بكثيرٍ من العطْر والحبْر والأشواق والسلامات والتحيات والطوابع والأختام والمغلّفات والرسومات التعبيرية والديباجات التي لا بد منها، شكّلت الرسائل الورقية الوسيلة الأهم الرئيسية لتواصل الناس فيما بينهم في أزمنة ما قبل البريد الإلكتروني والواتساب والماسنجر ومختلف وسائل التواصل الاجتماعية وغير الاجتماعية الحديثة.
لم تكن الرسائل الورقية (أو الخطابات، أو الجوابات على رأي إخوتنا المصريين، أو المراسلات)، مجرّد كلمات، إنها، بالنسبة لمن يقرأ تلك الرسائل بعد عقود من كتابتها، أنفاسُ بشر، ومشاعرُ مسافرين في أصقاع الأرض، لحظاتُ بوحهم، وتعبيرهم عن أشواقهم وشعورهم بالغربة، وهي، كما يقول الكاتب والسيناريست المصري أحمد زين، "بني آدمين من لحم ودم، مليانة مشاعر، أفراح وأحزان". على أن الرسائل الورقية لم تكن تشترط وجود حدود ومسافات بين متبادليها، ففي مصر على سبيل المثال، كان المقيم في القاهرة (مصر) يرسل الرسائل الورقية إلى أسرته المقيمة في سوهاج، على سبيل المثال، أو الإسكندرية، وأيام حارتنا العمّانية، كنّا، في سبعينيات القرن الماضي، نرسل الرسائل الورقية لمحبوباتنا اللاتي كنَّ يسكنَّ في البيت المقابل لبيت مرسل الرسالة، على أنها رسائل لم تكن تشترط الطوابع والأختام وأحيانًا لم تكن تشترط، حتى، مغلفات الرسائل المعتادة، المحاطة معظمها بإطار من اللونين الأزرق والأحمر، وكانت تسند مهمة إيصال الرسالة لمتطوعةٍ تسعى في حالات بعينها، مقابل خدماتها الغرامية، لانتزاع حب شقيق مرسل الرسالة الأصغر منه. كل هذا معقول ومقبول، وأزعم أن كثيرًا من مجاييلي ممّن قد يقع المكتوب هنا بين أيديهم، قد مرّوا بشيء من هذا القبيل، أما الغريب والعجيب فهو ما أرسلته مرّة محبوبة كاتب هذه السطور له ولابن جيرانهما معين: "حبيباي معين ومحمد، يشهد الله أني أحبكما قد بعضكما البعض" إلى آخر الرسالة الحكاية. حدث ذلك في عام 1975، ربما في عام 1976، يعني عندما كان يتراوح عمري وعمرها وعمر معين ما بين 11 عامًا و12 عامًا! آ والله. الأطرف (وخدوا التئيلة) أنني، ومراعاة لِمشاعر صاحبة الرسالة عاشقة اثنين بخفقةٍ واحدة، كنت أتوجّه لبيت معين، وأدقّ بابه، وأطلب منه أن يشاركني قراءة الرسالة جلوسًا على عتبة روضة أطفال العودة... (يستدعي الأمر هنا وجهًا مبتسمًا، وآخر خجلانًا، لو تسنّى للصحف والمجلات أن تشرع باستخدام مترافقات (إيموجيات) وسائل التواصل الاجتماعي).
كانت تترافق رسائل الزمن القديم بطقوسٍ لا بد منها، وتحظى بمتابعة أفراد الأسرة جميعهم، وفي القرى النائية البعيدة التي كان يصلها ساعي البريد راكبًا فوق حماره، أو حنطوره، أو دراجته الهوائية، ثم لاحقًا دراجته النارية، وصولًا إلى إيصالها هذه الأيام بمركبات مكاتب البريد؛ تستقبل نساؤها ساعي البريد الذي قد يكون أبو العلا السيد بوسطجي عزبة كفر الشرفا التابعة لمركز السنبلاوين في محافظة الدقهلية المصرية، أو غيره، يستقبلنَه بالزغاريد والحبور وارتفاع آفاق التوقع وآمال المباهج المنتظرة داخل سطور الرسائل. بعضها كان يُبَث داخل سطورها قدْرٌ من العتب، وأحيانًا المكاشفات، وربما اقتراح حلول لبعض المشكلات. ولا بد من السؤال عن ضغط الأب، ودواء السكري الخاص بالأم، وسؤال عن أخبار دلوعته آخر العنقود، التي تظل متسمّرة مستمعة إلى أن يأتي (طاريها) في الرسالة التي كانت تحتاج، في أحسن الأحوال، إلى أسبوعين كي تصل إلى وجهتها، وتستغرق ساعات لكتابتها.
