قبل أن نغوص أكثر في مفهوم التضامن/ SOLIDARITY علينا تمييزه عن مجموعة من المصطلحات الأخرى التي تتقاطع معه وتتوازى وتتعارض من مثل: التكافل، والتماسك، والتعاطف، والتعاضد، والتراحم. يعود مفهوم التكافل إلى علم البيولوجيا، حيث يقوم كائنان بالاعتماد على بعضهما في تأمين مصادر حياتهما.
أمّا التماسك فيتعلّق أحيانًا بالصمود الفردي أو الجماعي في مواجهة المصاعب وعادة ما يكون مؤقّتًا. بينما التعاطف موجّه نحو شخص أو مجموعة محدّدة. فيما التعاضد يقوم على تكاتف جهات معينة لأجل القيام بعمل ما. ولا يبتعد التراحم عن المعاني السابقة بسبب أصله الأسروي أو القبائلي أو الديني، إلّا أنّه عادة ما يكون منصبًّا نحو الفئات التي تشترك في قرابات عصبية أو رحمية أو عقيدة دينية معينة.
إذًا ما هو التضامن؟ أضافت شركة فيسبوك إبّان وباء كوفيد رمزًا تعبيريًا عن شخصٍ يحتضن قلبًا إلى جانب الرموز الأخرى التي اعتمدتها وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن التفاعل مع المنشورات التي يبثّها المشتركون فيها. وقد قالت الشركة عنه بأنّه من أجل إظهار التضامن والتعاطف غير المشروط - بعد الإغلاق الذي شمل معظم كوكب الأرض إثر انتشار الوباء- مع الآخرين بالمطلق!
يعدّ التضامن نشاطًا عاطفيًا وفكريًا وعمليًا يتجاوز آليات المشاعر الكلاسيكية المعروفة من حبّ وغضب وحزن ودهشة وإعجاب وضحك التي لها طبيعة نسبية، فالإنسان لا يحبّ كلّ شيء، ولا يغضب من كلّ شيء، ولا يحزن من كلّ شيء، ولا يدهشه كلّ شيء، ولا يضحك من كلّ شيء، لذلك كان رمز التضامن المعتمد من شركات السوشيال ميديا، فهو وإنْ كان يجمع ما سبق من مشاعر إنسانية، إلّا أنّه يتجاوزها، فهو لا يقف عند فرد أو دين أو إثنية أو عرق أو قومية، فهو افتراض متأصّل في الطبيعة البشرية المشتركة للإنسانية جمعاء، كما تكلّم عنها أرسطو وسبينوزا؛ وكما قال عنه عالم النفس والفيلسوف الألماني إريش فروم، بأنّ التضامن يتّجه نحو الإنسان بالمطلق. هذه النظرة المطلقة عن مفهوم التضامن، لم تتأسّس كليًّا بل تطوّرت، فكانت لها مسيرة تاريخية منذ أنْ أُكّدت في القانون المدني الذي أصدره نابليون بونابرت، فلقد كانت لها إرهاصات سابقة، فهي بداية لم تكن تتعلّق مباشرة بالتضامن الإنساني كما نعرفه الآن، وإنّما كانت له طبيعة حقوقية مالية تتعلّق بتكافل المدينين نحو الدائن في سداد الدين، لكن مفهوم التضامن ينطلق من هذه النقطة، فكل إنسان مدين للطبيعة الإنسانية التي تحدّد هويته ككائن عاقل وأخلاقي، ولكي تكون إنسانًا عليك أن تسدّد دينك نحو الإنسانية.
هذه المصطلحات التي ذكرناها آنفًا والتي تتقاطع مع مفهوم التضامن لا تغطي كلّ العلاقات الإنسانية التي نشأت مع ظهور الدول القومية والثورة الصناعية وتقسيم العمل، فعالم الاجتماع إميل دوركهايم رأى بأنّ المصانع والرأسمالية وظهور الدولة القومية وتوسّع المدن والصراع الطبقي وما نتج عن ذلك من تقسيم للعمل يتجاوز العلاقات التي كانت تستند إليها الجماعات البشرية ومنها الحرفية في شدّ أواصرها، سواء أكانت أسروية أو حتى ضمن مهنة معينة، ممّا مهّد لظهور التضامن مستعارًا من المجال القانوني. لكن على الرغم من ذلك فقد أهمل المصطلح من قبل العلوم الاجتماعية والفلسفية والسياسية التي انصبت دراساتها نحو مواضيع أخرى من مثل: الديمقراطية، والقومية، والمجتمع، والتعددية الثقافية، وحقوق الإنسان. ونحن الآن نغذّ السير في الألفية الثالثة ومع اكتساح آليات السوق التي تهدّد دولة الرفاه الممثّل لها بالدول الأوروبية، وتجذّر الفردية كأسلوب حياة يقوّض العلاقات الأسروية، عاد النظر إلى مفهوم التضامن كحلًّ لمشاكل المجتمع الإنساني المتواترة بشدّة.
