أردتُ من استهلالي بمشهد الخيل والشباب والعرض الفروسيّ الأخّاذ، أن أقول (إضافة إلى تذكّر الفرس الأصيلة التي ظلّت تسير إلى أن وقفت أمامي مباشرة وتركتني أمسّد شَعر رقبتها الشامخة) إن مراكش موئلَ المرابطين لا تنسى تاريخها، وأنها، في الوقت نفسه، لا تريد للسيّاح المتوافدين إليها من إيطاليا وإسبانيا وباقي الدول الأوروبية أن ينسوه. وتاريخها كله مجدٌ عندما استنصر ملوك الطوائف قائدها الروحيّ العسكريّ يوسف بن تاشفين عقب استيلاء ألفونسو السادس، ملك قشتالة، على طليطلة سنة 478هـ (1085م) وتهديده ملوك الطوائف بالويلِ والفَناء، فإذا بِأهل الأندلس يستصرخونَ إخوانَهم في المغرب، ويطلبون العون والنجدة منهم، في تلك الأيام المصيرية من تاريخ الوجود العربي الإسلامي في الأندلس.
يوسف بن تاشْفين
كان يوسف بن تاشفين (أبو يعقوب) أميرًا على دولة المرابطين التي كانت تحوي ضمن حدودها بلاد المغرب الإسلامي. المفارقة التي تجعلنا نهتف حانقين "ما أشبه اليوم بالبارحة" ونحن نرى كيف يتعامل بعضنا مع وقوف إيران مع مقاومة الشعب الفلسطيني، هي أن معظم ملوك الطوائف عارضوا وقتها فكرة الاستنصار بالأمير الأمازيغي، ابن تاشفين، خشية أن يسلب منهم الحكم بعد أن ينصرهم؛ ليخرج المعتمد ابن عبّاد مخاطبًا ملوك الطوائف بجملته الشهيرة التي صارت مضرب مثل: "رعْيُ الجِمالِ خيرٌ من رعْيِ الخَنازيرِ"، قاصدًا أن الأسْر لدى أمير المسلمين، أفضل وأشرف من الأسْر عند ألفونسو.
ولد أبو يعقوب يوسف بن تاشفين بن إبراهيم سنة 400هـ (1009م) في المنطقة الواقعة على المثلث الحدودي بين موريتانيا والجزائر والمغرب، وقد توفي في شهر محرم/ يناير من عام 500هـ عن عمر يقارب المائة عام. وحسب المؤرخ ابن خلّكان نشأ بن تاشفين على حبّ الرباط والجهاد، ما جعله يلتحق بدعوةِ الشيخ عبد الله بن ياسين، مؤسس الحركة المرابطية، في رباطه على نهر النيجر؛ ليصبح أحد المقربين منه. بعد وفاة عبد الله بن ياسين وقيام أبي بكر اللمْتوني مكانهُ في إدارةِ دولة المرابطين؛ أوْكل أبو بكر شؤون المغرب لابن عمه يوسف بن تاشفين، وزوّجه بزوجته زينب بنت إسحاق النفزاوية بعد أن طلقها، وفي ظرفٍ وجيزٍ تمكن ابن تاشفين من توحيد القبائل، وذاعَ صيتُه في أرجاء المغرب، فكّر يوسف في بناء مدينة تكون قاعدة لحكمه فوقع اختياره على أرض تقع شمال غربي مدينة أغمات فاشتراها، فكان ذلك مولد مدينة مرَّاكش سنة 454هـ (1062م). نُصرة بن تاشفين لأبناءِ ملّته ممن يقيمون على الضفة الأخرى من المتوسط في إشبيلية وسرقسطة وغرناطة وملقة وعموم بلاد الأندلس، كانت حقيقية، وقوية، ونهائية، ومما شاع قوله في سياق وصف بن تاشفين بعد رحيله إن الرجل الذي عاش قرنًا من الزمان أخّر سقوط الأندلس أربعة قرون بعد أن هزم ألفونسو ومن معه، قاطعًا متوالية تبادل الرسائل بينه وبين ألفونسو برسالة أخيرة قال له فيها "الذي سيكون ستراه"، نزل الأمير يوسف (صاحب السبعة والسبعين عامًا وقتها) بالجزيرة الخضراء التي أعطاه إياها المعتمد بن عبّاد، فقام بتحصينها؛ وجعلها قاعدةً خلفيةً لقواته، وهناك وافاهُ المعتمد بن عباد، والمتوكل بن الأفطس، حاكم بطليوس؛ ليضع ابن تاشفين خطته لمواجهة تحالف ألفونسو.