ساعي البريد كان يحظى بقيمة خاصة، ويخصّه المتراسلون، خصوصًا المصريون، بقدرٍ لائق من الامتنان لقيامه بإيصال رسائلهم إلى وجهاتها، ولهذا كان المصريون، وربما قلّدتهم شعوب عربية أخرى، يضعون على مغلف الرسائل عبارة "شكرًا لساعي البريد"، وبعضهم كان يبالغ في هذا الشكر الأنيق فيكتب: "شكرًا لساعي البريد هُنا وهُناك"، قاصدًا بِهنا ساعي بريد البلد، أو المحافظة، أو المكان الذي أرسل الرسالة منه/ها، وبِهناك ساعي البريد الذي سيحمل الرسالة عند وصولها إلى بلده، أو محافظته، أو بلدته، ويوصلها إلى الجهة التي يأمل المرسل أن تصل إليها.
وساعي البريد، أو (البوسطجي) المنغمس في مهنته بشغف أيام زمان، ورومانسية أيام زمان، كان يعرف منطقة توزيعه الرسائل بيتًا... بيتًا... ما يجعل موزعي الرسائل الواردة يستعينون به في توزيعها. وكان الناس يعرفونه حق المعرفة، ويدعونه بصدق وإصرار (مش عزيمة مراكبية كما يقول المثل الشعبي) لمشاركتهم تناول الفطور، أو، على الأقل، شربه قدح شاي صعيدي محوّج حسب الأصول. وفي حالة غيابه ليومٍ، أو يومين، كان أهل منطقته يذهبون إلى مكتب البريد للسؤال عنه والاطمئنان عليه. ومن مواصفات سعاة البريد الأساسية التي كان معظمهم يتحلى بها: الجدية في العمل، الأمانة في التوصيل، والألْفة في التعامل مع أُناس منطقته (حتّته باللهجة المصرية).
ومن الطقوس المرتبطة بالرسائل الورقية، أن قراءة تلك الرسائل كانت تجري في كثير من الحالات، لا بل في معظم الحالات، بشكل جماعي، بحيث يتبرع أحد أفراد الأسرة؛ صبي يفك الحرف، أو صبية تحلم أن تكون محور اهتمام الأسرة ولو لدقائق معدودات، بقراءة الرسالة بصوت جهوريٍّ يسمعه جميع المستمعين للرسالة التي وصلت للتوّ من ابن يعمل في الخليج العربي، أو يدرس في رومانيا، أو بلغاريا، أو روسيا، أو إيطاليا، أو الولايات المتحدة الأميركية، أو غيرها، أو غيرها (طبعًا في حالة الولايات المتحدة الأميركية تكون الأسرة قد استوعبت في وقت سابق، أن ابنها لم ينتظم في إحدى الجامعات، بل هو يغسل الصحون في أحد المطاعم)؛ يقرأ الولد وينظر نحو الوجوه يراقب ردود الفعل. ومن طقوسها إلحاقها ببعض ورود الياسمين، أو تزيينها برسم، أو رسومات، وأحيانًا رشّها بعطر. حتى أن سيدة أرسلت لأمّها قطعة من فستان تنوي تفصيله لحضور زفاف صديقتها، قائلة لها: "حزّري فزّري لون الفستان إيه، وإلا أقلك ما تتعبيش نفسك، شوفي الأقصقوصة اللي باعتهالك من قماش الفستان مع الجواب". ثم تخبر والدتها أن عريس صديقتها يشبه نجوم السينما: "جوز عايدة زي نجوم السيما شبه فريد الأطرش بالزبط"، على اعتبار أن فريد الأطرش كان حلم الصبايا في زمنه، ووسيم الشاشة أيامهم. بعض المرسلين، خصوصًا العشاق والحالمين، لم يكن يقنع بورقة يقطعها من دفتر أحدهم، بل يشتري دفترًا خاصًا بالرسائل يحتوي ألوانًا زاهية ورسومات مختلفة.