الإنسان المتضامِن
حلّل عالم النفس إريش فروم ضرورة التضامن الإنساني من خلال العديد من كتبه، حيث عرض فيها تصوّره للأخلاقيات التضامنية. يربط فروم بين نهجه في الدراسة والتحليل وبين تقاليد أرسطو وسبينوزا الأخلاقية، فيتساءل عمّا يجعلنا بشرًا؟ ويخلص إلى أنّ الوعي الذاتي، والعقل، والخيال هو ما يجعل الكائن البشري إنسانًا، لكن هذه القوى الإنسانية أفسدت الانسجام الذي كان يعيشه الإنسان عندما كان كالحيوانات الأخرى، فهو كائن مفارق للطبيعة. ويجادل بأنّ ظهور العقل قد خلق انقسامًا داخل الإنسان أجبره على السعي الدائم لإيجاد حلول جديدة لوجوده. الإنسان جزء من الطبيعة، ومع ذلك فهو ملزم دائمًا بتجاوزها، وهذه المفارقة أسماها فروم بــ "الثنائيات الوجودية": (معرفة موتنا المحقّق مقابل غنى الحياة، وإدراك الإمكانات الهائلة للبشرية مقابل قدراتنا الفردية المحدودة، وبأنّنا لا نطيق الوحدة). في ضوء هذه الثنائيات الضدية، بحث الإنسان عن تناغم جديد لوجوده، ورأى بأنّ الأخلاق والتضامن يمكّنانه من اختيار مسارات إنسانية من أجل تنمية إمكانياته الظاهرة والكامنة فيه.
وعندما نختار كبشر المسار التضامني، فمن الممكن ساعتها لأفراد المجتمع البشري تحقيق الرضى في حالة من الارتباط والتضامن مع إخوانهم البشر، وأن يكونوا جزءًا من المجتمع والطبيعة. وهنا يجب على المجتمع الذي يرغب في تعزيز هذا النهج أن يدعم مفهوم التضامن ليس بين أفراده فقط، وإنّما أيضًا على مستوى العالم، ويجب أن يكون هدف جميع الأنشطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمعات البشرية هو تطوّر كل شخص ونموه.
يقدّم منظور الطبيعة البشرية المشتركة الذي نظّر له أرسطو وسبينوزا وفروم أساسًا فلسفيًا للدعوة إلى التضامن الإنساني على مستوى العالم، فالطبيعة المشتركة لأفراد البشرية تثبت كم نحن متشابهون على الرغم من كل ما نراه يفرّقنا. إذ أنّ هذا المنظور للإنسان يشكل أساسًا للتعاطف والرحمة مع ضحايا القمع والاستغلال والكوارث، وتحذيرًا من عدم استدامة استمرار الليبرالية الجديدة العالمية التي تتجاهل عواقبها الاجتماعية والفردية والبيئية. تطرح الأهداف المعيارية للتضامن التي تتجلّى بالإنتاجية، والعقلانية، والمحبّة، كما استخلصت من آراء فروم معايير تقييمية واسعة النطاق يمكن استخدامها لتحديد السياسات والممارسات والحركات التي تواصل الكفاح من أجل التضامن الإنساني على مستويات الحياة اليومية، والسياسات المتمركزة حول الدول، والسياسات العالمية؛ بحيث لا تقع في المطبات التي ذكرنا أمثلة عنها أعلاه. هذه الرؤى التي قدمها فروم لمفهوم التضامن ما زالت تناضل لتجد لها مكان قدم في عالمنا الحالي، لكن هل نفقد الأمل وواقع الإنسانية يزداد صلافة وشرًّا؟ يعمل النهج الإنساني للطبيعة المشتركة للإنسان على التضامن كطريق لا حياد عنه من أجل إخضاع القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية للاحتياجات الإنسانية الأساسية للناس في كل مكان؛ وذلك عن طريق قوة التضامن الأصيلة في كل إنسان، بغية إنتاج سياسة إنسانية تسدّ العجز الأخلاقي الناتج عن قوى السوق النيوليبرالية والقوى السياسية المتصارعة حول العالم.
هناك قصة تراثية تكاد تكون مشتركة في الثقافة البشرية تتكلّم عن أبٍ جمع أولاده ليقدِّم لهم نصيحة قبل أن يموت، فطلب منهم إحضار حزمة من العيدان ومن ثم محاولة كسرها، ففشلوا واحدًا تلو الآخر. وعندها قام بتوزيع عود واحد من عيدان المجموعة لكلّ واحد منهم مكرّرًا طلبه بأن يقوم كلّ واحد منهم بكسر عوده، فكسروه! وهنا قال لهم، بأنّ تضامنهم يُفشل من يحاول كسرهم، وتفرقهم يسهل لمن يريد كسرهم أن ينجز مبتغاه.
ليس التضامن مفهومًا فلسفيًا كالحقّ والعدالة، وليس اجتماعيًا كالقبيلة أو الحسّ القومي، وليس اقتصاديًا كخطّ التجميع المتحرّك الذي ابتدعه هنري فورد من أجل تسريع وتيرة الإنتاج الصناعية، وليس سياسيًا كالأحزاب المتنافرة التي تقود دول العالم، وليس أسرويًا كعلاقة العائلة بأفرادها؛ بل هو تكافل، وتماسك، وتعاطف، وتعاضد، وتراحم بعيدًا عن الانتماءات الدينية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية. وإذا استعرنا عنوان كتاب فروم "الإنسان من أجل ذاته" سيكون التضامن هو: الإنسان من أجل ذاته وغيره، فهو الحل الأخير قبل أن ندخل عصرًا ديستوبيًا يغترب الإنسان فيه نهائيًا عن ذاته ومعناه.
*كاتب من سورية.


تحميل المقال التالي...