لم تكُن تلك الطفلة التي تُدعى لينا غطمة (1980) المولودة في زمن أشباح الحرب الأهلية اللبنانية تدرك أنها ستُصبح يومًا واحدة من أبرز العلامات المُضيئة في مجال التصميم المعماري العربيّ المعاصر. ذلك أنّ اشتغالها في عدد من المواقع الأثرية، والفضاءات الفنية، جعلها تكتسب خبرة ميدانية تُكوّن من خلالها رؤية بصريّة خاصّة بها، لا تُريد أنّ تُقلّد فيها أيّ طراز معماري غربي، بقدر ما تضع أناملها على صرح فنّي فتُحوّل تصاميمه وتيجانه وأعمدته إلى فضاء يتنفّس التاريخ من حيث المواد وخاماته، ومعاصر في الوقت نفسه، من ناحية الأسلوب وجمالياته البصريّة. فمُنذ حصولها عام 2003 على ماجستير في الهندسة المعمارية من بيروت، ثم لاحقًا على ماجستير من باريس، شقّت غطمة مسارها الفني كواحدة من الوجوه اللبنانيّة البارزة في المشهد الفني العالمي. فقد قادها ذكاؤها البصريّ إلى الإشراف على أكثر من 50 مشروعًا فنيًا موزّعًا بين المواقع الأثرية والفضاءات الثقافية والمتاحف والمعارض الفنية الخاصّة بالتصميم، وعيًا من إدارة هذه المؤسسات بقيمتها الفنية البارزة على سطح تصاميمها المعمارية داخل جملة من الفضاءات العالمية التي أضفت لمستها الخاصّة على تضاريس معمارها. هذا الأمر قادها عام 2023 إلى الفوز بجائزة "نوابغ العرب" في مجال التصميم والعمارة، لترقص لينا غطمة على إيقاع شهرة عالمية، جعلتها دائمًا مثار جدل وإعجاب، جرّاء ما تُقبل عليه من تصاميم معاصرة وفق آلية بصرية تراثية تستند إلى التاريخ العربي، لكنّها تظلّ في الآن نفسه تتطلّع بعنفوان صوب المستقبل. بيد أنّ هذا الافتتان بالمستقبل/ الحداثة لم يجعل مؤسسة "لينا الغطمة أركيتكتشر" تتنصّل من تاريخها المعماري، بل جعلت منه مدماكًا حقيقيًا منه تتبلور الرؤى والأحلام. فلا غرابة أنْ تُطالعنا تصاميمها المعمارية ابتداءً من برج ستون غاردن ببيروت، باعتباره صرحًا معماريًا يكتسب قيمته الجماليّة، انطلاقًا مما يقدمه من نموذج معماري مختلف وأكثر تجذّرًا في العمارة المعاصرة.
لقد أصبحت غطمة في السنوات الأخيرة أحد أكثر الأسماء الفنية العربيّة المعروفة في فرنسا وأميركا وبريطانيا، وذلك بسبب ما تتمتّع به تصاميمها من قيمة جمالية وسط بيئة ذكورية قمعية تُقلّص من حرية المرأة، وتقف عائقًا أمام حريتها وإبداعها. ثمّة سحرٌ مُدهش في أعمال غطمة يجعل تصاميمها تنساب هادئة من الماضي، فتُحاول عبر هذا الماضي أنْ تبني حاضرًا فنيًا لا ينقضي. إنّ الافتتان بالماضي في أعمال غطمة نابعٌ من رغبة ملحّة في تملّك التاريخ، وعيًا منها بقيمته وجمالياته بالنسبة لمُصمّمة عاشت في بيروت، وتنفّست تاريخها وحضارتها. وعلى الرغم من إقامتها الطويلة في الغرب، ظلّت لينا مُلتحمة بتراثها العربي الذي تتعامل معه على أساس أنّه براديغم منه تنبثق التصوّرات والخطوط والتشكيلات والمواد، إنّها رؤية فلسفية تُظهر بعمق الطريقة التي بها نُفكّر في الماضي، لا من أجل تملّكه وإعادة نسخه ومحاكاته، وإنّما لجعله وسيلة للتعبير عن تحوّلات الفن المعاصر، من دون الوقوع في فخّ الاستلاب الغربي.
