}

كيف نتذكر كل شيء؟

محمود عبد الغني محمود عبد الغني 6 أغسطس 2025
اجتماع كيف نتذكر كل شيء؟
(Getty)

 

كم نتمنى أن نغمض عيوننا ونتذكر كل ما حدث في الماضي، بل كل ما حدث قبل لحظات من الآن. كما فعل بالضبط الشاعر الإغريقي سيمونيدس (556-468 ق.م). سوف نروي هنا الحادثة التي وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد. وسنرى كم هي شبيهة بما يقع اليوم من خراب ناتج عن الحروب، في غزة أو بيروت أو السودان، أو في أي مكان جريح آخر. يكون المرء داخل بيته، أو خارجه، وفجأة ينهار البيت بفعل قنبلة أو قصف جوي أو مدفعي أو زلزال. ويبدأ في تذكر تفاصيل المكان الذي كان موجودًا فيه قبل قليل. لا بدّ من وجود شخص ينجو من الحادث ليتذكّر ويروي للناس ما حدث.

في يونان القرن الخامس قبل الميلاد، حدثت كارثة نجا منها شخص واحدٌ. ركضت عوائل وأقارب الضحايا للبحث في أنقاض القاعة التي كان فيها الحفل، بحثًا عن آثار باقية لأقاربهم: خاتم، صندل أو حذاء، أو أي شيء آخر يساعدهم في التعرف على الجثث من أجل دفنها.

دقائق قليلة قبل الكارثة، كان الشاعر الإغريقي سيمونيديس دي سيوس قد نهض لإلقاء قصيدة على شرف النحات والمهندس سكوباس (420-330 ق.م)، وهو من نبلاء منطقة "ثيساليا" العريقة. وهو يستعد لإلقاء قصيدته، اقترب منه أحد الخدم وحدّثه في أذنه: سيد سيمونيديس، هناك فارسان ينتظرانك في الخارج يحملان لك رسالة مهمة. نهض سيمونيديس من مقعده وتوجّه نحو الباب. في اللحظة التي اجتاز فيها عتبة باب قاعة المأدبة، انهار سقف البناية فجأة، وسط صوت يشبه الرّعد، فارتفعت غيمة من غبار الرخام والأتربة. في تلك اللحظة كان سيمونيديس يقف أمام مشهد من الحُطام والجثث المدفونة تحته. استُبدلت المحادثات النشطة، والضحك، والمرح الذي كان يسمعه ويعيش في حضنه قبل لحظات قليلة، بصمت حزين. بدأت مجموعات من الناس تبحث بين الأنقاض. كانت البقايا المهشّمة التي بدأوا في استخراجها مطموسة المعالم وغير قابلة للتعرف عليها؛ ولم يتمكن أحد من إحصاء المشاركين في المأدبة بشكل دقيق، لذا بدا أن المأساة اتخذت حجمًا.

فجأة حدث شيء ملحوظ غيّر إلى الأبد فكرة الذاكرة، وأكّد أن الناس يمكن أن يستعملوا ذاكراتهم إن أرادوا أو اضطروا إلى ذلك. قام سيمونيديس بتعطيل حواسه الخمس أمام المشهد المخيف الذي كان يجري من حوله، أغمض عينيه وعكس مجرى الزمن في ذهنه. عادت أعمدة الرخام المكسّرة إلى وضعها الأول؛ ارتفعت القطع المتناثرة من الأفاريز في الهواء لتكوين لوحات جديدة، وأعادت الفخاريات المكسورة المنتشرة في الأنقاض تشكيل الأطباق، وتجمعت شرائح الخشب الممزقة لتكوين مائدة المأدبة. وبذلك وجد سيمونيديس أمامه كل المدعوين وهم جالسون في أماكنهم من دون أن يكونوا على وعي بالكارثة التي تهدّدهم. رأى النحات النبيل سكوباس، ضيف الشرف، وهو يقهقه؛ كما رأى شاعرًا صديقًا وهو منهمك في مسح طبقه بقطعة خبز؛ وسمع الضحك العالي لأحد نبلاء ثيسانيا. التفت نحو النافذة ورأى الفارسين وهما يقتربان على صهوتي جواديهما الراكضين وبحوزتهما الرسالة المهمّة.

فتح سيمونيديس عينيه واحدة بعد الأخرى، ورافق الأسر الحزينة، وتقدّمهم بحذر وسط الحطام، ليدلّهم بدقّة على الأمكنة التي كان يجلس فيها كل واحدٍ من أقربائهم.

في هذه اللحظة، وُلد فنّ التذكّر، بحسب هذه الأسطورة.

