل العدوّ إلى فمك، إلى دمك، إلى جهازك العصبي. وسلاح الفتك بالمخدرات ليس طارئًا ولا جديدًا في السياسات الاستعمارية في فلسطين، إذ طالما استهدف الاحتلالُ بها الشباب الفلسطيني، في القدس والمناطق المحتلة عام 1948 بخاصة. هذا هو الاستعمار الكيميائي، حيث تتحول المساعدة إلى عطب، ويُستبدل الاحتلال العسكري باحتلال بيولوجي بطيء، يدمر ما لا تدمّره القنابل: الإرادة، الحلم، القدرة على الإنجاب، والقدرة على الصمود. دسّ المخدرات في الغذاء هو سياسة مدروسة ضمن ما يمكن تسميته بـ "هندسة الضعف"؛ حيث لا يُكتفى بتجويع الفلسطيني، بل بتحويله إلى مستهلِك هشّ، مخرَّب من الداخل، لا يقوى على الرفض ولا على الصراخ.
مسرحية "المساعدات" ــ مصيدة دموية أمنية
ما يسُمّى "مساعدة إنسانية" لم يكن إلا شكلًا آخر من أشكال السيطرة، وعنفًا مقنّعًا بلغة الإغاثة. مئات الشهداء وآلاف الجرحى سقطوا خلال انتظارهم للمساعدات، بينما كان جنود الاحتلال ــ بحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية ــ يتلقّون أوامر صريحة بـإطلاق النار على الفلسطينيين المتجمعين قرب مراكز تقديم المساعدات. وقد رفضت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة المستقلة التعاون مع مشروع "مؤسسة غزة الإنسانية"، مشيرةً إلى أنه يفتقر إلى الحيادية، وبسبب مصادر تمويل المؤسسة الغامضة، وعدم احترامها للمبادئ الإنسانية.
لم تكن "مؤسسة غزة الإنسانية" سوى تَمثُّلٍ جديد لعنف استعماري يُعاد تصديره هذه المرة بلغة الإغاثة. أنشأتها الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل في مايو/ أيار 2025، بزعم إيصال المساعدات إلى المحاصرين في غزة. لكنها سرعان ما انكشفت بوصفها بنية دموية أمنية استخباراتية متكاملة، حوّلت الطوابير إلى شبكات مراقبة بشرية، ومراكز التوزيع إلى مصائد موت.
تشير بعض التقارير إلى أن تلك المؤسسة أُنشئت لتكون جزءًا من مشروع أمني استخباراتي: مساعدات إنسانية، لكنها تعمل في ظلّ غطاء من السرية والدعم العسكري؛ "تكشف التحقيقات عن أن مؤسسة غزة الإنسانية تعمل كواجهة لشبكة من شركات المرتزقة الخاصة، وتتلقى تمويلًا ضخمًا من أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك الموساد ووزارة الحرب. ويُقال إن هذا التمويل يُمرَّر عبر شركات وهمية غامضة، حيث تتدفق ملايين الدولارات من مصادر غير معلنة"[3].
ومؤخرًا، كشف مسؤول أمني في حركة حماس عن استخدام المساعدات لتجنيد متخابرين مع الاحتلال، وعن استخدام المخدرات في توريط الشباب لإسقاطهم وربطهم أمنيًا وتكليفهم بمهام تجسّسية. وأشار إلى أن مخابرات الاحتلال تنفّذ أنشطة أمنية من خلال نقاط المساعدات، قائلًا: "أحبطنا محاولات لتهريب أدوات تجسس وهواتف حديثة لمتخابرين في تنفيذ مهام أمنية خطيرة". فلم تكن المساعدات الأميركية الإسرائيلية سوى خطة لنشر الفوضى، وتسهيل بروز عصابات إجرامية، وخلق بيئة طاردة للحياة عبر ترسيخ المعاناة[4].
في غزة، تستخدم المساعدات كغطاء لاختراق المجتمع المحلي، ورسم خرائط استخباراتية للسكان وللمقاومة. واتهم الدفاع المدني في قطاع غزة جهات، وصفها بأنها تعمل بتنسيق مع قوات الاحتلال، بالاستيلاء على شاحنات المساعدات الإنسانية، ثم بيعها للمواطنين بأسعار خيالية، وأشار إلى أن عملية سرقة المساعدات تتم تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال: "الاحتلال الإسرائيلي يقوم بعمليات تأمين واضح لمجموعات على الأرض، وينسق معها من أجل سرقة المساعدات الإنسانية الشحيحة التي تدخل القطاع والاستيلاء عليها تمامًا، ثم تقوم هذه الفرق ببيع هذه المساعدات بأسعار فلكية"[5].
تصبح المساعدات طُعمًا سامًا، يُراد له أن يستدرج المُجوَّعين إلى المذبحة. هي خطة مسبقة لتفكيك النسيج المجتمعي، واستبدال التضامن الأهلي بحالة من الهلع والفوضى وسرقة المعونات. إنه الشكل الأقبح لـ "هندسة التجويع"، حيث يتحوّل الطحينُ إلى فخ، والحاجةُ له إلى مصيدةِ قنّاص، والنجاة إلى ابتزاز بيومتري، والناجون إلى ملفات رقمية في قاعدة بيانات العدو.
بلطجة الجوع
لم يكن التجويع بهدف عقاب المقاومة وإضعاف الجبهة الداخلية فحسب، بل أيضًا لإعادة تركيب البنية الاجتماعية في غزة. فقد سعى الاحتلال منذ بداية عدوانه عليها، إلى نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار، عبر تكرار استهداف عناصر الشرطة والأمن، بهدف إحداث فراغ أمني، وقتل فرص حماية الجبهة الداخلية ومواجهة العصابات المسلحة التي تعمل تحت إمرته، إضافة إلى استثمار بعض العناصر للتعاون معه، ضمن مخطط للفوضى الممنهجة.
إنه سعيٌ مدروس لخلق حالة من "بلطجة الجوع"، عبر إحداث فوضى منظّمة، تفتّت النسيج الاجتماعي. وفي فلسفة العقوبات السلوكية، يُعاد تشكيل الكائن عبر مكافأة الطاعة ومعاقبة الرفض. وهذا بالضبط ما تصنعه إسرائيل في غزة؛ كل من يصمت ويخضع قد يُمنح فرصة البقاء، كل من يطالِب ويصرخ يُحرَم ويُمحى. وقد تجسّد هذا في منظومة كاملة من الإبادة تمتد من قصف أحياء سكنية بأكملها، إلى تقنين الطحين.
هذه ليست حربًا على الجغرافيا، بل على الإنسان في جوهره، حيث يتم إخضاع الرغيف إلى مَعامِل المستعمِر السياسية والعسكرية والأمنية، ليصير أداة لإعادة تشكيل الوعي، لترتيب الإدراك وفق منطق الخضوع، لخلق فلسطيني جديد: بلا صوت، بلا فعل، بلا كرامة. ما يسعى إليه الاحتلال من خلال "هندسة الجوع" هو تفكيك الشعب الفلسطيني إلى أجساد منفردة، خائفة، جائعة، تقف في الطابور لا لتأخذ حقًّا، بل لتتوسّل الفتات.
لا تزال غزة تقف في طابور الحديد المسيّج بالخيانات والخذلان، حيث يُعسْكَر الغذاء ليصبح سلاحًا في يد المحتل يَقصمُ الجسد والذات الجماعية. ولكن تحت الرماد، جمرٌ لا ينطفئ، وفي كل رغيفٍ مسموم، تنبتُ حنطةُ الثورة من جديد.
إحالات:


تحميل المقال التالي...