}

"تجوّل في أرض فلسطين تستعيدها"!

يوسف الشايب 14 أغسطس 2025
أمكنة "تجوّل في أرض فلسطين تستعيدها"!
تجوال في مسار وادي المخرور، بتير، قرب بيت لحم

 

"في أوائل القرن العشرين، ظهرت في فلسطين حركات كشفية وشبابية فلسطينية، من قبيل: الكشافة، والفتوة، والجوّالة، والنجادة، وكان حضورها فاعلًا ما بين عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي، حتى أن نصوصًا عدّة ظهرت حول فعل التجوال، ومسارات المشي، والاستشكافات، وقتذاك، كحال زيارة بيسان من قبل كشافة أبو عبيدة في نابلس، على سبيل المثال لا الحصر... ثم جاء خليل السكاكيني ليحث طلابه وابنه سريّ على التجوال، عبر شعاره الشهير: "تعرّف على فلسطين على قدميك". وبعده جاء خليل أبو ريا في خمسينيات ومطلع ستينيات القرن العشرين، وتحديدًا من قلب مدرسته الوطنية في رام الله، حيث كان يُغلق المدرسة ليقود طلابه في جولات مشي على القرى وعيون الماء".

كانت هذه مقدمة تاريخية حول بدايات التجوال في فلسطين، قدّمها حمزة عقرباوي، أحد أعضاء مجموعة "تجوال سفر"، ومن بين أبرز منظمي مسارات التجوال في فلسطين، ضمن حوارية "تجوّل في الأرض تستعيدها"، التي نظمها واحتضنها، أخيرًا، المتحف الفلسطيني ببلدة بير زيت قرب رام الله، بمشاركة جوانا رفيدي إحدى عضوات مجموعة "شطحة" للتجوال، وخليل غرّة من مجموعة "تجوال" في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وزيد أزهري من "مسار فلسطين التراثي".

شكّلت الحواريّة مساحة جماعيّة للتفكير في معنى التجوال في فلسطين اليوم


عقرباوي استطرد مكملًا ما سبق أن طرحه كمدخل لقراءة "التجوال" كفعل وطني: بعد احتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية في عام 1967، حاءت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بثقافة العزل ومنع التجوال، حيث نشأنا على أصوات الجنود بعربية ركيكة من مكبرات صوت نقالة تعتلي مركباتهم العسكرية، صادحة بصرامة: "ممنوع التجوّل"؛ لكن التجوال لم يمت، بل تطوّر كفعلٍ مُقاوِم داخل حركات تطوعيّة بدأت فعالياتها تطفو على السطح عام 1972، وكذلك من خلال جولات "شباب المساجد" المعرفية للجغرافيا الفلسطينية نهاية سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى نشاطات التجوال عبر فرق ومجموعات عدّة نشطت في مطلع الألفية الثالثة، وخاصة بعد الحصار الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني عام 2002، إثر "الاجتياح الكبير"، أو ما عُرف إسرائيليًا بعملية "السور الواقي".

وفي زمانٍ سبق زمن الإبادة، نشطت مجموعات التجوال هذه في الضفّة الغربيّة وداخل أراضي فلسطين المحتلّة عام 1948. وعلى تنوّع هذه المجموعات وتعدّدها، إلّا أنّها اشتركت جميعها في هدف جوهري يقوم على تعميق العلاقة مع الأرض والمكان، وإعادة الوصل مع بلادٍ قطّع الاحتلال أوصالها. 

وانعكس هذا الهدف في الشعارات التي تبنّتها المبادرات، كما في شعار مجموعة "تجوال سفر": "تجوّل في الأرض تمتلكها"، إلا أنه ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزّة، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفّة الغربيّة، انحسر نشاط مجموعات التجوال، وتراجعت قدرتها على الحركة.

