}

"الأرض تتكلم": كيف يرسّخ علم النباتات الأثرية الرواية الفلسطينية؟

يوسف الشايب 29 أغسطس 2025
آثار "الأرض تتكلم": كيف يرسّخ علم النباتات الأثرية الرواية الفلسطينية؟
فلسطينيون يقطفون الزيتون بالقرب من جدار الفصل العنصري

في خضم الصراع على الرواية والتاريخ، حيث تُستخدم الأيديولوجيا لتشويه الحقائق ومحو الذاكرة، يبرز علم النباتات الأثرية كأداة علمية دقيقة لا تقدم مجرد استنتاجات، بل أيضًا أدلة مادية دامغة.
هذا العلم، الذي قد يبدو للوهلة الأولى تخصصًا أكاديميًا بحتًا، هو في الحقيقة حارسٌ لذاكرة الأرض، وصوتٌ لأجدادنا أصحاب الأرض الأصلانيّين، الذين زرعوها وعاشوا عليها لآلاف السنين، فدوره في تثبيت الرواية الفلسطينية لا يقتصر على إثبات الوجود، بل يتعداه إلى تأكيد استمرارية هذا الوجود الحضاري والزراعي والثقافي من دون انقطاع.
بُني جزء كبير من الرواية الصهيونية على أسطورة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وصورة ذهنية لأرض قاحلة مهجورة جاء المستوطنون "لإحيائها وجعل الصحراء تزهر"، وهنا يأتي دور علم النباتات الأثرية ليقدم الدليل القاطع الذي ينسف هذه الرواية من أساسها.

د. حسين مدينة وحديث عن الفريكة في مقارنة بين الماضي السحيق والحاضر


وهذا ما يؤكده د. حسين مدينة، الخبير في علم النباتات الأثرية، في رحلة عبر الزمن، عبر ندوة انتظمت، أخيرًا، في ملتقى حكايا في مدينة رام الله، ليكشف لنا عن أهمية هذا العلم الدقيق في فهم تاريخ فلسطين وحضارتها، وكيف يمكن للبقايا النباتية القديمة أن تروي قصة الأرض والإنسان، وأن تكون سلاحًا في معركة الحفاظ على الهوية الثقافية، في مزج ما بين التحليل العلمي والسرد التاريخي، مقدمًا رؤية جديدة لكيفية قراءة الماضي من خلال ما تركته الطبيعة من آثار.
وتحت عنوان "البذور هي الدليل"، يذهب مدينة إلى أنه "عندما يعثر علماء الآثار في مواقع كنعانية، أو رومانية، أو إسلامية، في فلسطين، على بذور قمح وشعير وعدس وحمص متفحمة، أو على بقايا حبوب لقاح لهذه النباتات، فهذا ليس مجرد اكتشاف نباتي، بل دليل مادي على وجود مجتمعات زراعية منظمة ومستقرة كانت تزرع هذه الحبوب وتعيش على حصادها قبل آلاف السنين، لافتًا إلى أن وجود قمح القاسيون (Triticum durum) والشعير (Hordeum vulgare) في طبقات أثرية عميقة يؤكد أن حقول فلسطين كانت تُفلح وتُحصد باستمرار، وأن هذه الأرض لم تكن يومًا "صحراء" تنتظر من يحييها".




وفي إطار حديث عن شجرة الزيتون، كرمزية متجذرة في عمق التاريخ، يشدد الخبير في علم النباتات الأثرية على أن شجرة الزيتون، التي هي رمز للهوية والصمود الفلسطيني، تتحول في إطار علم النباتات الأثرية من مجرد شعار ثقافي إلى حقيقة تاريخية موثقة، عبر بقايا الزيتون والجفت.

حصاد القمح بالمنجل في فلسطين 


العثور على نوى الزيتون القديمة، وبقايا "الجفت" (مخلفات عصر الزيتون)، وأدوات العصر الحجرية في مواقع أثرية تعود إلى العصر البرونزي، كما ذكر مدينة، في موقع تل السكن الأثري في رفح في قطاع غزة، على سبيل المثال، يثبت أن الفلسطينيين القدماء لم يكونوا يزرعون الزيتون فحسب، بل كانوا أيضًا يمتلكون المعرفة والتقنية لإنتاج زيته على نطاق واسع، ما يعني وجود اقتصاد زراعي متكامل، وتقاليد غذائية وصناعية ضاربة في عمق التاريخ، كاستخدام الزيت للإضاءة وصناعة الصابون، وهو ما يتصل مباشرة بالتقاليد الفلسطينية الحالية.
أما "استمرارية الثقافة عبر المائدة" فكانت محورًا مهمًا في هذا الإطار، حيث أن الطعام جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية، لا سيما وأن علم النباتات الأثرية يثبت أن المطبخ الفلسطيني اليوم ليس وليد قرون قريبة، بل هو امتداد طبيعي لآلاف السنين من التفاعل مع بيئة هذه الأرض، فالمكونات نفسها، لأن الأرض نفسها.
عندما نكتشف أن العدس والحمص والعنب والتين كانت جزءًا من النظام الغذائي للسكان المحليين منذ العصور الحجرية الحديثة والبرونزية، فإننا نربط طبق "المجدرة"، أو "الحمص بالطحينة"، بتاريخ يمتد إلى آلاف السنين، وهذا يثبت، حسب مدينة، أن الفلسطيني المعاصر ليس طارئًا على هذه الأرض، بل هو وريث مباشر لثقافة غذائية وزراعية لم تنقطع، تطورت وتأقلمت مع مرور الحضارات المختلفة، لكنها حافظت على جوهرها المستمد من منتجات الأرض ذاتها.

