}

تفاهة العنف

مها حسن 15 أغسطس 2025
إناسة تفاهة العنف
حنه أرندت: حللت "تفاهة الشر" بعمق فكري (Getty)
التهافت على التعذيب والإهانة
لماذا يركض أحدهم بهذا الحماس خلف مطرب، ليضربه ويؤذيه ويهينه أمام الكاميرات؟
ما الذي جرى للسوريين ليتحوّل بعضهم إلى ذئاب مفترسة تتجمّع حول الضحية، وتتلذّذ بالأذى؟
رأيتُ هذا الفيديو رغمًا عني: حفلة غنائية في مدينة الباب بريف حلب تتحوّل إلى كابوس، حين اقتحمت قوات الأمن المكان واعتقلت المغني الشعبي عمر خيري. ظهر لاحقًا محلوق الشعر، مكتوبًا على جسده بعبارات مهينة، ومجبَرًا على الغناء وترديد ما يُملى عليه تحت تهديد السلاح.
كان المشهد أقرب إلى طقس صيد بدائي: رجال يجتمعون حول فريسة جريحة، لا للقضاء عليها فقط، بل لإذلالها وتجريدها من آخر ما يربطها بإنسانيتها. بدا أن الجسد، الجسد وحده، هو الهدف.
من أين يأتي هذا العنف؟ كيف نفهمه؟ ولماذا يظل الجسد ـ في الحروب كما في الثورات ـ هو الأرض التي تُكتب عليها كل اللعنات؟
قبل أيام من ذلك، قُتل شاب سوري لأنه رفض أن "يعوّي" حين طُلب منه ذلك على أحد الحواجز. تحوّلت العبارة المأساوية "عوّي ولاك" إلى مثلٍ ساخر يتداوله السوريون بمرارة. وصارت قصة الشاب الذي قُتل لأنه لم "يعوّي" درسًا مخيفًا، دفع الكثير من السوريين إلى تخيّل أنفسهم مكانه، متسائلين: لو خُيّرتُ بين أن أعوّي أو أُقتل، ماذا سأختار؟ السؤال في حدّ ذاته مهين للكرامة البشرية، إذ يُعدّ إهانة أن يضطر أحدنا إلى تخيّل نفسه أمام هذا الخيار.

الجسد تحت سلطة العقاب

في كتابه "المراقبة والعقاب"، يشرح ميشيل فوكو كيف تحوّلت العقوبة عبر العصور: من تعذيب الأجساد علنًا إلى ضبطها سرًا، من الجلد والمشانق إلى السجون والانضباط المؤسسي.
لكن في لحظات الفوضى، حين تتفكك الدولة أو تغيب، يعود الجسد ليصير مسرحًا للعنف العلني، كأننا نعود إلى الأزمنة الأولى للسلطة.
ما جرى لذلك المطرب لم يكن مجرّد انتقام، بل رسالة.
العنف هنا لا يُستخدم كوسيلة، بل كلغة: الجسد هو الورقة، والعنف هو الحبر.
يُكسر الجسد ليُثبت أحدهم أنه الأقوى، وأنه قادر على "تشطيب" الآخر حرفيًا.
وهنا يكمن الرعب: حين تمارس جماعات مسلّحة ـ كانت قبل سنوات ضحية ـ نفس تقنيات الإذلال التي استخدمها النظام ضدها، ندرك أن العنف في سورية لم يعد أداة، بل أصبح ثقافة، بنية داخلية تُعيد إنتاج نفسها، بغضّ النظر عن هوية القامع والمقموع.

من هو القابل للحزن؟

تتساءل جوديث بتلر: من هو الكائن الذي يُحتسب موته؟ من هو الإنسان الذي يُعترف به كي يُبكَى عليه حين يُقتَل؟ فليس كل موتٍ يُحدِث حدادًا، وليس كل تعذيب يُثير الاستنكار.
في سورية، صارت الحياة والموت مرهونتين بالانتماء السياسي أو الطائفي.
إن كنتَ من "الطرف الآخر"، فإن موتك خسارة مستحقّة، وربما حتى "فرحة خفيّة".
وهكذا يُنتزع الإنسان من إنسانيته: لا يعود جسدًا حيًا، بل شعارًا، عدوًا، مجرّد علامة.
هذا ما تشير إليه بتلر حين تقول إن "اللااعتراف بالحياة هو تمهيد للموافقة على موتها". حين نُجرّد الآخر من صفته البشرية، لا يعود الألم الذي نلحقه به مدعاةً للندم، بل جزءًا من أداء سياسي أو أخلاقي...
إننا، في هذا المشهد، لا نعذّب جسدًا فحسب، بل نمحو حقّه في أن يُحزَن عليه.

