}

صقلية: جزيرةٌ من زمانِ الوصْلِ وهمزة الأبيضِ المتوسّط

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 30 أغسطس 2025
أمكنة صقلية: جزيرةٌ من زمانِ الوصْلِ وهمزة الأبيضِ المتوسّط
باليرمو عاصمة جزيرة صقلية

كان يكفي في زمن الفاطميين أن تقول "المدينة" ليفهم السامع أنك تقصد صقلية... كان يكفي أن تتهجى أحرف كلمة "همزة" ليكمل معك قائلًا "الوصل"... أو أن تزور ذات بهجة ميسينا، أو تاور مينا، أو بالمي، أو باليرمو، أو ريجيو كالابريا، أو شيللا، أو كابو باليرو، وباقي مدن الجزيرة المشعة بالروح على ضفاف المتوسط الغربية، لتشتمّ رائحة أجدادك العرب الأغالبة والعُبيديين في كل ركن من أركان المكان... تحسّه ساطعًا رغم (كل) ما تعرّض له الزمن العربي في الجزيرة الإيطالية من تغييب أثرٍ، ومحو آثارٍ، وإبادة معالم، وتحويلِ وجهاتِ ذاكرة.
في صقلية، ذات صيفٍ عابقٍ بالسينما، قبل 20 عامًا بالتّمامِ والكَمال، وجدتني أشهق البحر الذي يجمعنا نحن عرب الأبيض المتوسط مع أبنائه على الضفة الأخرى (الغربية) من أحد أقدم بحار العالم وأكثرها غزارةَ معانٍ، وحيويةَ ارتباطٍ، وصراعَ حضاراتٍ، وفرصَ تلاقٍ، وحرارةَ صيف. هناك، وخلال مشاركتي عام 2005، في مهرجان سينمائي متوسطيٍّ يحمل عنوان أوركينوس أوركا وجدت الدهشةَ جارتي، والانغماسَ في روح الأمكنةِ شغفي... والبُركانَ أدرينالِيني، وغرانيتا/ Granita قهوتي، وفاكِهتي، وآيسَ كريمي، والكاتدرائياتِ كتابيَ اليوميّ المفتوحَ على صياحِ الديك، وعبّاراتِ الضِفاف، وعابراتِ الحواجزِ بين مكانيْن وعالميْن وزمانيْن وسرديّتيْن وحمّى بحريةٍ واحدة.
بالسيفِ والقصيدةِ حكم العرب الجزيرة المستقلّة إداريًا عن المركزية الإيطالية، ونقلوا إليها خبراتهم الزراعية الآتية من بلاد المغرب، وبلاد الشام (الكنعانيةُ على وجهِ الخصوص، وكل بلاد الشام، على كل حال، كنعانية)، وكل ما تجمّع للعرب الفاتحين تحت رايات الإسلام من مُنجزات أُمم، وعناوينِ ازْدهار، وبُذور خصب.

مسينا تزهو ببحرها وتفاصيلها وكاتدرائيتها 


صحيحٌ أن أصول فاتحها، القائد العربي عَطَاء بِن رافِعْ بِن أبو نافِع الزُلَفي الهُذَلْي (أميرُ بِحار مصر)، تعود إلى الجزيرة العربية الحجازية النجدية التي صار اسمها اليوم المملكة العربية السعودية، قليلة الخبرة الزراعية، كثيرة الصحراء، عجاجيّة الرمل، إلا أن مسيرة الفتوحات العربية وصلت في عام 83 هجرية (702 ميلادية) إلى آفاق الجزيرة الإيطالية وما حولها (سردينيا والجزر الصغرى (الأيوليّة على سبيل المثال)، وغيرها) وقد نضجت ملامح فعلها على الأرض، واندمجتْ في الدعوة التي شكّلت مبررَ تلك الفتوحات وحاضنةَ مشروعيّتها، أممٌ وحضاراتٌ ومُناخاتٌ وتضاريسٌ عديدةٌ متنوّعةٌ ومختلفةٌ ومتراميةُ الأطراف. بحسب المراجع التاريخية، فإن الفينيقيين الكنعانيين سبقوا الإغريق بإيجاد مساحة إقامة لهم فوق أرض الجزيرة الضاربة في القدم، كما أن المصريين كانت لهم حصتهم من أراضي صقلية، ما يعني أن علاقة العرب وحضارات الضفة الأخرى (الشرقية) من البحر الأبيض المتوسط لم تبدأ مع صقلية وجزرها وما حولها منذ عهد الأغالبة، ومن بعدهم الفاطميين، وأمراء بني كلب والعبيديين، ومختلف تجليات الوجود العربي ما بين القرن التاسع الميلادي وحتى القرن الثاني عشر، بل قبل ذلك بكثير، وقبل التقويم الميلادي أساسًا.

