}

المدن الخيالية مجاز أم واقع؟

باسم سليمان 1 أكتوبر 2026
اجتماع المدن الخيالية مجاز أم واقع؟
(Getty)





يُنسب إلى جيمس جويس قوله: "لو اختفت دبلن من الكرة الأرضية لأمكن إعادة بنائها من عوليس!"؛ لكن أيّ دبلن سيُعاد بناؤها؟ وهل ستكون المدينة المنشَأة في الأدب هي نفسها التي عاش فيها سكان دبلن، أم مدينة أخرى لا وجود لها إلّا في مخيّلة جويس؟ في كتاب إيتالو كالفينو "مدن لا مرئية"، يروي ماركو بولو للإمبراطور قبلاي خان أخبار المدن التي زارها في إمبراطوريته. لقد وصف له مدنًا تتشكل من الذاكرة والرغبة والخوف، لكننا نكتشف في نهاية الكتاب أنّ البندقية تظل حاضرة وراء مدن كالفينو، لأنّها المدينة الأصل، والذاكرة التي تتشظّى في المدن الأخرى، فماركو لا يغادرها تمامًا حتى حين يصف مدنًا أخرى من العالم. ولعلّ هذا هو سرّ العلاقة بين الواقع والخيال، فالمدينة لا تقوم بحجارتها، وإنّما بصورها وذكرياتها المرتبطة بها. عندما هُزم الأمويون أمام العباسيين، حملوا معهم إلى الأندلس صورة شامهم، لكن هل كانت غرناطة أو إشبيلية تطابق حقًّا دمشق؟ إنّ المطابقة خدعة السراب، لكن كم من هائم في الصحراء انتهى، وهو يطارد شبح الماء، إلى واحة!

في كل مدينة واقعية كثير من الخيال، ليس لأنّ الواقع قاصر، وإنّما لأنّ الخيالي يعمّق إدراك الواقع ويساعد على الإحاطة به، فبابل في المخيال التوراتي مدينة ارتبطت بالتمرّد، حتى إنّها بلغت من الكبرياء أن تطاولت إلى السماء، فكان لا بدّ، وفق الرواية التوراتية، من بلبلة ألسنة أهلها، حتى تتفكّك وحدتهم، ويتداعى برج بابل الذي رسمه في عصر النهضة بيتر بروغل الأكبر. وإذا أردنا أن نعيد بناء دبلن من خيال جويس، فلن نحصل على دبلن أبدًا، لأنّها في متخيّل كل واحد من سكانها هي مدينة أخرى، لا تشبه مدينة عوليس، لكن من اجتماع هذه الخيالات يمكن إعادة بنائها في صورة قد تكون أكثر واقعية من دبلن ذاتها! وهذا جوهر ما تعنيه بلبلة الألسن في التوراة، فلم تكن تعني أبدًا اللغات، وإنّما بلبلة الخيال. إنّ تشتيت الخيال في بابل هزمها، لكنّه جعلها أكثر استمرارية في الفكر الإنساني، فما زالت استعارتها قائمة لوصف أي مدينة مارقة.

إنّ الخيال قوة جبارة تفكّ استعصاء الواقع أمام الإنسان، ومع أنّ أفلاطون ازدراه، فإنّه احتاج إليه لبناء مدينته الفاضلة، التي استقاها من هرمية إسبرطة، عدوّة أثينا الأبدية. وعندما احتاج توماس مور إلى عدسة يرى من خلالها واقع إنكلترا، كتب روايته "يوتوبيا"، والتي تعني "اللامكان"، إلّا أنّها لندن في النهاية.
إنّ حاجة الإنسان إلى ابتداع مدينة خيالية ليست هروبًا من الواقع، فالواقع، حتى تلجه، عليك أن تتخيّله، فجماليات المكان عند غ. باشلار تقوم على فعل التخييل، وكذلك أروقة باريس عند الفيلسوف فالتر بنيامين، وبلاد الأقزام والعمالقة عند جوناثان سويفت هي خيال، ومدينة الزجاج التي بناها الجني للملك سليمان حتى يظل مطّلعًا على أحوال رعيته هي الخيال الذي استقى منه الفيلسوف جيرمي بنتام سجن البانوبتيكون. إذًا، الخيال هو حجر الأساس في أي مدينة نراها في الواقع أو على الأطالس، ومن هنا جاء مشروع ألبرتو مانغويل وجياني غوادالوبي لإنجاز "معجم الأماكن المتخيّلة"، لإدراكهم أنّهم ينجزون معجمًا واقعيًا، بل أشد واقعية من الأماكن الحقيقية.

