}

في دلالة استعادة المعمارية الإيطالية لينا بو باردي بموسكو

سمير رمان سمير رمان 11 أغسطس 2025
عمارة في دلالة استعادة المعمارية الإيطالية لينا بو باردي بموسكو
المعمارية الإيطالية/ البرازيلية لينا بو باردي (1914 ـ 1992)

تشغل محطة غيس (محطة الكهرباء الحكومية) مساحةً شاسعة وسط العاصمة الروسية موسكو، قريبًا من قصر الكرملين. كانت مهمة المحطة في السابق إنتاج الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل وسائل النقل العامة في العاصمة، وبالتحديد حافلات الترام. أخرجت المحطة من الخدمة عام 2005، بدعوى تقادمها وتآكل أصولها، وارتفاع تكاليف تشغيلها. بعد أن استحوذ رجل الأعمال ليونيد ميخيلسون على المحطة، حوّلها إلى مبنى دار الثقافة، وحافظ على اسمها التاريخي بعد أن أضاف الرقم 2 لتصبح "غيس ـ 2". أوكل مشروع إعادة إنشاء المحطة إلى المهندس المعماري الإيطالي رينزو بيانو/ Renzo Piano، الذي سبق له أن صمّم بناء مركز بومبيدو الثقافي في باريس. حاز المعماري الإيطالي على جائزة بريتزكر، الأكثر أهمية في عالم الهندسة المعمارية، كما مُنح لقب سيناتور شرف الجمهورية الإيطالية.
واليوم، تستضيف "غيس ـ 2" معرضًا لأعمال المهندسة المعمارية لينا بو باردي/ Lina Bo Bardi (1914 ـ 1992) بعنوان "حبّذا لو أصبحت الجدران مائية". فقط في السنوات الأخيرة، تعرّف الخبراء الأوروبيون على أعمال هذه المعمارية النابغة، وأطلقوا عليها لقب "المبتكرة ـ صاحبة الرؤية". وفي عام 2021، منحت بعد وفاتها جائزة "الدبّ الذهبي" التقديرية، التي يمنحها بينالي فينيسيا للهندسة المعمارية.
كانت المعمارية لينا بو باردي تتطلع إلى جعل الجدران "مائيّةً". ولم يكن أهلها متحمسين للاهتمامات الهندسية التي أظهرتها ابنتهم، وأقلقهم شغفها بالهندسة المعمارية خاصّة. وعلى الرغم من معارضة والديها، سارت الشابّة الإيطالية لينا بو وراء شغفها، ودرست الهندسة المعمارية، وانتقلت بعد تخرجها من العاصمة روما إلى مدينة ميلانو، حيث استطاعت هناك، بفضل تصميمها وعنادها، افتتاح مكتبٍ هندسيٍّ خاصٍّ بها. كانت المعمارية الشابّة في تلك المرحلة من مسيرتها المهنية تكسب عيشها من خلال تزويد المجلات والصحف بالرسومات التي تحتاجها. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انضمّت لينا بو إلى صفوف الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي كان الانتساب إليه موضة تلك الحقبة من تاريخ إيطاليا (بسبب مساهمة الحزب النشطة للغاية في مقاومة الفاشية). انتقلت لينا بو باردي (اسمها بعد الزواج) عام 1946 إلى أميركا الجنوبية برفقة زوجها، الناقد الفني وتاجر التحف الفنية، بيترو ماريا باردي، الذي كلفته الحكومة البرازيلية بمهمّة إنشاء المتحف الفنيّ في مدينة ساو باولو البرازيلية. بعد انتقالهما، بدأت المعمارية لينا خطواتها الأولى في عالم الهندسة المعمارية الحقّة، فأنشأت لنفسها "بيتًا من زجاج" مفعمًّا بروح الحداثة. بمرور الزمن، توسع البيت وأحاطت بنوافذه الضخمة غابة كثيفة، ليبدو اليوم وكأنّه بيانٌ ودعوة للتمعّن العميق لاكتشاف مكانة الإنسان في الكون.

