الرحلة هي اللحظة التي تلي فقدان عالمنا الاعتيادي، إذ يخلع المألوف إلفته ويباعد الظرف بين العالم وحميميته، يُظلِم كل شيء ويُعتِم. إنها لحظة التحوّل، يونس في بطن الحوت، يوسف في عتمة البئر وموسى في سلة متروكًا لمزاجية الموج؛ وفي كل هذه النصوص هي رمز البحث عن المعنى والصورة الأكثر دلالةً على قدرنا البشري.
تنطوي معظم الأعمال الفنية والنصوص التاريخية على مفهوم المغامرة سواء بشكل صريح أو ضمني، وتبدو تنويعات عليها، إذ تبدأ "بنداء يتلوه عائق ثم صراع واختبار وصولًا إلى الانفراج والحل واتساع الرؤية" (1).
يقترن الانتقال المكاني للبطل بتغيّر رؤيته وحياته، فيظهر تارةً مستسلمًا صابرًا وتارةً متحديًا وشغوفًا بالحصول على نبتة الخلود: "جلجامش". أو ساعيًا للعودة إلى موطنه ومقاومًا لصنوف الإغراءات والنقمات: "أوديسيوس". إذ أن رحلته العكسية نحو إيثاكا مسقط رأسه، توازيها عودة أوديب إلى طيبة مع اختلاف الحالين، فيحارب الأول الطمع والجشع ويطهر إيثاكا من الخونة، بينما يتزوج الأخير أمه ويقتل والده ثم يفقأ عينيه.
إنّ رمزية هذه النصوص تجعل من الرحلة ضرورة للنمو الروحي، والثابت الوحيد فيها هو المغامرة التي تعني: "هجر العالم الاعتيادي، والاستجابة للنداء ثم اللقاء بآخرين يساعدونه أو يعرقلون مهمته، إلى أن يصل للبعث أو تحقيق المهمة" (2).
وفي الأسطورة يخرج البطل من عالمه الاعتيادي ويواجه التحديات ثم يعود محملًا بالمعرفة والقوة. وفي الرواية تصبح الرحلة وسيلة لاكتشاف الذات ومواجهة العالم كرحلة سانتياغو في رواية "الخيميائي" أو القدر الذي يفرض على البطل لعوامل خارجة عن إرادته فيقوده الغضب والانتقام من حوت قضم ساقه ("موبي ديك، 1851").
وتقوم "الشيخ والبحر" لإرنست همنغواي على رحلة ومكابدات مع الشمس التي ألهبَت ظهره، والريح التي جفّفت جلده، والبحر أُجاجٌ مِلحه؛ يضاف لذلك كله: السمكة التي راوغت الطعم. وتعكس أعمال الروائي السوري حنّا مينة العلاقة بين فهم الرحلة في علاقتها بالإرادة. فالمغامرة إثبات لأحقية الحياة من خلال ركوب البحر ومقاومة عواصفه، إذ جسّدت شخصياته الاشتراطات الثلاثة لرحلة البطل: الصراع، المغامرة، ثم المعرفة؛ لذلك سيزج بهم في اختبار قاسٍ يبدأ بالمشكلة أو العقبة، الفقر والمعاناة، التيه ثم الخروج من النفق. والمقابل الرمزي في أعماله ظلمة الجهل وظلمة العجز وظلمة الشرط اللاإنساني (الفقر والامتهان) ولكن الأخير ليس سوى انعكاس للشرطين الأولين، لذا سيقسو على شخوصه عبر النفي والتّعذيب وصولًا للتنوير.
تسأل الأعمال الفنية والأدبية عن القيمة الكبيرة التي يجنيها المغامر ويُسأل البحار عن السمكة التي في شباكه. إذ عاد يونس من بطن الحوت مزوّدًا بالفهم - فهم دوره ووظيفته-، وكذلك ساعدت وحشة البئر يوسف على أن يستعد لمكانة قُدرّت له، كما أن جلجامش تعلّم بخسارة صديقه "أنكيدو" درسًا عن الأبدية، وأدرك أن الثلث البشري في كيانه معرضٌ للفناء والموت.
