}

مصير الكلام في زمن الذكاء التقني

بلال خبيز 12 أغسطس 2025
اجتماع مصير الكلام في زمن الذكاء التقني
(Getty)

 

في دراسة لـ "مايكروسوفت" نشرت مؤخرًا حول الوظائف التي ستختفي من سوق العمل، قريبًا، لأن الذكاء الاصطناعي قادر على إنجازها على نحو أفضل من البشر وأكثر دقة وفاعلية، جاءت صفة المحلل السياسي والاقتصادي في رأس القائمة، وتلاها، من دون ترتيب، معظم الأعمال الكتابية: النصوص، الروايات، القصائد، الدراسات الفلسفية، علم الاجتماع... إلخ.

بداية هذه المقالة محبطة حقًا، للقارئ والكاتب في آن. مع ذلك ربما يجب علينا أن نفكر قليلًا في مصير الكلام نفسه، هل ما زال اللسان قادرًا على صناعة تواصل مع الآخرين؟ أم أننا في وقت قريب جدًا سنستعمل أصابعنا الطابعة على لوحة المفاتيح بديلا للسان نفسه؟

منذ زمن طويل بتنا نتواصل مع أصدقائنا وأقربائنا باستخدام هذه الوسيلة، إضافة إلى وسائل التواصل صوتًا وصورة. ومنذ زمن طويل أصبحنا نفترض أن أحاديثنا الشفوية هي تلك المتصلة بأسرارنا. نحن نتحدث مع أصدقاء في مواضيع لا نحاسب على تبعاتها غالبًا، وأحيانًا تكون تافهة والغرض منها تمرين اللسان على المحافظة على وظيفة التواصل، وغالبًا ما نستخدم المحادثات الصوتية والمصورة في الحالات التي نكون فيها بحاجة إلى أن نبث سرًا أو نطلع آخر على خصوصية ما، أو نتصرف على راحتنا مع شخص نثق فيه أو نحبه.

فليطمئن القلقون على مصير التواصل الإنساني. هذا تواصل سيبقى ولن يحل محله الذكاء الاصطناعي طبعًا. إنما ما سيتغير هو الإنسان نفسه. إذا لم يعد في مكنة الإنسان أن يصبح فيلسوفًا أو شاعرًا أو مطربًا فلن يبقى له سوى التواصل في الأمور التي لا يراها العالم مهمة، وناظمة لتداعياته وحوادثه ومعالجة لطوارئه. سنتحدث عن النبتة التي تصر على النمو رغمًا عنا، وعن كلب الجارة الذي لا يكف عن النباح، وعن ضعفنا، طبعًا، وأهوائنا المتغيرة. وهذا كله من طبائع البشر وعادياتهم. لكننا، وهذا الأرجح، سنصدّر للآخر خطابًا ضيق الأفق، لأننا نريد التميز عن المنطق السليم الذي تم احتلاله من قبل الآلات، ونفعّل انتماءات لا حصر لها، لكنها تتصف جميعًا بضيقها وعدوانيتها، على نحو تمنع الآخر، أي آخر، أن يتضامن معها.

مثل هذه الأحوال الموصوفة آنفًا، شهدنا مثيلًا لها في العقود السابقة التي أعقبت الثورة العولمية. في هذه العقود لم يعد أي خبر محل ثقة، وبتنا نفبرك الموت والقتل والمجازر، ونغذي الكراهية على نحو لم يسبق له مثيل. كلنا نريد اليوم أن نعيش في قوقعتنا الضيقة. لقد جعلتنا التقنيات الحديثة نضيق ذرعًا برائحة الآخر وعاداته ولغته وهواياته. لا نريد أن يشاركنا أحد أحيازنا الخاصة، وهي أحياز باتت تشمل كل شيء: السيارة التي ننتقل بواسطتها، الشقة التي نعيش فيها، طاولة المطعم التي نتناول عليها طعامنا في المناسبات، الشاشة الكبيرة في غرفة الجلوس التي تبث لنا ما نحبه فقط، ولا يحبه شركاؤنا في السكن. الأحياز الخاصة تتسع، وثمة رغبة باحتلال أحياز الآخرين الخاصة تنمو باضطراد. لقد أصبحنا إلى حد بعيد نرغب في أن يختفي الجميع من حولنا ما إن نخرج من قوقعتنا. نقود سياراتنا ولدينا رغبة عارمة في إخفاء أثر كل السائقين الذين يجاوروننا على الطرقات. يبدو أن تأنيث العالم الذي كان يجري على قدم وساق في خضم زمن الحداثة بدأ يفقد بريقه. لم تعد الابتسامة مألوفة في الأحياز العامة، لقد عادت عدوانية الذكور إلى الواجهة على نحو لا يخفى على أحد، والمفارق في هذه العدوانية أنها أصابت النساء أيضا بعدواها. لم نتحوّل إلى كائنات ألطف وأرق وأقدر على المشاركة وأكثر تقبلا لها، بل بتنا جميعا نرفض الآخر ونريد إخفاءه خلف ألف ستار وستار.

هل ستنتهي الكتابة؟ الأرجح أنها لن تنتهي. لكنها ستتحول. ستصبح مجرد دعوة لإعلاء شأن القبيلة التي ننتمي إليها والحط من قدر القبائل الأخرى. وسنتحول إلى كارهين لكل من يخالفنا لأن الجامع والمشترك لم يعد شأنًا بشريًا وبات على نحو صارخ من اختصاص الآلات الذكية التي تحيط بنا. لكن المطمئن في هذا كله يتصل بواقع أننا لم نعد قادرين على صناعة الحروب. حروب اليوم والغد تحتاج إلى ذكاء لم نعد نملكه، وبات ملكا للآلات. إلا إذا أردنا، قبل خوض حروبنا، أن نتخلى عن كل ما سبق، وننصرف لنعيش حياة برية كاملة. في هذه الحال، يحق لنا القتل باستخدام السكين والسيف والفأس. لكن الحروب الحقيقية ستكون من اختصاص الآلات التي من شأنها حين تندلع أن تحول أفراد الشعب المهزوم إلى حاملي سيوف وفؤوس، ومتعصبي أديان ومذاهب وأنساب.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.