في كتابه "مصر بين الخنادق والمخابئ"، يورد الكاتب المصري السكندري عبد العزيز السباعي رسالة أرسلها في عام 1941، صديق من الإسكندرية إلى صديقه في القاهرة، ومما يرد في تلك الرسالة/ الوثيقة: "تحريرًا في 8 آب/ أغسطس سنة 1941، حضرة الأخ الفاضل حسن أفندي ندى، أهديك سلامي وشوقي وتحياتي، وعدتك بالكتابة إليك عند نزولي الإسكندرية، والإسكندرية بالنهار هي عروس البحر بجمالها وفتنتها، فالبحر صاخب ساخر من الحرب والرمال، والرمال صفراء جميلة، وفيها فتنة للناس، والكل في فرح وسرور، حتى إذا ما أقبل الليل وجدتَ البلد موحشة وحزينة، تنتظر مصيرها المحتوم، إلا أن المحلات العمومية في الكورنيش ما يزال بها الرقص والغناء. وأمس يا أبا علي بينما أنا جالس على البحر فإذا بصفارة الخطر التي أعقبها الإنذار الكاشف، وإذا بهجوم المدافع من الأسطول، وأزيز الطيارات.
وأخرج الأسطول نورًا أحمر وأزرق للصواريخ، وبدأ إلقاء القنابل منها، وكل هذا يترك في النفس أثرًا يختلف باختلاف الناس، ولقد ترك ذلك عندي هزّة ونشوة، لأنها أوّل مرّة أرى مثل هذه المناظر، وأنا لا أخاف شيئًا، فلا زوجة لي ولا ولد، وحياتي ليست بالغالية حتى أخشى عليها. سوف أمكث إلى يوم 15 بالزبط إن شاء الله في الإسكندرية، وسلامي إلى الأستاذ موريس بيك ورشاد أفندي وجميع من بطرفكم. أحمد عبد الجواد". والحقيقة أن الرسالة تحمل قدرًا من اللغة الأدبية ومن روح السيناريو، وبالنظر إلى أن كاتبها ليس متخصصًا بحقل من حقول الكتابة، فإن رسالة تحتوي قدرات الوصف والتفصيل هذه تعكس لنا، بالتالي، حجم ثقافة الناس في ذلك الزمان، مقارنة بما نحن عليه اليوم، حين نلجأ للذكاء الاصطناعي، أو العم جوجل في أقل تقدير، لكي نكتب جملتين لأشخاص تربطنا بهم علاقة خاصة، لن يستطيع أن يعبّر عن خصوصيتها إلا نحن!
رسائل الشهداء...
بالرومانسيةِ نفسها التي حُبّرت عبرها الرسائل الورقية، يكتب الذاهب نحو الفداء مشروعَ شهيدٍ جديدٍ وصيتَه/ رسالتَه. يضخ فيها دم البسالة. في فلسطين عشرات الشهداء الذين قضوا دفاعًا عن أرضهم وعرضهم وحقهم التاريخي في ذاكرة أجدادهم ومواويل أعراسهم، حرصوا قبل لحظة الارتقاء أن يضعوا في مكانٍ أمين، أو عهدوا لموصلٍ أمين، وصيتهم الأخيرة، وبالتالي رسالتهم الأخيرة. الشهيد البطل عدي التميمي، على سبيل المثال، اختار رسالة/ وصية من نوع "خير الكلام ما قلّ ودَل"، فكتب يقول: "أنا المطارد عديّ التميمي، من مخيم الشهداء شعفاط... عمليتي في حاجز شعفاط كانت نقطةً في بحر النضال الهادر. أعلم أني سأستشهد عاجلًا، أو آجلًا، وأعلم أنني لم أحرر فلسطين في العملية. ولكنني نفذتها واضعًا هدفًا أمامي؛ أن تحرّك العملية مئات من الشباب ليحملوا البندقية بعدي". ثم وقّع الرسالة/ الوصية بـ"المطارد عدي. 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2022".