وقد تبدأ الرحلة من هجرة معكوسة، يعود فيها البطل ليواجه ماضيه وذاته. وفي رواية "عائد إلى حيفا" يواجه "سعيد، س" بعد عشرين سنة ماضيه ولحظة تخليه عن بيته وطفله: "لا، لا أريد الذهاب إلى حيفا، إن ذلك ذلّ، وهو وإن كان ذلًا واحدًا لأهل حيفا، فبالنسبة لي ذلك هو ذلّان، لماذا نعذّب أنفسنا". يمانع البطل في البداية ثم يغريه نداء المغامرة وهذا يعني: "هجر العالم الاعتيادي، والاستجابة للنداء ثم اللقاء بآخرين يساعدونه أو يعرقلون مهمته، إلى أن يصل للبعث أو تحقيق المهمة" والمهمة هنا استيعاب لحظة البداية، فقد البيت والمكان والطفل وهذا الفهم سيقود في النهاية للمقاومة والتّحدي.
وفي "رجال في الشمس" تفقد الشخصيات الثلاث وطنها رمزيًا، فما يميزها هو البحث عن خلاص، ولكنه خلاص فردي، وهي تنتهي بالموت في خزان لكن الموت ليس موت قضية أو مبدأ بقدر ما هو موت مادي يطاول البطل لكنه يترك لحظة التنوير لقارئه.
لقد جعلت أغلب الأعمال الروائية من المعاناة والمحنة جسّرًا للتحول الروحي، إذ أن الانتقال المكاني للبطل يشترط تطوّرًا معرفيًا وإنسانيًا وولادة جديدة، وفي جميع هذه النصوص هناك تبدّل و"في كل تبدل هناك قصة ثابتة تلفت النظر إليها وتكون مصحوبة بوعي فائض، لم نتمكن من القبض عليه حتى الآن ولم نتعرفه بشكل حاسم أو نعبر عنه". فهذا الترك يقترن بدايةً، بأزمة روحية أو مادية أو إنسانية تحرّض على المغامرة والاستكشاف. يترك أوديسيوس ملك إيثاكا بلده لقيادة الحرب ضدّ طروادة، ولن يعود قبل عقد من الزمن ليكتشف إيثاكا من جديد ويحررها، وفي "ألف ليلة وليلة" يقرر السندباد الإبحار برفقة ببغائه ياسمينة وستكون خدعة ظهر الحوت نقطة البداية في مغامرات تقوده للهند ليحارب قوى الشر.
في سياق موازٍ، تبني الأعمال السينمائية حبكتها على الرحلة، وهي قد تعكس نقطة تحول داخلي فتبدأ من ضياع أو مواجهة أو خطر كما في أفلام الرسوم المتحركة "إيجاد نيمو" وفيلم "الأسد الملك" من مجموعة أفلام ديزني.
هذا التحول الداخلي جسّده فيلم "جسور مقاطعة ماديسون"، حيث يذهب المصور الفوتوغرافي في "ناشيونال جيوغرافيك"، في رحلة نحو جسر "روزمان"، وقد تطوعت السيدة فرانشيسكا لترشده للجسر، لتتطور علاقتهما إلى حبّ يصعب سبر غوره، ولم يكن ليتحقق لولا رحلة البطل ثم التيه الذي واجهه وأخيرًا لقاء المرأة ومن ثم عودة كل منهما بفهم أكبر لمعنى وجوده وحياته.
وفي "سينما باراديسو" يلاحق الطفل حلمه في أن يصبح مخرجًا سينمائيًا، بنصيحة من عرابه "ألفريدو" لكن محرك هذه المغامرة هو فقد حبيبته في سنوات المراهقة، ليعود بعد نصف قرن لاكتشاف ما كان عليه وما أصبح عليه.
وفي زيارة معاكسة يقوم بطل فيلم "الجميع بخير"، بزيارة أبنائه الذين لم يحضروا هذا العام إلى بلدتهم الصغيرة، إذ يتنقل بين بيوتهم ليطمئن على حالهم لكنه يشعر أن شيئًا ما، ليس على ما يرام. لقد أخبروه أن الأخ الأصغر "ألفارو" فاز بجائزة لمنحة ولذلك فهو غائب. وأما توسكانا فهي ممثلة ناجحة. يدفعه غموض الموقف وتصرفاتهم غير المفهومة للغضب والمغادرة سيرًا على قدميه في ليل بارد. وفي زاوية من المدينة يدعوه مشرد للنوم في علبة كرتونية فوق أحد الأرصفة. وهناك يرسم المخرج جوزيبي تورناتوري مشهدًا من أجمل اللوحات سريالية وجمالًا، بحيث يصفِّر العجوز فيأتي أطفاله تباعًا ليخبروه بالحقيقة فيقول بأسىً:
- كلكم كذبتم عليّ.