العنف كتفاهة: من الاستبداد إلى الثورة

في كتابها "تفاهة الشر"، تتأمل حنه أرندت في شخصية آيخمان، أحد مهندسي المحرقة.
ما يُفزع في تحليلها أن الشر لم يكن شيطانيًا، بل عاديًا، بيروقراطيًا، يُمارَس بلا عمق، بلا ندم، كعمل وظيفي بارد.
في الفيديوهات التي نشاهدها عن التعذيب، ثمة شيء مشابه، الضرب لا يتم بحرارة الكراهية، بل ببرودة التكرار. كأن الجلادين ينفّذون مهمة، يتبعون بروتوكولًا معروفًا. وحين يصبح العنف طقسًا يوميًا، بلا مساءلة ولا انفعال، فهو لا يعود وسيلة للانتقام، بل يصبح أداة تفريغ، شكلًا من السلطة التي لم تعد تشعر بضرورة تبرير نفسها.

العنف في ذاته، من أجل ذاته

ما حدث للمطرب الحلبي، أو للشاب الذي رفض العواء، ليس استثناءً، بل علامة، علامة على أن الأجساد في سورية لم تعد تخصّ أصحابها، بل تخص السرديات الكبرى التي تلتهمها.
لا ثورة تستحق اسمها إن لم تحمِ الكائن البشري، حتى المختلف، حتى العدو، ولا حرية تُجدي إن لم تُترجم في احترام جسد الآخر، وفي صيانة ضعفه، وهشاشته، وحقّه في الحياة بلا إذلال.
السؤال اليوم هو: كيف نُعيد الاعتبار إلى الجسد؟ كيف نعيد بناء خطاب يعترف بكل من ماتوا، لا كضحايا فحسب، بل كبشر لهم أسماء، وأمهات، وأحلام، وأمنيات...

العنف كتفاهة يومية: محاولة في تسمية الوحش

حين نحاول فهم العنف الذي بات يُمارَس في سورية، ليس كاستثناء بل كعادة، لا نجد أوضح من أدوات التحليل التي قدّمتها حنه أرندت حين وصفت "تفاهة الشر". العنف لم يعد عملًا وحشيًا استثنائيًا، بل صار سلوكًا بيروقراطيًا باردًا، يُمارَس كما تُمارَس وظيفة.
الجلاد يجلد كما يوقّع موظف على ورقة. الجسد يُهان كما تُملأ استمارة. إنها "تفاهة العنف": هذا ما يمكن تسميته.
حين يصبح العنف منظّمًا، ممنهجًا، قابلًا للتكرار من دون مساءلة، يمكن الحديث عن بيروقراطية العنف. لا تعود المسألة في يد وحش، بل في يد شخص "ينفّذ الأوامر"، أو "يفعل ما يُطلب منه"، بدون أن يسأل نفسه سؤالًا أخلاقيًا واحدًا.
هكذا تظهر أخلاقيات العنف الصغير، ذلك الذي يُبرّر الأذى باسم النظام، العقيدة، الانتماء، أو حتى المجاملة.
لا حاجة للكراهية الشخصية كي يُعذَّب إنسان، يكفي فقط أن يُنسب إلى الجهة "الخطأ"، أو أن يُمثّل "العدو"، أو أن يُخالف السردية السائدة.
نحن هنا أمام وجوه العنف العادي: العنف الذي لا يُمارَس بانفعال، بل بطمأنينة، كما لو كان أمرًا بديهيًا.
وإذا كان الشر، في تحليل أرندت، يُمارس غالبًا من أناس عاديين تمامًا، فإن العنف كذلك قد لا يأتي من وحش، بل من جار، أو صديق سابق، أو شاب مراهق وجد في السلاح صوته الوحيد...
هذا هو الشكل الأخطر للعنف: حين يصبح صامتًا، لا يُرى لكنه يُنهك، حين يغدو الهواء مشبعًا به: في البيوت، في الشوارع، في العلاقات اليومية. حين لا نعرف أين تنتهي الحياة وتبدأ الوحشية، لأننا صرنا نعيش داخل العنف، لا إلى جواره.

(باريس)

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.