لكن الحقيقة أكثر عنادًا من أي هرمٍ رُسم على ورق، ففي اللحظات التي يُدفع فيها الإنسان إلى الجوع أو الخوف، يتّضح أن البقاء لا يقتصر على مسألة معدة ورئتين فقط، بل روح تتمسّك بما يُذكّرها بأنها ليست آلة بقاء.
كل النظريات تبدو متينة إلى أن تصطدم بالمحكّ. عندها، تتهاوى الأفكار الرخوة وتتمزق كأوراق مبتلّة. كما تسقط أمام الجوع اليقينيّات التي جُمعت من الكتب والخُطب، تسقط النظريات والدراسات التي تُظهر أن الإنسان يحتاج أولاً للخبز والماء.
إلا أن لحظة صغيرة، عابرة، قد لا يشعر بها أحد، تتجاوز هذه الفكرة لتُذكّره أنه ما زال إنسانًا لا مجرد كائنٍ يلتقط أنفاسه. لحظة تجعل من النشوة البسيطة فعل مقاومة. كأن تعدّ فنجان قهوة رغم فراغ معدتك، أو تشعل سيجارة رغم ضيق صدرك، نشوة هي أقرب ما تكون لإعلان تمرّد على الاختزال: "لن تختزلوني في قائمة فسيولوجيّة". ليس في ذلك رفاهية ولا هروبًا، بل استعادة للمقام الإنساني في لحظة مسروقة من عالم يضغطك حتى آخر نفس.
حدث هذا حين فاجأني صديق من غزّة ببحثه المحموم عن سيجارة تعيد له أنفاسًا حبسها طويلًا خلال الحرب. لم يكن طلبه نزوة، بل يقينًا أن تلك النفخة الصغيرة في وجه العالم قد تردّ له شيئًا من سيادته على نفسه وسط عالم صادَرَ كلّ قراراته، ليباغتني بعدها بأشهر، صديق آخر قام بشراء نصف أوقية قهوة بدل بعض احتياجات كانت أكثر إلحاحًا، ليعود بعدها من السوق منتصرًا كأنه خرج بغنيمة كاملة. عاد ليغلي ماءه، يصبّ قهوته، ثم يحتسيها ببطء كأنه يبتلع الحياة نفسها.
ذلك الطقس ليس تفصيلًا عابرًا، بل إعلان عن صمود الروح. والقهوة هنا ليست مجرد سائل أسود، بل جسر هشّ بين الإنسان وإنسانيته، خيط يعيد إليه شعورًا بالآدمية وسط خرابٍ يومي.
كأن يستعيد بعد الرشفة الأولى، شيئًا فقده في سعار البحث عن لقمة العيش؛ حقّه في الاستمتاع، في التأمّل، في الاسترخاء وفي استحضار عادات تحمل شيئًا من الماضي، من مقهى مع الأصدقاء، من مشهد الغروب، من مساء كانت فيه السماء أوسع والقلب أقل حذرًا. هي ليست حالة حنين للماضي، بقدر ما هي خيوطٌ تحفظ التوازن كي لا يسقط الإنسان في هوّة الاختزال، فلا تُقاس آدميته بعدد الأرغفة، بل في أن يكون له الحقّ في ممارسة عاداته ومزاجه اليومي وإن كان في لحظةٍ ما، عابرًا كظل يمرّ على جدار. إلا أنها تذكّره بأنه ما زال حيًّا بما يكفي ليرغب في أن يحيا أكثر مما يرغب بأن يعيش. رغبة ظنّها زمنًا طويلاً رفاهية، فإذا بها في لحظة الانكشاف تتحوّل إلى أولويّة، إلى الشرارة الأخيرة التي تمنع وجوده من الانطفاء التام.
يختبر الجوع الجسد، لكن الكرامة تختبر الروح.
خيار يبدو غير منطقي من منظور البيولوجيا، لكنه في العمق منطق إنساني بامتياز: كما أن المعدة لا تحتمل الخواء، لا تحتمل الروح الإهانة.
هرم ماسلو المرتب بعناية على الورق: قاع للحاجات، قمة للأحلام. لم يكن فيه ما يشير إلى ما يحدث في الزوايا، بين ضلع وضلع، حيث وقف صديقي الجائع يضحك من كل هذا الترتيب. الحقيقة أني رأيت الهرم بعدها أقرب لخيمة مثقوبة: يتسرّب المطر إليها من كل الجهات، مما اضطره لأن يرقّعها بجرعة قهوة أو بنفخة دخان.
قد يكون هذا أيضًا سبب هجوم بعض النقّاد على ماسلو الذي نسي أن التحيّز الثقافي المتأصل في نموذجه لم يلقِ بالًا إلى أنّ العديد من الحاجات الإنسانية قد تكون مشتركة بين الثقافات، لكن ترتيب أولوياتها يختلف بشكل كبير، وأن الإنسان ليس رسمًا هندسيًّا ولا معادلة، بل مخلوقًا غريب الطباع: قد يبيع آخِر رغيف معه ليشتري علبة سجائر، ثم يقنعك بأن القرار كان منطقيًا أكثر من أي معادلة رياضيّة. هذا التناقض هو جوهر إنسانيته: اللاعقلانية التي تنقذه من أن يتحوّل إلى آلة. تمامًا كما وصفها أحدهم أن بعضًا من الجنون يحمينا من الجنون.
هذا التوجّه يجد دعمًا في الأبحاث المعاصرة حول الطبيعة الإنسانية التي تشير إلى أن تآكل ما يسمى بـ "الوكالة الشخصية" (Sense of Agency) في الدماغ البشري والذي يرتبط بالرفاهية النفسيّة، لا يُشعَر به بالضرورة في القرارات الكبيرة والشاملة، بل في الخيارات الصغيرة اليوميّة التي تُحدّد الكثير من معنى الحياة.
السؤال الحقيقي ليس "ماذا يحتاج الإنسان ليبقى؟" بل "ماذا يحتاج الإنسان ليشعر أنه ما زال إنسانًا؟". هذا الاختيار، الذي قد يبدو غير منطقي، هو في الواقع الاختيار الأكثر إنسانية على الإطلاق. منطق يقول: "أنا لست مجرد معدة تحتاج للامتلاء، بل روح تحتاج للارتواء".
أحيانًا الجواب أبسط مما نتخيل: فنجان قهوة يعيد للقلب إيقاعه، أو سيجارة تذكّره أن الرئة ملكه لا ملك السلطة ولا الحرب.
مشهد رجل يرفع قهوته أو ينفث دخان سيجارته وسط الدمار ليس ترفًا، فأن تقوم بذلك وأنت تضحك في وجه الهرم، وفي وجه الواقعية المتعجرفة، هو أن تقول لها: "أنا ما زلت هنا، وبطريقتي".


تحميل المقال التالي...