}

وصف بلا تفسير... إنشاءٌ بلا علم

سعيد نجدي 13 أغسطس 2025
اجتماع وصف بلا تفسير... إنشاءٌ بلا علم
(gettyimages)



لماذا يكثر الوصف، ويقل التفسير العلمي بالقول العربي؟ سؤال إشكالي يخطر مع كل حدث يمرّ في المجالات الثقافية والفكرية، خصوصًا أننا نعيش في أوساط تحتاج لقول آخر ينحو بشكل عامودي تجاه الأشياء، للوقوف على تشكل الأحداث والمواضيع. من هنا نسأل: ألسنا اليوم وبعد كل ما جرى ويجري علينا وعلى أحوالنا، من أهوال ونكسات وضعف، بحاجة إلى تفسير علمي يتجه صوب حقيقة المواضيع وأسبابها من خلال فهمٍ للتشكلات ووضعها في مسارها التاريخي، لمعرفة كيف حدثت؟ نستذكر المثل الشعبي "عندما يعرف السبب يبطل العجب"؛ كيف نطالب بالتحول ونحن لا نعرف النفاذ إلى أعماق الظاهرات، كيف ننشد التغيير ونحن لا نقدم القول السديد الذي يذهب في مسار مغاير ويقطع مع نماذج القول التي تشتت الفهم، وبالتالي تعطل عمل ملكة النقد؟

وبينما نرى بالمقابل هذيانًا كلاميًا، لا يوجد فيه مربط للخيل، سوى إنشاء لا يستوي مع الحدث، بل يمنع عنه المعرفة للوصول إلى فهمه، لا نلمح تفسيرًا صحيحًا ولا نقدًا رشيدًا، إنما عواطف جياشة، تحيل إلى بنى عصبية، تفرز نفسها بنفسها، وتفلت باللسان، على هيئات كسيحة، تقدم المعرفة بشكل مقلوب، فيصبح القول "كلمنجي"، "فناص" لأنه يقوم على الحكايات و"السوالف" الآتية من السالف، أي الشعر الزائد بمعنى أنه بلا فائدة. والسالف هو المقترض أيضًا الذي يقترض شيئًا بدلًا عن ضائع، ربما يكون هو، ولكن بالكلمات والوصف غير المفيد على طريقة وجدانية منفرة لكثرة الوصف والإستعارات الميتة التي لا تحمل الموضوع الموصوف على قدر الصواب والجد بالتفسير، إنما من ابدالات الذات المهدورة بشكل أفقي ضبابي.

في هذا السياق، كم نحن بحاجة بدل "الكلامولوجيا" والوصف كلام بكلام من دون معرفة وتفسير وفهم ونقد على نحو كبير في مجالات الثقافة والفكر، إلى نقد لتلك العقلية التي تعطل الممارسة العلمية النقدية؟ فعلى ما يبدو سوق الثقافة الرائجة التي يهيمن عليها نماذج الخطاب الثقافي، هي سوق فاضحة بنسبة كبيرة تعمم الذين يتطبعون بمزاجها الذي تكوّن على تسليع الثقافة والفكر في المجلات والصحف والمراكز البحثية والمنتديات... إلخ.

ظاهرات الصوت الفارغ

الأهم من الوصف الكثير، هو التفسير الصحيح، والذي عادةً ما يغيب مع كثافة وحشو الوصف، وهو وصف يتحول إلى شيء زائد لا فائدة منه وباللهجة العامية "بلا طعمة"، فيصبح القول ظاهرة صوتية، في النقد والثقافة والفن والفكر، إلا أن هذه الصوتيات، من دون معنى، فراغية، بحيث تعمل على إفراغ المدلول بالوصف الذي يحمل إشارات تنقل اللغة إلى صاحبها أكثر من الموضوع الموصوف، ويتأزم القول أكثر بإغداق لزمن منشود، يعوض فقدانه باستدعاء الأنا الملتهبة بنار رغبة الفقد، وهو فقد الذات لنفسها، فلا الموضوع يحضر ولا الذات تستعاد؛ من هنا يصير الفقد مضاعفًا، وتقلب العلاقة بين الذات والموضوع، ولا يعرف المفصول بالموصول، لأنه عادة نتتبع خيوط المفصول بالموصول، من خلال اللغة التي تعرف ماذا تقول.

المجال يتقدم فيه كرنفال، وعروض الكلام الذي ينشر ويفرش، كأنه سجادة بالية تحاول ترميم صورتها بالاستعراض الكلامي العشوائي، فتتقدم لغة الوجدانيات المبالغ بها على حساب القول العلمي، لتتحول تلك اللغة إلى شيء واحد متكرر بأصوات عديدة وجلود كثيرة، سمتها اليباس، لأنها شيء فائت يكشف عن بنى لا واعية من أمزجة تكونت على تدافع وغلبة أيهما أكثر استعراضًا، وأوسع بلاغة في الوصف، وهذه ما هي إلا عصبيات حرمان المزاج. وينطلق من مبدأ عصبيٍّ تصادمي، يتعامل مع الواقع وكأنه وحده يملك الحقيقة المطلقة التي لا يعرفها سواه، بطريقة فاشية تُقصي الآخرين. فهو مشكَّل وفق مزاجٍ تسلّطيٍّ يسعى إلى تحطيم كل من يخالفه، بشكلٍ أحادي لا يقبل التعدد أو الحوار.