وهي خطّة مقتبسة من خطّة الصحابي خالد بن الوليد في موقعة الولجة في فتوح فارس، بحيث قسَّم الجيش ثلاث فرق: الفرقة الأولى وهي المقدمة بقيادة المعتمد وتضم 15 ألف مقاتل، والفرقة الثانية خلف الأولى وعلى رأسها يوسف بن تاشفين وتضم 11 ألف مقاتل، ومن بعيد تنتظر الفرقة الثالثة وتضم أربعة آلاف مقاتل هم من أمهر الرماة والمحاربين. وفي يوم الجمعة 12 رجب سنة 479هـ (1086م) دارَت المعركة الفاصلة المسماة بـ"موقعة الزلاقة"؛ بين جيش يوسف بن تاشفين وجيش ألفونسو الذي تلقى ضربةً قويةً، وأصيب ألفونسو في إحدى ركبتيه وفرّ من المعركة برفقة 500 فارسٍ فقط من أصل 80 ألف فارس. في كتابه "أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام"، يصف لسان الدين بن الخطيب مشهد هروب ألفونسو قائلًا: "فارًّا لا يُهدى ولا ينام ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق 400، فلم يدخل طُلَيْطِلَة إلا 100 فارس، والحمد لله على ذلك كثيرًا على هذه النعمة العظيمة والمنّة الجسيمة".
أسماءٌ كثيرةٌ ومدينةٌ واحِدة
يحتار زائرها بتحديد اسم لها، هل يسميها مدينة الورود؟ أم النخيل؟ أم المدينة الحمراء؟ ففي مراكش كل ما تقدم موجود، وأكثر. هناك عند تخوم مدينة أخرى من مدن المرابطين، تشهق الأبنية بجلال الإبداع، وفتنة الأحمر المغموس بلون الجبال وجباه أصحابها. وهناك تفتح لك الأرض ذراعيها وجنونها وعنفوان حصونها وأحصنتها، وهناك يجيء العالم من كل حدب وصوب، ليفترش الرقص والغناء مع فرق ساحة جامع الفنا وباقي الساحات وأماكن الارتياد، فهم لا يحبّذون الرقص وحدهم، أم لعلهم واثقون من طرازهم التراثي الخاص، في الفنون والتوابل والزيوت وتحديدًا زيت نبات الآرغان الشبيه بشجرهِ وثمرهِ بالزّيتون، والعطور وثمار النخيل وعسله وباقي مشتقاته.
في واحد من أماكنها اللافتة، يقدمون لك داخل فضاءات "شي علي" مع الأكلة المغربية الشهيرة المصنوعة من البرغل، ومع طاجن اللحم، وجبة من ذاكرة الأحفاد، في عرض عسكري فروسي مهيب، متصاحب مع موسيقى العالم، بخلطة شرقية غربية تحرك حماسة الفرسان فيفعلون بأحصنتهم العربية الأصيلة الأعاجيب، ويأخذون أكثر من 1700 يشاهدون عرضهم يوميًا برحلة رجوع تزيد على 1000 ويستعيدون بأداءٍ ساحرٍ مستحيلٍ رشاقةَ الأجداد وإقدامهم وشجاعتهم الاستثنائية، التي جعلت غرناطة وإشبيلية وملقة ومدنًا أخرى في الجنوب الإسباني متاحة لهم، ومطواعةً أمام هبوب ينتزع "الله" عالية مدوية تمامًا كهدير أصواتهم وأزيز رصاصهم، وصهيل أحصنتهم، وغبار الوغى تحت أقدامها. فروسية تجعل حتى السواح الإسبان الموجودين في عين المكان وليله وتنوّع موسيقاه، يصفقون إعجابًا وإقرارًا بما أراده التاريخ ذات نقلة من نقلاته. هكذا هي مراكش... وهكذا تريد أن تبقى؛ مشوار الورد الممتد من أوّلها وحتى آخرها، شموخ النخيل، أغنيات الزيتون والحب والزعفران.