الخواص: صناعة الأطباق والسلال من سيقان القمح. حرفة متوارثة من قديم الزمان في فلسطين


استهل مدينة ندوته بالتأكيد على أن علم الآثار في فلسطين ليس مجرد أداة لفهم الماضي، بل هو أيضًا وسيلة للمقاومة الثقافية ضد محاولات طمس الهوية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن المستعمرين يسعون دائمًا إلى محو التاريخ من خلال تغيير الأسماء وتشويه الروايات التاريخية، وهنا يأتي دور علم النباتات الأثرية لتقديم الأدلة المادية التي تدحض هذه المحاولات، متوسعًا بالأمثلة لإعادة تسمية وإعادة تصنيف النباتات الفلسطينية من قبل مؤسسات إسرائيلية، ما يعكس آليات تسييس المعرفة العلمية لدعم الأجندات الاستعمارية. وعليه، فإن معرفة النباتية الأصلية والحفاظ عليها أمر ضروري للحفاظ على الهوية الثقافية.





ويعرفنا على هذا العلم باعتباره التخصص الذي يدرس البقايا النباتية القديمة، مثل البذور، وحبوب اللقاح، والفحم النباتي، للكشف عن الممارسات الزراعية والعادات الغذائية والتفاعل بين الإنسان وبيئته في الماضي، وبالتالي من خلاله يمكننا أن نفهم كيف عاش أجدادنا، وماذا أكلوا، وكيف استثمروا موارد أرضهم.
واستعرض مدينة أمثلة تاريخية توضح غنى وتنوع الحياة النباتية في فلسطين، مشيرًا إلى "مسح غرب فلسطين" في أواخر القرن التاسع عشر، الذي وثق جغرافية المنطقة ومواردها الطبيعية، موضحًا أن الدراسات النباتية الحديثة في الضفة الغربية وحدها وثقت أكثر من 3500 نوع من النباتات، ما يدلل على التنوع البيولوجي الهائل، مؤكدًا أن أهمية النباتات في حياة الإنسان القديم لم تقتصر على استخدامها كغذاء ودواء ووقود فحسب، بل امتدت لتشمل استخدامات غير مباشرة، كما في الطقوس الجنائزية، أو كسموم، وكعلف للحيوانات، وكمواد خام لصناعات مختلفة، مثل النسيج (القطن والكتان).
علاوة على ذلك، تطرقت الندوة إلى تحديات التمييز بين النباتات الأصيلة والأنواع الدخيلة، وأهمية الدراسات البيئية والمناخية لوضع النتائج الأثرية في سياقها، فالتكامل بين علم النباتات الأثرية مع التخصصات العلمية الأخرى، مثل التأريخ بالكربون المشع، وتحليل البيئة القديمة، يعزز فهم النظم الزراعية التاريخية والتفاعلات بين الإنسان والبيئة.
وشرح د. مدينة المنهجية المتبعة في دراسة البقايا النباتية، والتي تبدأ بجمع العينات من المواقع الأثرية، ثم استخدام تقنيات، مثل الغربلة الجافة، والتعويم (استخدام الماء لفصل المواد العضوية عن التربة)، لاستخلاص البقايا النباتية الدقيقة. وعليه، فإنه وفّر لغير المختصين من الحضور أدواتٍ لفهم أعمق لأهمية علم النباتات الأثرية كأداة علمية وتاريخية وثقافية، باعتباره لا يساعدنا فقط على إعادة بناء صورة الماضي، بل يمنحنا أيضًا الأدلة المادية التي تعزّز ارتباطنا بأرضنا وتاريخنا، ويؤكد على أصالة هويتنا الفلسطينية.
وخلص الخبير الفلسطيني إلى أن علم النباتات الأثرية يمكنه تقديم رواية مادية صامتة ومحايدة يصعب دحضها، أو التشكيك فيها، فالبذرة المتفحمة، أو نواة الزيتون المتحجرة، لا تحمل أجندة سياسية، بل تحمل حقيقة بيولوجية وتاريخية.
وشدد على أنه في مواجهة محاولات إعادة كتابة التاريخ وتغيير أسماء الأماكن يأتي هذا العلم ليقول: قبل كل الأسماء الجديدة، كانت هذه الحبوب تُزرع، وكانت هذه الأشجار تُعصر، وكانت هذه الفاكهة تُقطف، ما يثبت أن الرواية الفلسطينية ليست مجرد سردية عاطفية، أو ذاكرة شفهية، بل هي حقيقة منقوشة في قلب الأرض، في بقايا نباتاتها التي تشهد على علاقة عضوية عميقة ومستمرة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، ليختم بدعوة للنظر إلى ما تحت أقدامنا، ففي حبات التراب وبقايا النباتات تكمن قصة حضارة عريقة ومستمرة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.