يتحول هذا الوصف الكثيف إلى استعراض للفت النظر، لأن الدلالات توحي وتعطي مهمازها، بالإيحاء، فيتحول القول إلى عنف كلامي، لأنه مريض وسامّ، لأن الكلمات جائعة للحضور، فاستبدال الأنا يكون بالكلمات، فتتحول المبارزة إلى صراعات كلامية، فيها اجتياف، وإلغاء، وهذا يقرّبنا أكثر للوقوف على عتبة القول الذي يكشف بشكل أبعد عن أحوال. من هنا ظاهريات القول مفيدة للدرس، لأنها تعطينا فهمًا أبعد عن أحوال القول.

هنا نسأل عن الفعل العربي الذي يضعنا القول فيه أمام سؤاله عن حاله، طالما أنه يقدم نفسه بهذا الشكل، هل هو فعل صحيح أم أنه فعل معتل، "فناص"، فكل تعبيره من خلال الكلام، هو لإثبات وجهته، ولإثبات رؤيته، لذلك هو غير تشاركي ولا تبادلي لأنه لا يفتح بابًا للدخول، إنما جدرانه مقفلة على نفسها، لا يريد سوى قول أنه هو، وذلك هو الدليل على ما هو بالحاضر الذي لا يكون سوى رجوع للماضي لتلك البنية العصبية، وهذا الفعل ما هو إلا فعل "مفركش ملبك"، لانه أولًا يعيش أزمة مع حاله، لأنه لا ينصف نفسه بالعيش بشكل متبادل، سوى إثبات الذات المهدورة، التي دائمًا تريد تصوير نفسها أنها تعرف، ولكن بشكل مقلوب ومركب.

إنشاء يكرس الفراغ

عن الجاحظ، "قال خالد بن صفوان لرجل كثر كلامه: إن البلاغة ليست بكثرة الكلام ولا بخفة اللسان ولا بكثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة". نستعير هذا المقطع من الجاحظ حتى نستعين به بتفسير ما نقوله، بخصوص ظاهرات الكلام التي لا تفيد، لأنها تمتد بشكل كبير، وكانه شيء مطلوب فالمزاج المتكون (استعارة من ابن خلدون) لا يراد أن يسمع لغة العلم، والتفسير للظاهرات، فيعمم هذه الأشكال ويتم إبدالها، نقول هذا وهو شيء يحز بالنفس، خصوصًا أننا لم نشهد أي مشروع معرفي، إنما تعميم للفضاء الثقافي لتلك العقلية، حتى يغلب المزاج هذه الذهنية، التي تنفر من لغة العلم، لصالح لغة الإنشاء، والإطناب، والتكرار، والشبهيات، أي الواحد نفسه، في قوالب متعددة، أو السابق، الذي يغلب اللاحق، وهذا معمم بدرجة كبيرة حتى صار مكرسًا على حساب التفسير العلمي للمواضيع والأحداث.

من جهة أخرى فإن أبو حيان التوحيدي يقول في "رسائل إخوان الصفا" (من دون أن نتفق مع رأيه ولكن في إشارة إلى أن هذا القول يشبه ما نريد أن نقوله بخصوص أحوال القول اليوم): "وقد رأيت جملة منها، وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع، ولا كفاية وهي خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات وحملت عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي السجستاني، وعرضتها عليه، فنظر فيها أيامًا، وتبحّرها طويلًا ثم ردّها عليَّ وقال: تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجروا، وحاموا وما وردوا، وغنّوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفلوا". يشبه هذا الكلام في دلالاته ما نقصده عن أحوال القول الذي لا يغني، طالما أنه لا يفسر، إنما فقط يغرق بالوصف والحشو الذي يحيل إلى البنية المرضية التي ينزل بمنزلتها التفكير، فينشغل بدل أن يفسر الموضوع، باستعراض الكلام وبلاغات الوصف الفارغ من المضمون.

مؤشرات هذا القول تنبئ عن ما بين الذات ونفسها، ويتجلى ذلك أكثر بحشو الوصف الذي يأخذنا إلى شيء آخر يفتح لنا تلك البنى اللاشعورية. يرى موريس ميرلوبونتي في كتابه "المرئي واللامرئي" أن الحاضر ليس مجرد لحظة عابرة بين الماضي والمستقبل، بل هو تجربة معقدة ومتشابكة تتشكل من خلال تفاعلنا مع العالم المحيط، حيث يتجلى الوجود في تجسدنا وانفتاحنا على العالم. بالنسبة لميرلوبونتي، الماضي والحاضر والمستقبل متشابكون. الماضي يؤثر في فهمنا للحاضر، والحاضر هو ما يشكل رؤيتنا للمستقبل. 

أنا أكتب، إذًا أنا أحدد زماني ومنزلتي من الحاضر، وفي أي إمارة أسكن، وما هي الإمارة التي تأمُر فهمي وتوجهه، وأين يرتاح هذا العقل، والأهم ما هي المراسيل في بنية تلك المنزلة وإشاراتها، لأن ملاحظة ذلك توفر لنا خيطًا هاديًا للعلاقة المقلوبة، ما بين الحضور والغياب، والذي يحوي العلاقة في أن الحضور، الذي هو هناك مكثف بشكل مضاعف، ما يُحدث شكلًا من أشكال التغريب عن ما هو حادثٌ وكائن في الهنا. من هنا نلاحظ حرقًا للحدوث، لأنه يضيع ويمتلئ من منازل مغايرة، تعوّض فقدان التماهي مع ما يتصَير وما يتشكل من عراقيل وعقبات أمام الحدوث الذي من شأنه أخذ الشيء إلى منزلة جديدة.   

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.