تجوال بين البيوت التاريخية في عصيرة الشمالية - نابلس


وذهبت الحواريّة القيّمة إلى التفكير في شعارات من قبيل "تجوّل في الأرض تمتلكها"، أو "تجوّل في الأرض تعرفها"، ليشتبك المُشارِكون مع أسئلة من قبيل: هل تكفي معرفة الأرض وحدها في مواجهة عنف المستوطنين المدجّجين بالسلاح؟ خاصة أن الضفّة الغربيّة مفكّكة إلى جزر تفصلها مئات الحواجز الثابتة والمتغيّرة، فإذا كنّا لا نمتلك رفاهيّة التنقّل بين مدننا وقرانا لأداء مهامنا اليوميّة الأساسيّة، فهل نملك حقًّا إمكانيّة التجوال بين القرى المحاطة بالمستوطنات؟ وهل تحوّل التجوال في فلسطين إلى مجرّد ذكرى نستحضرها من زمنٍ بات يبدو "طوباويًّا" بمعايير حاضرنا القاسي؟ وكيف يمكن لنا التجوّل في قرانا ومدننا التي مُحيَت مع نكبتنا؟ وكيف نستعيد ذاكرتنا الجمعيّة في زمن السرعة والتفتيت والنكبات المتتالية؟

شكّلت هذه الحواريّة مساحة جماعيّة للتفكير في معنى التجوال في فلسطين اليوم: ما الذي تبقّى منه؟ وما الذي يمكن استعادته؟ وما موقعه في ظلّ االواقع السياسيّ المتغيّر؟، بحيث شكلت محاولة لمساءلة علاقتنا المتحوّلة مع المكان، وإمكانات الحركة فيه، وسط واقع يتّسم بالتقييد والمحو المستمرّين.

وقدّم المشاركون الأربعة تعريفًا شاملًا حول فعل "التجوال" في السياق الفلسطيني، مشدّدين على أهميته السياسية والثقافية والاجتماعية كشكل من أشكال المقاومة وبناء الهوية والارتباط بالأرض في ظل الصراع المستمر والاحتلال وعنف المستوطنين. كما سلطوا الضوء على التحديات العميقة التي يواجهها الفلسطينيون في الحفاظ على روايتهم وتراثهم الثقافي وارتباطهم بأرضهم في ظل الضغوط الاستعمارية والاستيطانية، لافتين إلى أهمية توثيق التاريخ والثقافة والجغرافيا لمقاومة المحو واستعادة الهوية.

تجوال في مسار وادي القلط (يمين)/ تجوال في قرى رام الله في ثمانينيات القرن الماضي


واستكشفت مُداخلات المشاركين في الحوارية كيف يُقارِن "التجوال" بين تنقل السكان الأصلانييّن والاستيلاء الاستعماري على الأراضي، وكيف يُمثل أداة تعليمية وسياسية حيوية تُعزز الذاكرة الجماعية والانتماء والصمود.

وعلاوة على ذلك، تناولت الحوارية دور المؤسسات الثقافية والمتاحف والأرشيفات في حفظ الذاكرة وإعادة بث الروح إلى فعل التجوال الذي بات ضئيلًا ومحفوفًا بالمخاطر ومُحاصرًا، خاصة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عبر الفن والتوثيق والتقنيات الحديثة، وبينها الجولات الافتراضية.

ودعا المتحدثون إلى ضرورة تجديد الالتزام بالجهود الأرشيفية الجماعية، والحفاظ على الثقافة، والمشاركة المجتمعية، والنشاط الاستراتيجي للدفاع عن التراث والأرض الفلسطينية، مع التفكير في التأثيرات النفسية والسياسية للقيود المفروضة على الحركة على الهوية الفلسطينية والتصورات الأمنية.