***

هو كتابٌ حقّق مبيعات ضخمة في أميركا وتُرجم إلى العديد من اللغات، وذلك له دلالة، أن الناس يحتاجون إلى التذكر، لكن لا يعرفون كيف يقومون بذلك


عاد بنا الصحافي الأميركي جوشوا فاور في كتابه "المشي على سطح القمر مع أينشتاين: فن وعلم تذكر كل شيء"، إلى هذه الحادثة التي شكلت منطلقًا لفكرته عن الذاكرة وتقنيات وفنون استعادة كل شيء مضى، من خلال تجربة الشاعر سيمونيدس كما جاء في الأسطورة الإغريقية عن التذكّر. وهو كتابٌ حقّق مبيعات ضخمة في أميركا وتُرجم إلى العديد من اللغات، وذلك له دلالة، أن الناس يحتاجون إلى التذكر، لكن لا يعرفون كيف يقومون بذلك. فهناك من يريد استعادة ما حدث في الماضي. ومن يريد تذكر طفولته. ومن يريد تذكر نصّ أو قصيدة أو أغنية. مع التأكيد على أن قوة التذكر لا يتوفّر عليها كل الناس. بل هي متاحة فقط للمثقفين والأدباء والفنانين، ورمزهم هو الشاعر سيمونيديس في الأسطورة السالفة الذكر. لكن الأسطورة أيضًا تتضمن فكرة الحافز، أو الدافع، على التذكر. إن حدوث الكوارث، والمجازر، والحروب يدعو الشعوب إلى الاحتفاظ بكل شيء في الذاكرة الجمعية التي تستمرّ عبر التاريخ، وتنطلق كسيل جارف لا شيء يمكن أن يوقفه.

يعطي جوشوا فاور بعض التمارين من أجل التذكر. يبدأ كل شيء بالتفقّد. مثلًا القيام بجولة في أماكن الطفولة، والبحث عن بيوت الجيران، والملاعب، والحدائق، والمدارس. هنا علينا الاقتداء بسلوك سيمونيديس، تعطيل الحواس الخمس، ثم القيام بعكس مجرى الزمن في الذهن. بعد ذلك العودة إلى استعمال الحواس، لاستعادة روائح المكان والأحداث التي جرت فيه في الماضي.

نلاحظ أن الناس، حين تنقل الكاميرات إحساسهم وهم يقفون أمام بيوتهم القديمة، يبدون وكأن الزمن توقّف، ثم تنطلق على ألسنتهم حكايات الماضي ومروياته التي تركز على بعض الأحداث، التي غالبًا ما تبدو بسيطة أو تافهة. لكن الذاكرة لا ترتّبها كما يرتّبها العقل. كل شيء مفيد، كل تفصيل، كل رائحة. وهذا يقع على الخصوص مع الشعوب التي عاشت الحروب التي اضطرتهم إلى الهجرة. في فلسطين مثلًا، أو في فرنسا، أو في رواندا، أو في السودان، أو سورية. الناس يعودون إلى أمكنتهم الأولى ليستنشقوا رائحتها، وليغمضوا كل حواسهم من أجل إعادة الزمن إلى الوراء، وهذا ما يقوم به كُتّاب السير الذاتية على وجه أعمّ. تحضر الصور بقوة وخفّة، يخلقها الخيال وترتّبها الذاكرة. يعود كل شيء طازجًا كأنه كان في مبرّد. هذا ما يسميه جوشوا فاور "قصر الذاكرة". تعود الانطباعات القديمة وتعوّض الانطباعات الجديدة.

استفاد جوشوا من صديق له يُدعى إيد. وبفضله عرف أن الذاكرة تحتوي على "قصور"، يمكن التجول فيها. وهي بالمئات حسب إيد، الذي نصحه بالقيام، بداية، بجولات في عشرة قصور فقط لبدء تمرين التذكّر. وقد وقف عند التمييز بين الذاكرة عند الإنسان القديم والإنسان اليوم. فقديمًا لم يكن الناس يقرؤون كما نقرأ نحن اليوم. لقد كانوا قديمًا يحفظون النصوص في ذاكراتهم: كانوا يجترّونها (يتذكرونها عدة مرات بدون توقّف)، يمضغونها، يبتلعونها ثم يتقيؤونها (ارتجاع). وبهذا المسار من "التغذية" يمتلكون كل النصوص بطريقة حميمية. وقد أكد ذلك الشاعر الإيطالي بيترارك (1304-1374) في رسالة وجّهها إلى أحد أصدقائه: "لقد أكلت في الصباح ما يمكنني هضمه في المساء، لقد ابتلعت وأنا طفل ما يمكنني اجتراره وأنا شيخ. لقد تشرّبت كليًا تلك الكتابات، ليس فقط لتثبيتها في ذاكرتي بل في نخاع عظامي".

يتضح من كل ذلك، أن الذاكرة عضلة تنمو وتتطوّر وتتقوّى بالتمارين. وتتقوّى أيضًا بالتاريخ بحيث تصبح ضرورة الضرورات. اسألوا الشعوب التي تتذكر عبر ذاكرتها الجمعية.

   

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.