حتى أطفال فلسطين باتوا يكتبون وصية ما قبل ذهابهم لأبواب الحياة، كما فعل فتى لا أعرف اسمه: "بسم الله الرحمن الرحيم... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... إلى أمي وأبي الأعزاء سامحوني وارضوا عني فإني شهيد بإذن الله... والحمد لله على كل شيء... أريد منكم أن لا تذكروا محاسني، بل تذكروا مساوئي ليسامحني الناس عليها وأكسب أجرها. وفي ناس إلهم عليّ دين:
- رامي محيي الدين 8 شيقل.
- خالي حمد الله 20 شيقل.
- مطعم البيك 32 شيقل".
فهل من رسالة توجع القلب وتشلع الفؤاد أكثر من رسالة بكل هذا الأسى وكل هذه البراءة؟ وهل من رسالة تحوي يقينًا كالذي تحويه رسالة هذا الطفل الذي ملّ القهر والذل وحواجز الاحتلال وكل عناوين الاختلال؟
غادة وغسان...
من الرسائل التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، الرسائل التي تبادلتها الأديبة السورية غادة السمان (1942)، مع الروائي والمناضل والشهيد الفلسطيني غسان كنفاني (1937-1972)، ثم وثّقتها مطالع تسعينيات القرن الماضي في كتاب حمل عنوان "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمّان" (1992)، وصدرت طبعاته الخمس عن دار الطليعة للطباعة والنشر في بيروت. في مقدمتها لكتابها تقول غادة التي شكّك بعض المشكّكين في نواياها حين قررت جمع الرسائل ووضعها بين دفتيّ كتاب، إن الكتاب هو بمثابة "وفاء لعهد قطعته"، وأن نشر الرسائل هو "إقلاق لراحة الرياء، ولنزعة التنصّل من الصدق". رائيةً في مقدمة الكتاب أن هناك ميلًا في الأدب العربي على وجه الخصوص لرسم "المناضل" في صورة "سوبرمان"، لتحييده أمام السحر الأنثوي، وتنحيته من التجربة، إلى أن تقول: "وفي رسائل غسان صورة للمناضل من الداخل، قبل أن يدخل سجن الأسطورة، ويجري تحويله من رجل إلى تمثال في الكواليس المسرحية السياسية".
من الرسائل التي أوردتها غادة في كتابها واحدة تقول: "أعرف أن الكثيرين كتبوا إليك، وأعرف أن الكلمات المكتوبة تخفي عادة حقيقة الأشياء خصوصًا إذا كانت تُعاش، وتُحس وتُنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي عشناها في الأسبوعين الماضيين، ورغم ذلك، فحين أمسكت هذه الورقة لأكتب كنت أعرف أن شيئًا واحدًا فقط أستطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته وربما ملاصقته التي يخيل إليّ الآن أنها كانت شيئًا محتومًا، وستظل كالأقدار التي صنعتنا: إنني أحبك". (الكتاب، صفحة 15). ومن رسائلها هي إليه: "أيّها البعيدُ كذكرى طفولة، أيّها القريبُ كأنفاسي وأفكاري، أحبّك وأصرخُ بملءِ صوتي أحبّك".
الحسين- مكماهون...