تتحاور تصاميم غطمة مع بيئتها وتراثها وذاكرتها، إنّها تنفر من أنْ تكون مستلبة من الغرب. ذلك أنّ المُتأمّل لعدد من أعمالها الفنية يجد نفسه أمام لغةٍ بصرية مختلفة تراعي التراث المحلي، وتدفعه إلى أنْ يغدو كونيًا. هذا "التحاور" الثقافي المبني على حساسية جمالية عالية تجاه التاريخ هو الذي قاد المتحف البريطاني في لندن إلى اختيار لينا غطمة من أجل وضع تصاميم تليق ببعض من صالاته المنتمية لما يسمى بـ"العمارة الكلاسيكية".
تتسم تصاميم لينا بالانسجام مع محيطها الثقافي وبيئتها التاريخية، إذْ أنّها تضع التصميم في سياقه من ناحية التشكيلات الخطية والمواد والألوان، مع الحفاظ على النسق البصري نفسه، أو الطراز المعماري الذي ينتمي إليه المعلم الأثري. هذا النزوع الجمالي المختلف تُطلق عليه لينا اسم "الآثار المستقبلي". وهي خطة بصرية تروم من خلالها غطمة إلى الحفر عميقًا في المواقع الأثرية والتحف الفنية، ومحاولة استشكال هسيسها ومعانيها، واستعادة روحها وفق لمسة سحرية تمزج القديم المعتّق في جرار الزمن، والحديث المُستحدث المبني والمؤسس على فيزيونومية الفنّ المعاصر وتحوّلاته الجمالية.
إنّ الافتتان بالبُعد المعرفي يعطي لتصاميم غطمة عمقًا سحريًا، حيث تصبح أعمالها ذات قوة جمالية تنبني على معرفة حقيقية، وليس فقط على تصاميم متخيّلة فارغة من أيّ معنى. وفق هذا المعطى الجمالي المُختلف تأتي الذاكرة في تصاميم لينا، باعتبارها مفهومًا مركزيًا يُلملم أجزاء الحاضر داخل حلقة بصرية مركّبة تُعيد مع كل تصميم جديد إنتاج المعنى بفهم علمي مطابق بين التصميم والسياق الفيزيقي الذي ينتمي إليه. إنّ التصميم ابن بيئته ومكانه وجسده، فهي لا تُهرّب الأفكار الفنية والمفاهيم الجماليّة إلى بيئات أخرى، حتّى تصبح تصاميمها عبارة عن إسقاطات فنية على أجساد لا تنتمي حقًا إلى روحها. لذلك تعتمد المصممة البالغة من العمر 45 سنة على منهج أركيولوجي دقيق، يبدأ بعملية حفر معرفي في تضاريس المعالم الأثرية واستعادة أنفاسها، بغية الشروع في عملية التخطيط والتشكيل والرسم التي يصبح معها التصميم عملًا فنيًا إبداعيًا مؤسسًا على نمطٍ من المعرفة البصرية الخلاّقة المُولّدة للأفكار، والمُنتجة للمفاهيم، والتي تسعى في عمومها إلى استعادة التاريخ المحلي، وتأجيج الذاكرة وفوانيسها. غير أنّ استعادة التاريخ هنا لا تكون بمثابة بذخ فنّي، وإنّما رغبة دفينة ومُلحّة وتصورًا أنطولوجيًا يجعل لمستها الفنية بارزة في المشهد العالمي المعاصر. إنّ غطمة، وباعتمادها على نوعٍ من التنقيب الأثري، من أجل استعادة نفس المكان الأوّل وذاكرته السرمدية، تعطي للفضاءات المعمارية قوّة وجودية تجعل عددًا من الأنساق الفنية البصرية تستمرّ في الزمن، خاصّة وأنّ مجمل هذه التصاميم تمتح معالمها من بيئةٍ فنية عربيّة مُختلفة يكاد يختفي وهجها، بحكم أنّ بعض الفنانين العرب يتعاملون معها على أساس أنّها تصاميم كلاسيكية ذات حمولة دينية مرتبط بوحدة الفنّ الإسلامي، لكنّها هنا مع لينا غطمة تغدو أكثر إشراقًا وهي تُعانق أرقى الفضاءات المعمارية في فرنسا، وقطر، وبريطانيا، وذلك لأنّ استحضارها مبنيّ في أساسه على فلسفة بصرية، تجعل تصاميمها لا تُحاكي الحضارة العربية بقدر ما تبحث في هذه الحفر عن اللامرئي، فتُحوّله إلى تصميم معماري يهجس بالحداثة والتجريب.


تحميل المقال التالي...