ماكوندو ليست مجرد بلدة في كولومبيا، فهي تمثل تاريخ كولومبيا وأميركا اللاتينية


ومن هنا ينشأ السؤال التالي: لماذا احتاج الفلاسفة والأدباء إلى ابتداع مدن خيالية، ليعالجوا فيها واقعهم، مع أنّ غنى الواقع وتعدّده وتنوّعه يتجاوز أي خيال؟ تتعدّد الإجابات، بين خشية الرقيب، ولا سيّما في المقاربات السياسية، إلى المعوّقات الواقعية وخاصة الاجتماعية والأخلاقية، فإن وصف كاتب مدينة من مدن مجتمعه بأنّها أشبه بسدوم وعمورة، فسيخاطر بأن يصبح منبوذًا إن لم يتعرض للقتل. وفي حالات أخرى يصعب على الكاتب ضغط أزمنة وأمكنة متعددة في مدينة موجودة واقعيًا، لذلك يلجأ الكاتب إلى ابتداع مدينة خيالية يستطيع أن يسقطها على تاريخ مدينة ما أو منطقة ما وحتى قارة. انطلاقًا من هذا التصوّر، سنقارب عدّة مدن متخيّلة كان لها دور كبير في الأدب والواقع.

ماكوندو:

تمثل مدينة "ماكوندو" الفضاء الروائي الأشهر بين المدن الخيالية في التاريخ الأدبي والتطبيق المعمّق لمذهب الواقعية السحرية. لقد استقى ماركيز اسم البلدة من مزرعة للموز رآها قرب مسقط رأسه "أراكاتاكا" عندما كان صغيرًا. لكنّ معاني ماكوندو تتجذّر في التاريخ الحديث لكولومبيا وأميركا الجنوبية، فهي تعني بإحدى دلالاتها "الموز"؛ وهذا يعني أنّ كولومبيا لا تختلف عن جمهوريات الموز في أميركا الوسطى التي خضعت لنفوذ الشركات الأميركية الرأسمالية. لقد دخلت شركة الموز الأميركية كولومبيا التي سترتبط بالمذبحة التي ارتكبتها الحكومة الكولومبية بحقّ عمال الموز في الواقع والرواية. وأمام هذا الواقع، سيفرض النسيان وشطب المجزرة من التاريخ، لذلك قال ماركيز إنّ تاريخ كولومبيا، كما ماكوندو، محكوم بالتكرار والنسيان، وعدم التعلّم من أخطاء الماضي في خطابه عند تسلّمه جائزة نوبل. ومع ذلك، فإنّ عزلة ماكوندو واندثارها لا يعني فقدان الأمل إلّا إذا تكرّرت أخطاء عائلة بوينديا. لقد عنون خطابه بـ"عزلة أميركا اللاتينية"، حيث استعرض حوادث تاريخية وجغرافية وسياسية وغرائبية شهدتها أميركا اللاتينية، موضحًا أنّ الواقعية السحرية ليست ابتكارًا شكليًا أو شطحة خيالية، وإنّما الوسيلة الوحيدة لنقل واقع قارة تتجاوز أحداثها حدود المنطق والعقل.

لقد اعترض ماركيز على نفاق الدول الغربية التي تحتفي بالأدب والفن اللاتيني وترفض في الوقت نفسه أن تتحرّر أميركا اللاتينية من حكم الديكتاتوريات والشركات الرأسمالية. إنّ عائلة بوينديا بجنرالاتها ومجانينها وخرقها للحرمات وعزلتها الأبدية تمثل شعوب أميركا. أمّا ماكوندو فليست مجرد بلدة في كولومبيا، فهي تمثل تاريخ كولومبيا وأميركا اللاتينية، هذه القارة التي ما زالت تكرّر نفسها من مائة عام، لأنّها ترفض التذكّر وتهرب إلى النسيان. إذًا، استطاع ماركيز عبر تخيّل ماكوندو أن يسلّط الضوء على مشاكل أميركا اللاتينية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلو اختار مدينة واقعية لما استطاع أن يعمّم ويخصّص في الوقت نفسه، فلكل بلد في أميركا اللاتينية مشاكله الخاصة التي تختلف عن مشكلات البلدان الأخرى، مما قد يؤدي اختيار مدينة واقعية إلى الحدّ من قدرة البنية الروائية على التعميم. من هذا المنظور، يصبح ابتداع مدينة متخيّلة هو الطريق الأصوب للمقاربة.