تعد رسائل الحسين- مكماهون The McMahon–Hussein Correspondence، من الرسائل المهمة في التاريخ المعاصر، وعلى وجه الخصوص، تاريخ منطقتنا وبلادنا العربية. والمقصود بها تلك الرسائل والمراسلات التي تبادلها الشريف الحسين بن علي مع السير هنري مكماهون المعتمَدِ البريطانيِّ في مصر في الفترة ما بين عاميّ 1915 و1917. بلغ عدد تلك المراسلاتُ عشرة خطاباتٍ متبادَلةً في الفترة ما بين 14 تموز/ يوليو 1915 إلى 10 آذار/ مارس 1916. وأما الهدف المحوريّ الذي دارت تلك المراسلات في فلكهِ فقد كان مطالبة الشريف حسين من بريطانيا الاعتراف باستقلال العرب بعد الحرب العالمية الأولى، وانقشاع نتائجها عن هزيمة تركيا، تلك الهزيمة التي كانت الثورة العربية الكبرى بإشراف الشريف وقيادة نجليه فيصل وزيد شاركت ببعض حروبها في الحجاز والأردن وسورية والعراق، وأخرجت الأتراك منها باستثناء منطقة أضنة والمناطق العراقية الواقعة ما بين بغداد وساحل الخليج. ويبدو أن مكماهون وبريطانيا الاستعمارية خدعت الشريف كعاداتها، فأخذت ما تريد من هذا التحالف ولم تعط الشريف والعرب ما كانوا يتطلعون إليه، علمًا أن الشريف يؤكد في أولى الرسائل وثانيها وثالثها على أهمية الموافقة على "الحدود والقيود بحيث تكون المفاوضات معتمدةً فقط على رفضكم، أو قبولكم لمسألة القيود، وإعلانكم حماية ديننا أولًا [أي العرب]، ثم بعد ذلك حفظ باقي الحقوق من أي ضررٍ أو خطرٍ".
دوستويفسكي كان انخرط، بدوره، وتحديدًا في سنوات حياته الأولى، بمراسلات للاشتراكيين الفرنسيين حول الطرق التي ينبغي أن يسلكوها لإصلاح نظام الحكم في بلادهم. ونابليون راسل معشوقةً لوّعت قلبه وكسرت هيبته، وفرجينيا وولف راسلت قبل انتحارها، والإسكندر الأكبر قبل هؤلاء جميعهم راسل وتبادل التهديد والوعيد هو وملك فارسي اسمه دارا، ورسائل كل هؤلاء وغيرها الكثير تعد جزءًا من كتاب "أشهر الرسائل العالمية" الصادر في القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضامًّا بين دفّتيه "128 رسالة لأشهر الرموز التاريخية منذ قبل الميلاد حتى القرن العشرين".
زمان غنّت رجاء عبده سنة 1945، (البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي... وعيوني لما بكوا دابت مناديلي... روح يا قمر والنبي ع الحلو مسيلي... أَبَعَت مراسيل واكتب جوابات واستنّى وأقول... لو غاب اتنين راح ييجي تلات والصبر يطول...)... زمان كانت الرسائل الورقية ضيّ شمس العاشقين... يواصلون طوال الليل كتابتها... وإن غفوا ساعة فلأن الشمس نسيت قميصها فوق شمّاعة الخذلان... كان قطار الحجاز يحمل الرسائل... وحمار الصبر الجميل يحملها... زمان كان الحجيج يبعثون رسائل الاطمئنان... والدارسون... والساعون في مناكبها... وكانت النساء ينتظرن عند عَتَبات البيوت... وعِنَبات الكروم... الريح زمهرير... وبساطُهُ بلا أجنحة... ومشوار الرسالة طويل... عليل... يمتزج الشوق داخل عروقه بالوعود... والعتابات بالسلامات... والتحيات بالديباجات... حيث الانتظار جزءٌ من الحكاية... وورق الرسائل حطب الكوانين... والصناديق لا تحفظ الحنطة فقط، بل، أيضًا، ودائمًا، عبق المكاتيب علّها تصل أمّي... أمّك... أمّنا... أمّ الأرض جميعها... زمان كانت الرسائل الورقية برعمًا يكبر في حديقة المدى أثرًا لا يموت ولا ينتهي.


تحميل المقال التالي...