وعلى سيرة الحب، فإن المدينة من أساسها (وهي بالمناسبة ثالث أكبر مدينة مغربية)، عربونُ حُبٍّ قدمه يوسف بن تاشفين لزوجته زينب النفزاوية عام 454 هجرية الموافق 1062 ميلادية، وبناها وقتها لعيونها. وهكذا هي أوريكا وستي فاطمة والمتحف ومدرسة ابن يوسف وباقي نواحي مراكش.
إنها "وردة بين النخيل" كما يغني فنانها إسماعيل أحمد، تستقبلك بالفعل لا بالقول، تفتح ذراعيْها بالحب والعطاء... يأتيها المسرحيون فيمسرحون أيامهم فيها... يأتيها الرسامون فيتيهون من أين يبدؤون؛ أمِن الأبنية الخلابة؟ أم الأزياء عديدة الخيوط والألوان؟ وفي زحمة السؤال والجواب، يصرّون على أفضل ما لديهم كما فعل الرسام الفرنسي جاك ماجوريل الذي شيّد في عام 1924 حدائق ساحرة حملت اسمه فيما بعد، وإضافة إلى اسمه، حملت الحدائق اسم اللون الأزرق الذي فاجأ الرسام سكان المدينة الحمراء في عام 1937، عندما صبغ مباني الحديقة بدرجة قوية مؤثرة منه بالأزرق. وظل مفتونًا بتحفته، مقيمًا إلى جوارها، إلى أن مات هناك عام 1967. في الأمازيغية تحمل مراكش اسم "أمور ن ياكوش" ومعناها بالعربية "بلاد الله".
"آهٍ زينب"...
في فيلم "من يطفئ النار" (1982) الذي يتناول صمود الجنوب اللبناني في وجه العدوان الصهيوني على مدى 22 عامًا حتى التحرير في 25 أيار/ مايو 2000، يختار المخرج محمد سليمان أغنية "آهٍ زينب" قفلةً لِمساراتِ الفيلم وتصاعديةِ أحداثِه. والأغنية بكائيةٌ ترثي بصوت الفنان اللبناني وليد توفيق أحد أبطال الفيلم، أحوال الجنوب وآلامِهِ وتضحياتِهِ ثمنًا لنيلِهِ حريتِه وتخلّصه من العدو الصهيوني الذي ظل يربض على الأرض اللبنانية ردحًا من الزمن: "هذا الدوريّ على الشرفة... هذا الطين وهذا الماء... شجر الحُورِ دُخان والنهرُ دُخان... ورذاذُ المطرِ الناعمِ فوْق الجرحِ دُخان"... إلى أن يهتف سائلًا مفجوعًا ترافقهُ في بكائيتهِ المقهورةِ ناياتٌ تشلعُ الروح: "من ألبسكِ الثوب الأسود؟ من قصّ ضفيرتكِ الشقراء؟ من قصّ الشّفة المرجانَ؟ آآآهٍ... آآآهٍ... آآآهٍ زينب..."... ثمّ، ومن خلال سرديةٍ غنائيةٍ ملحّنة: "ونقول تعلّمنا من ثديِ الأمِّ بأن نطلق أسرانا... فلماذا دمنا يلبس كل الأزهار الأطهار... لا نسمع غيرَ هويِّ الثلجِ على الجسدِ المُنهار... يا واهب هذِي الشمس لِهذي القدم العمياء... من يُطفئُ برْد الشمس؟ من يطفئُ بردَ الشمس من حرِّ الماء؟ من يقتلنا من يقتلنا من يقتلنا من...؟ آه... آه... آآآهٍ زينب". كل هذا الإسهاب حول مفردتيّ "آهٍ زينب" لأقول إن زينب بنت إسحق النفزاوية التي طلّقها أبو بكر اللمْتوني لِيزوّجها لابنِ عمّه يوسف بن تاشفين ارتبط تاريخها ومنجزاتها وشخصيّتها الفذّة بآهٍ غير آهِ الحزن والفقد كما في أغنية وليد توفيق وفي عموم الفيلم الذي قدمت الأغنية في سياقه عن الجنوب وشهيدات الجنوب وتضحياته وشلال دمائه الذي لم يتوقّف حتى يومنا هذا. إنها آه الدهشة مما كانت عليه امرأة تُهْدى مدينةً... وتنير دروب قادة الجند وأصحاب الأمرِ في زمانها. امرأةٌ طموحةٌ لبيبةٌ ذاتُ رأيٍ وحزْم. لم ترضَ من الرجال إلا ذوي الهِمم من الملوك وشُجعان الوَغَى. كان يقال لها الساحرة أو الكاهنة، وسبب ذلك عبارتها التي رأى الناس فيها مطالعةً للغيب، وهي أنها لن تتزوّج إلا من يحكم المغرب الموحّد، وهذا ما كان عندما تزوّجت بن تاشفين الذي وحّد المغرب العربي ونصر إخوته المسلمين في بلاد الأندلس. كانت زينبُ عنوانَ سعدِ يوسف، القائمةَ بملكِه، المدبرةَ لأمرِه، الفاتحةَ عليهِ، الناصحةَ لهُ في كيفيةِ معاملة الأعيانِ والعامةِ والناسِ أجمعين. زينب النّفزاوية تشبهُ زينب اللبنانيّة بأمرٍ واحدٍ ألا وهو الجمال الأصيل، وفي حين استشهدت زينب الجنوبيّة يوم زفافها (كما في أحداث الفيلم)، فإن زينب النفزاوية عاشت عمرها كلّه (بعض الروايات تقول إنها ماتت في العام نفسه الذي رحل فيه بن تاشفين، أي عام 500 هجري)، تاركةً في تاريخ المغرب العربي بصمةً لا تُنسى... جاعلةً من مراكش مدينة جميلة لأنها ارتبطت بها وكبرت معها وصارتا معًا (زينب ومرّاكش) علامتيْن مدهشتيْن على النهضةِ والمجدِ والإِباء.
ساحة جامع الفنا
حاوٍ يحاور أفعى، صبيةٌ تمسك يد سائحة وتوشِم يدها، رجال بأزياء شعبية يراقصون المارّة، وجميعهم يعزفون على آلاتهم الشعبية، أكشاك العصائر الطبيعية من برتقال وليمون ونوع حمضيات ثالث خاص بمراكش، مشهد مسرحي يومي، وحلقات تتوزع ساحة جامع الفنا وغيرها، حَجّاب، أو فَتّاح، أو قارئ طالع، يجلس خلق حوله ويفعل أشياء بأوراق الشدة وبيوض بعض أنواع الطيور، وأناس وفرح وعجائب، في فرجة لا تقل دراميًا عن دراما الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية... لا أحد يريد للحظات ساحة جامع الفنا أن تنتهي... ولا لأبوابِ المدينة أن تُغلق... ولا لعاشِقها أن يغادر من دونِ عِرْقٍ صغير بلونِ الأُرْجوان، يتضوّع منه عبقُ الزّعفران.


تحميل المقال التالي...