وروى المتحدثون تاريخ مجموعات التجوال التي يمثلونها، وأنشطتها، والتحديات المتنامية التي تواجهها، لا سيما بعد تصاعد العنف في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023، مشدّدين على أهمية إعادة ربط الفلسطينيين بأرضهم وتاريخهم وتراثهم عبر جولات المشي والأنشطة التعليمية والمشاريع الثقافية المرتبطة بها، كما تناولت الحوارية صعوبات توثيق التاريخ والذاكرة الفلسطينية بسبب العقبات السياسية ومحو السرديات الفلسطينية، فيما ناقش المشاركون إمكانات المتاحف والأرشيفات والتقنيات الرقمية في الحفاظ على التراث الفلسطيني وتعزيزه، عبر توثيق نشاطات مجموعات التجوال الفلسطينية هذه، وغيرها، والمواقع المتعددة ما بين أثرية وتاريخية ودينية وغيرها في الجغرافيا الفلسطينية التي بات من المحرّم على أصحاب الأرض دخولها، بقرارات من سلطات الاحتلال، أو تحت مخاطر تصل حد القتل من زعران المستوطنين، ما يشي بالحاجة الملحة إلى عمل جماعي لاستدامة التجوال كممارسة سياسية وثقافية، قبل أن تختتم بتأملات حول أهمية التجوال للهوية الفلسطينية، وتعزيز صمود الفلسطيني على أرضه في ظل حرب الإبادة في غزة، واعتداءات المستوطنين، وسياسات الضم والتهويد في الضفة الغربية بما فيها القدس.

تجوال في وادي غزة قبل حرب الإبادة (يمين) /  تجوال في وادي قانا


وأكدت الحوارية على أن التجوال يتجاوز كونه مجرد فعل سياحة، بل هو ممارسة سياسية متجسدة، تواجه الاحتلال باستعادة المكان والذاكرة. فهذا التجوال على الأرض الفلسطينية، شكل من أشكال المقاومة اليومية التي تؤكد الوجود الفلسطيني وتواجه المحو، ولذلك، ورغم ما باتت تواجهه أنشطة التجوال من قيود مكثفة تعكس محاولات أوسع للسيطرة على الحركة الفلسطينية وقمع المقاومة الثقافية، خاصة في العامين الأخيرين، لا تزال مجموعات التجوال مستمرة، مُكيّفةً أساليبها ومُؤكّدةً على ضرورة الحفاظ على الارتباط بالأرض؛ فهي تبحث عن ضرورة الاستدامة، والعمل على محورين، أولهما تحويل تجارب التجوال إلى مواد أرشيفية ومعارض وموارد تعليمية، ما يُرسّخ الذاكرة والروايات التي يسعى الاحتلال إلى محوها؛ وثانيها الاتكاء على الابتكارات الرقمية التي من شأنها أن تفتح آفاقًا رحبة وواعدة للتجوال، متحدثين عن تفعيل جولات افتراضية وأرشيفات تفاعلية تُمكّن من الوصول إلى جمهور أوسع، والحفاظ على المواقع التي يصعب الوصول إليها، لا سيما في ظل قيود الحركة، وبما يُسلّط الضوء على التجوال كممارسة متعددة الأوجه حيوية لبقاء الثقافة الفلسطينية ومقاومتها، ويحثّ على مواصلة الابتكار والتوثيق والالتزام الجماعي في مواجهة التحديات المستمرة، وذلك لقناعة المتحدثين وغيرهم أن فعل التجوال في فلسطين لا يقتصر على تعزيز المعرفة بالجغرافيا والتاريخ فحسب، بل يعزز أيضًا الانخراط العاطفي والأخلاقي في الأرض، كما الهوية الفلسطينية والتضامن عبر الأجيال والمناطق، بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948 ومجتمعات الشتات.

وتأمل المتحدثون في كيفية ربط تجوال الفلسطينيين بأماكن لم تعد موجودة فعليًا بسبب التهجير ومصادرة الأراضي، مُؤكدين على أهمية الذاكرة والسرد والخيال في الحفاظ على الهوية وتعزيز جهود استصلاح الأراضي مستقبلًا رغم القيود الحالية، وصعوبات استمرار التجوال في ظل استمرار الاحتلال العسكري، وعنف المستوطنين، والتشرذم السياسي.

وهنا تتأتى أهمية التوثيق، والتعبئة الجماعية، والأساليب المبتكرة للحفاظ على ممارسة التجوال كشكل من أشكال المقاومة الثقافية والسياسية، خاصة مع إنكار السرديات الصهيونية للوجود والتاريخ الفلسطينييْن. 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.