القصيدة قبل السيف

جمال التراث الإسلامي في باليرمو عاصمة صقلية 


من اللافت الذي يدعو إلى التأمّل أن القصيدة الشعرية شكّلت ملمحًا حيويًا من ملامح الوجود العربي/ الإسلامي في الجزيرة، وخلال مائة عام من حكم الكلبيين، حققت صقلية درجة عالية من الحكم الذاتي، وفترة من الاستقرار السياسي النادر، وازدهارًا ثقافيًا لا مثيل له بما في ذلك رعاية الأدب والشعراء، وهو ما يجد صدى له في روايات المؤرخين العرب في العصور الوسطى، بحسب الأكاديمي الأميركي نيكولا كاربنتيري في دراسته "الأدب كعملةٍ اجتماعية في صقلية". كاربنتيري يذهب في دراسته إلى أن الأمراء الكلبيين والنورمان، على حد سواء، استفادوا من القصيدة العربية لتعزيز طموحاتهم الملكية، إذ "دفعهم المشهد الاجتماعي المتنوّع وغير المتجانس في الجزيرة، ووقوعها في منطقة تنازعٍ متواصل، على توظيف الثقافة العربية، والقصيدة الشعرية، في بلاطهم، لتعزيز التماسك الاجتماعي وقيم التعايش في أرضٍ قسمتها الخلافات الطائفية والعرقية والسياسية العميقة". الباحث الأميركيّ يؤكد، إلى ذلك، أن الكلبيين جذبوا إلى بلاطهم في باليرمو أروع العقول من مختلف أنحاء صقلية وشمال أفريقيا، ويبدو من بقايا الشعر العربي، الذي يعود لهذه الحقبة، أن بلاطهم جمع مزيجًا من لهجات القيروان، وبغداد. كاربنتيري يستشهد في سياق تأكيده نظريته حول مكانة القصيدة في حقبة تاريخية فاصلة من تاريخ جزيرة صقلية، بكتاب ابن القطاع الصقلي، الذي جمع فيه مجموعة من القصائد وسمّاه "الدرّة الخطيرة في شعراء أهل الجزيرة". ورغم أن الحديث حول الأدب العربي الصقلي يقود مباشرة لأدب الرحلات عند الرحالة ابن جبير، وخرائط الجغرافي الإدريسي، اللذين عاشا في صقلية إبان الحكم النورماني لها بعد سقوط الإمارة العربية، فإن تاريخ الشعراء والأدباء العرب في البلاط النورماني لا يحظى، بحسب كاربنتيري، بذلك القدر من الاهتمام، بسبب ما يصفه الباحث بـ"تقليدية شعر بلاط الأمراء الكلبيين وتأثره الشديد بالقصيدة الجاهلية وسِماتها الأدبية".




بقي أن نشير، في سياق هذه التفصيلة من قصة صقلية، إلى أن الشاعر ابن حمديس الصقلي (447 ــ 527 للهجرة/ 1055 ــ 1133 للميلاد) هو من أشهر الشعراء العرب والمسلمين ممن ينسبون أنفسهم إلى الجزيرة، ويرتبطون وجدانيًا بها، كيف لا وهو الذي كتب قصيدة مشهورة في الحنين للجزيرة التي ولد فيها:
"ولله أرضٌ إن عَدِمتم هواءها... فأهواؤكم في الأرض منثورةُ النظمِ
وعزّكم يفضي إلى الذل والنوى... من البَيْن ترمي الشمل منكم بما ترمي
فإنَّ بلاد الناس ليست بلادكم... ولا جارها والخِلْم كالجار والخِلمِ".
وفي قصيدة أخرى من حنينه للجزيرة يقول:
"ذكرتُ صقلية والهـوى... يهيَّج للنفس تذكارها
فإن كنت أخرجت من جنة... فإني أحدّث أخبارها".