متحف ساو باولو من تصميم لينا بو باردي




كان هذا بالتحديد المبنى الذي يعبّر عن ذات الفنانة نفسها. أمّا بقية مشاريع لينا بو باردي، وهي ليست كثيرة في واقع الأمر، ولا تتخطى العشرين مشروعًا، فقد كرّستها الفنانة لعامّة الناس.
في حين كان أوسكار نيماير، الحداثيّ الكلاسيكيّ الآخر، منهمكًا في بناء العاصمة البرازيلية الجديدة من الصفر، والتي أطلق عليها لقب "مدينة الموظفين"، الذين كانوا يحلقون بالطائرات أيام العطل في طريق عودتهم إلى ريو دي جانيرو، كانت لينا بو باردي تعمل على إيجاد حلولٍ مبتكرة لقضايا عمليّة تواجهها على الأرض. أكثر ما كان يشغل المهندسة سؤال عن الطريقة التي تجعل المسرح ملتقى مريحًا، وليس مستوعبًا للأصول الثابتة، أو مساحةً معقّمةً لا يشعر فيها الزائر بكثيرٍ من الألفة والمودّة. كما كانت منشغلة بكيفية إيجاد طريقة للتخلّص من التسلسل الوظيفي الهرميّ كي لا يشعر الزائر أنّه تلميذٌ مؤذ. تلك بعض أسئلة التي كانت المعمارية باردي تعمل على إيجاد أجوبةٍ عنها. كان الحظّ إلى جانبها جزئيًّا: فقد طالبت السلطات المعماريين أن لا يعيق مبنى متحف ساو باولو للفنون رؤية المدينة. بعد تفكيرٍ عميق، وجدت لينا بو باردي الحلّ، فأقامت المبنى على دعائم خرسانية، وظهرت تحته بوضوحٍ ساحة مدينةٍ ما. أمّا في داخل المبنى نفسه، فرفضت بو باردي وضع حواجز تفصل بين المعروضات المنسّقة حسب فتراتها إنتاجها، أو بحسب المدارس التي تعود إليها. بدلًا من ذلك، وضعت منصّاتٍ زجاجية شفّافة، علّقت عليها لوحات فنيّة.
يروي معرض غيس في موسكو قصة هذا المشروع، وغيره من المشاريع، بكثيرٍ من التفصيل والدقّة، من خلال رسوماتٍ وصورٍ فوتوغرافية واقتباساتٍ من بو باردي نفسها. ولكن ينتاب الزائر فجأة شعور غريب، ففضاء محطة توليد الكهرباء القديمة أصبح بعد التعديلات التي أدخلها مواطنها المعماري رينزو بيانو فضاءً يغمره الضوء، وتهبّ عليه نسمات هواء رطبٍ منعشٌ طوال الوقت، بالطبع، هذا أمرٌ بالغ الأهميّة بالفعل، فالمكان يقع في قلب العاصمة الروسية، على مرمى حجرٍ من الكرملين نفسه. هذا المكان ليس موجودًا في الحيّ الصناعي في ريو دي جانيرو، حيث سبق أن قامت الفتاة الإيطالية بعملٍ مماثل، أُطلق عليه SESC Pompea، كأحد أشهر التصاميم المبتكرة التي أنجزتها، فقد حوّلت لينا مصنعًا قديمًا لصناعة البراميل المعدنية إلى مركزٍ ثقافيّ متعدّد الأغراض يضمّ: مسبحًا، ومكتباتٍ، وصالةً رياضيّة، وورش عملٍ للفنانين، من رسّامين ونحاتين، وغيرهم. من حسن الحظّ أنّ الهدف من المشروع كان يرمي إلى وضع كلّ هذا الترف لخدمة سكان المنطقة المحليين، وليس لإشباع فضول السيّاح. بعد انتهاء أعمال التجديد، بدا المكان في موسكو كما لو أنّ رينزو بيانو قد بنى مركزًا مجتمعيّا مبتكرًا في منطقة تقع خارج حلقة النقل الثالثة في العاصمة الروسية.
بالطبع، هنالك أمرٌ واحد يشترك فيه المهندسان المعماريان: فكلّ منهما يسعى في أثناء تجديد المباني القديمة إلى المحافظة على تاريخ تلك المباني، ويحاول في الوقت نفسه إزالة الحدود بين الطبيعي والاصطناعي. على سبيل المثال، أنشأت بو باردي نهرًا اصطناعيًّا عبر أرضية المبنى، الذي كان في السابق معملًا لتصنيع البراميل المعدنية، بما يذكّر بأحد أكبر المجاري المائية في البرازيل: الأمازون.
في موسكو، وعلى الرغم من تدفّق نهر موسكو بجلالٍ على مسافة قريبة من "غيس ـ 2"، فإنّه يصعب مقارنة النباتات الاستوائية الكثيفة قرب SESC pompea في ريو دي جانيرو بدغلة أشجار البتولا المتواضعة قرب محطة الطاقة في موسكو.
عمومًا، لم يكن موقع "غيس ـ 2" عشوائيًا على الإطلاق. بيد أنّ أسلوب لينا، وميلها إلى العمارة باستخدام عناصر بسيطة، مثل: طوبٌ من التراب، وكتل خرسانية خشنة، وطاولات وكراسيّ مصنوعة من عوارض خشبية سميكة، يبدو جامحًا وحيويًّا للغاية على خلفية المبنى الأبيض المفتوح الذي صمّمه رينزو بيانو، حيث رُتِّبت آثار الماضي، من آلياتٍ محطة الطاقة القديمة، بدقّة وعناية، كما لو كانت تعرض في متحفٍ.
تفتقد المباني التي عالجتها بو باردي إلى السمات المًتحَفية. فهل من الضروري تصميم مسرحٍ بين جدران مبنى متهالك، محاطٍ بأرضٍ قاحلة؟ يشعر الزائر في جميع أرجاء المكان بٍلمسة خفيفةٍ رفعت شعار "اصنع بنفسك"، وارتجل في استخدام المواد المتوفرة حولك في المكان: على سبيل المثال، أمامنا أريكة مصنوعة من صفيحٍ وأقمشة مشمّعة كانت تستخدم لتغطية الشاحنات. هذا بالضبط ما يفعله البنّاؤون العاديون، وليس ما يقوم به صنّاع الأثاث المحترفون، أو حتى النجارون. في نهاية الأمر، ليس المهمّ أن يكون المبنى فخمًا، بل المهمّ كيف سيُسكن المكان، وهل سيلقى قبول الناس.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.