- لم نرد أن نحزنك لأنك كبير السن، ومريض وسترحل قريبًا.
يصارح الأبناء الذين عادوا أطفالًا والدهم بالحقيقة. يخبره "ألفارو" بأنه انتحر. وأما ابنته فهي تعمل في وكالة متواضعة في مشهد مذلّ أقرب لنخاسة الجسد حيث يصرخ المصور في النساء وهي عالقة في تربية طفل تدّعي أنه ابن صديقتها وحين يسألها عن الرضيع تجيب: "أنا لا أعرف من هو الأب"، أما "نورما" فتخبره أنها عالقة في زواج سيئ، ولم يكن "جولميلو" عازف كمنجة وليس لديه أي جولات في أوروبا، إنّه مجرد ضارب طبل في فرقة متواضعة. هذا ما أرادوا أن يخفوه عنه وهو أن "صعوبات الحياة والتنازلات التي قدموها كانت دون جدوى".
تشترط الرحلة وجود نداء وقيادة معلّمٍ من طراز خاص، إذ يخوض موسى عليه السلام مع العبد الصالح، والذي يشترط على الأخير ألاّ يسأل عن شيء حتى يقوم هو بشرحه وتفسيره. وفي العموم يعتبر المعلّم ضرورة لجلاء ما خلف الظاهر.
أن نخوض الرحلة ليس شرطًا لنفوز في النهاية، وفي هذه المغامرة لن يتمكن الجميع من أن يصبحوا "عزيز مصر" (3)، ولا "أيوب الصابر" ولا ملك إيثاكا المنتصر، فاحتمالات الخسارة وفقء العينين تعادل احتمالات الظفر وهي اللحظة التي تعني في الأسطورة ولادة بطل أو نبي وفي الحال الطبيعية وضمن الشرط العادي: ولادة إنسان.
بين ماضي الإنسان وحاضره، بين الذاكرة والنسيان تصبح الرحلة أكثر من مجرد انتقال مكاني، بل مسار تحوّل كليّ في الذات والعالم؛ ما يجعل لها معنى مختلفًا، بكونها ضرورة للنمو الروحي. في طريق عودته يمسح بطل فيلم "الجميع بخير" شاهدة قبر زوجته وأم أطفاله أنجيلا ويهمس: "سأخبرك كانت رحلةً مهمة، لكن لن أتمكن من أن أريكِ الصور، لقد مشيت كثيرًا، واكتشفت العديد من الأشياء المهمّة".
كان ذلك إيذانًا بانتهاء المغامرة، لتتجلى حكمة وجوده الذي أمضاه يُقسر أطفاله على أن يكونوا متميزين بدل أن يكونوا أنفسهم. كان يطلب منهم ما ليسوا عليه وقد أدرك خطأه. وهذه لحظة التنوير التي تتوخاها كل مغامرة، ونحن نعلم أننا لن نعود منها كما ذهبنا إذ أن بعض المسافرين يختفون، وقد يعود بعضهم بأيدٍ فارغة، بينما يواصل آخرون السفر مرّةً تِلو أخرى لفهم ما جرى ولماذا جرى.
*كاتبة سورية.
هوامش:
(1) ملحمة جلجامش.
(2) ملحمة جلجامش.
(3) "عزيز مصر"، كناية عن يوسف عليه السلام.
مصادر:
- جوزيف كامبل، البطل بألف وجه، ترجمة: حسن صقر.
- ملحمة جلجامش، ترجمها إلى الإنكليزية: آندرو آر جورج، وإلى العربية: أنور غني الموسوي.
- حنا مينة، "المصابيح الزرق، الثلج يأتي من النافذة، الياطر، الشراع والعاصفة".
- جسور مقاطعة ماديسون، المقتبس عن رواية للكاتب الأميركي روبرت جيمس والر ومن إخراج وبطولة كلينت إيستوود وميريل ستريب.
- غسان كنفاني، "عائد إلى حيفا، رجال في الشمس".


تحميل المقال التالي...