إضافة إلى ابن حمديس، اشتهر من شعراء صقلية محمد بن قاسم التميمي، ومحمد بن الخطيب، وابن الطوبي، ونبغ كذلك في الشعر بعض أمراء الكلبيين، ومنهم الأمير جعفر ابن تأييد الدولة الكلبي، والأمير جعفر بن الطيب الكلبي، الذي استقر في المغرب، ونقل عنه ابن القطاع الصقلي أشعارًا في الحنين والمديح والغزل والحكمة، ومنها قوله:
"أراها للرَّحيلِ مُثوَّراتِ... جِمالًا بالجَمالِ مُحَمَّلاتِ
تَتِيهُ على الرَّكائبِ في سُراها... بأقمارٍ عليها طالعاتِ
ولو نَظَرَتْ لِمَنْ تَسْـري إليهِ... لَصَدَّتْ عَنْ وُجوهِ الغانياتِ".
ونقل ابن القطاع كذلك شعرًا لابن عبد الجبار المعروف بابن الكموني في رثاء صقلية بعد خروجه منها، وقال:
"قد كانت الدار وكنّا بها... في ظل عيشٍ ناعمٍ رطبِ
مدَ عليه الأمن أستاره... فسار ذكراها مع الركبِ
لم يشكروا نعمة ما خوِّلوا... فبُدلوا الملح من العذبِ".

أنطونيو والبحر...

سمكة السيف 


في مدينة بالمي الصقلية لمحته يجلس أمام بيته المفتوح بابه على درجٍ من أدراج المدينة الساحلية العابقة بحرارة الناس وجلبة المراكب؛ عجوز يقطر شبابًا، وتلمع في عينيه قصص البحر ودررهِ وكائناته. هذا ما التقطته، فطلبت من مرافقتنا أن تجلسنا معه، ونسمع منه ونطالع حكايته، فما كان من إليزيبيتا إلا أن عادت أدراجها واستأذنته ومن معه من الأولاد والأحفاد وأحفاد الأحفاد بتلك الجلسة التي رحب أنطونيو وأهل بيته بها من دون تردد، كعادة الصقليين المضيافة الحارة الصادقة. تبيّن أن عُمر العجوز (واسمه أنطونيو كما أسلفت) 84 عامًا، قضى منها 75 عامًا في البحر، إما يتعلم الصيد، أو صيادًا كامل الأوصاف. أي بمعنى أنه ركب قوارب الصيد وهو في عمر تسعة أعوام. بحرارةٍ، كان أنطونيو يتكلم الإيطالية الصقلية، وبحرارة كانت إليزا (كما بتنا ندللها) تترجم لزيد رفيقي بالرحلة كلامه إلى اللغة الإنكليزية، وبدهشة من الموقف كله، كان زيد، بدوره، يترجم لي جوابه كما وصله من الرفيقة إلى اللغة العربية. على هذا المنوال سار حواري مع أنطونيو؛ حدثني عن مغامراته في البحر الذي يجمعنا، أسهب في وصف سمكة السيف swordfish (بعضهم يسمونها السياف، وبعضهم أبو سيف)، فهي السمكة الأكثر إثارة وتشكيل تحدٍّ لصيادي الجزيرة، وأكد أن علاقةً تنشأ مع الأيام والأعوام بين الصياد المسكون بالشغف وبين تلك السمكة المتباهية بجمالها، الواثقة بمهاراتها بالإفلات من شباك الصيادين ومختلف أساليب صيدهم. أنطونيو جعلني أتخيّل نفسي تسللت من دون قصد داخل صفحات رواية "الشيخ والبحر". قال لي إن السمكة (سمكة السيف طبعًا، ولكنه كان يتحدث عنها كما لو أنها السمك جميعه) تنصاد طوعًا حين تشعر أن الصياد الذي يلاحقها (غلبان)، وأطفاله في البيت جوعى (آ والله أنه، بحسب إليزا وزيد، قال هذا الكلام حرفيًا)، فثمّة كيمياء تتكوّن بينها وبين صيادي صقلية، خصوصًا صيادي مدينة بالمي. قال إنها تصبح عنيفة مع الصيادين الذين يرون في الصيد وسيلة تسلية وتزجية وقت؛ قد تقلب قواربهم، أو تثقب بسيفها الحاد مراكبهم، وحتى أنها قد تطعنهم طعنتها السامة الفتّاكة القاتلة.




أنطونيو لم يكن مجرد صياد عجوز، لم يشأ أن يجعل لقائي به عابرًا، فقرر أن يبهرني، ويجعلني مفتونًا بروحه وشخصيته وبفلسفته الصيديّة (وليس الصيّادية فتلك طبخة بحرية شهيرة في بلادنا وبلادهم). لم يتوقّف أمر انبهاري به عند رائعة أرنست همنغواي "الشيخ والبحر" (بعضهم يترجمها "العجوز والبحر")، بل تعداه نحو رواية الليبي إبراهيم الكوني "نزيف الحجر"، وحكاية الودّان مع بطل الرواية أسوف (أو عسّاف في مقاربة أكثر اقترابًا من العربية وأسمائها). والودّان لمن لا يعرفه تيسٌ برّيٌّ يشبه الماعز الجبليّ في بلاد الشام، مع جرعة جمال أعلى، بحسب توصيف الكوني، وقرون أكثر جاذبية وخيلاء واعتداد بالنفس. وكما هي الحال مع سمكة السيف، فإن الودّان، بحسب الرواية، لا ينصاد للسياح الغريبين عن ديار إقامته وجبال شموخه، ولكنه قد ينصاد لعاشق صوفيٍّ يفهم الحجر والشجر والكائنات فوق أرضه كما هو أمر أسوف (أو عسّاف)، ابن الطوارق والصحراء الكبرى والفلاة التي لا تنتهي. إنه التناغم الأخّاذ، والدينونة الكبرى، واللغة التي لا تحتاج إلى كلام، والكلام الذي لا يحتاج إلى حروف. رشيق أنطونيو كان ببنطاله القصير وفانيلته التي لا تخفي قوّة ساعديه، وعليه أن يكون الآن في عمر 104 أعوام إن كان ما يزال حيًا يُرزق ويقيم حواريّته الكبرى مع السيف والبحر ومتواليات المعنى، وهو ما لا أراه احتمالًا مستحيلًا.

مسينا...
في مسينا الصقليّة، عاصمة المهرجان السينمائي، كاتدرائية تجمع الناس ظهيرة كل يوم بصياح ديكها، وميكانيكا إعلانها عن انتصاف النهار، وعمارتها الجامعة قيم الشرق المعمارية مع قيم الغرب بروحٍ باروكيةٍ لافتة. وفيها تذوقتُ الـ(غرانيتا) Granita، وهي خلطة ساحرة من البوظة (الآيس كريم) والقهوة والفواكه (وأحيانًا يمكن تقديمها مترافقة مع خبز البريوش الصقليّ).

تاور مينا...
مدينة ساحرة فوق أعالي جبال الجزيرة القريبة من البركان الرابض بتحفّز عاصف (بركان إتْنا). تحمل بآثارها ووداعتها وحجارة شوارعها وعبق مقاهِيها بعدًا سياحيًا جاذبًا. في الطريق إليها ما إن كنا نخرج من نفق يخترق جبلًا كبيرًا حتى ندخل في آخر. طويلًا كان الطريق إليها وخصبًا ومزنرًا بالدهشة والقصائد.
ليس في واردي الحديث عن علاقة المافيا بالجزيرة، فتلك قضية شائكة، ولعل تركه أولى والمضيّ نحو تأمّل كروم عنبها التي جلبها لهم الكنعانيون بثوبهم الفينيقيّ، ليكون لنبيذهم طعم التاريخ المنساب من نخبٍ صاخبٍ بالتدافع والحداقة.
في فيلا مورغانا سجّادة قرب أرجوحة الحديقة، أوراقها أكبر من سجّادة الصلاة، لمعانها يروي قصة موت الغبار في جزر المحار، لهجة صباحاتها موسيقى، يشرب الفتى تحت ظلها أول قطرات الإسبرسو الطالعة من حقول التمازج بين القهوة العربية (أرابيكا)، وقهوة روبوستا التي تنتشر شجرتها في الأجزاء الغربية والوسطى من جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى. بهذه الطريقة السعيدة يبدأ النهار، فيصلّي الفتى كي تكون نهارات الناس في بلادنا بكل هذه المحبة والألفة والسكينة والدفء والسلام.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.