مقاطعة يوكنابافوتا:

لم يكتف وليم فوكنر بمدينة متخيّلة، فلقد أنشأ مقاطعة كاملة في المسيسيبي وملأها بالمدن والعائلات، حتى إنّه وضع خريطة لها. وعلى أرض هذه المقاطعة الخيالية دارت أحداث أكثر رواياته: "الصخب والعنف"، "بينما أرقد محتضرة"، "أبشالوم أبشالوم"... لا تُعدّ "يوكنابافوتا" مجرد فضاء للأحداث الروائية الفوكنرية، وإنّما أعاد من خلالها بناء تاريخ الجنوب الأميركي. لقد كان هذا العالم المتخيّل يقوم فوق تاريخ عنيف تشكّل على أساس نظام العبودية ثم انهار مع الحرب الأهلية الأميركية، لذلك تبدو يوكنابافوتا كأنّها مكان يعيش داخل ماضيه، فالأحداث لا تنتهي، بل يمتد أثرها من جيل إلى جيل. إنّ الزمن عند فوكنر ليس خطيًا، فلقد تشكّل من طبقات متراكبة، فموت شخص في إحدى رواياته لا يعني نهاية حضوره في العالم الروائي، فهو يظهر في روايات أخرى كذاكرة أو سبب لصراعات أو سر من أسرار إحدى العائلات التي بنى تاريخها فوكنر برواياته، ولهذا تصبح عائلات من مثل كومبسون وسوتبن وسنوبس جزءًا من تاريخ المقاطعة الواقعية، لا مجرد سرود خيالية. وإذا كانت ماكوندو مدينة يحكمها النسيان والتكرار، فإنّ يوكنابافوتا مكان يحكمه عبء الماضي، ففوكنر يكشف من خلال رواياته في مقاطعته المتخيّلة أنّ المجتمع الذي يرفض مواجهة تاريخه يظل أسيرًا له.

رصد عبد الرحمن منيف من خلال "مدن الملح" أحد أهم تحوّلات القرن العشرين تأثيرًا، أي اكتشاف النفط


مدن الملح:

هناك الكثير من المدن المتخيّلة في الأدب الغربي، لكن تبقى "مدن الملح" في الأدب العربي علامة فارقة. لقد رصد عبد الرحمن منيف من خلالها أحد أهم تحولات القرن العشرين تأثيرًا، أي اكتشاف النفط. ففي خماسية "مدن الملح" لا نتعرف على مدينة متخيّلة فقط، وإنّما نراقب ولادة المدينة النفطية ذاتها. تبدأ الحكاية من "وادي العيون"، الواحة التي تبدو أنّها تعيش خارج الزمن، ثم يصل الأميركون بحثًا عن النفط، فيتحوّل المكان تدريجيًا إلى فضاء اقتصادي وسياسي جديد. وفي هذا الواقع الجديد تظهر مدن الملح حيث الشركات والعمال والأنابيب والمال، والتي من الممكن إسقاطها على أي مدينة خليجية صعدت بسرعة بعد الثورة النفطية. إنّ ما يناقشه منيف هو الانتقال بين البيئة التقليدية والبيئة الصناعية الرأسمالية، وما سبّبه هذا التغيير الشامل من اندثار بعض العادات والتقاليد ونشوء أخرى. لقد كان لمنيف نظرة تشاؤمية، ومن هنا جاء عنوان خماسيته بـ"مدن الملح"، فكما القصة التراثية التي تتكلم عن بيت بُني على الملح، وما إن تدفق الماء حتى ذابت القواعد وانهدّ البناء. كان منيف يرى في هذه الحضارة الصناعية المبنية على النفط بأنّها حضارة غير أصيلة، ومهما كانت رؤى منيف، إلّا أنّه استطاع أن يرصد حركة المجتمع التقليدي، بعدما حُقن بسائل الطاقة، لكن بعد مضي عقود كثيرة على كتابة "مدن الملح"، هل ما زالت هواجس ومخاوف منيف مشروعة؟ إنّ الإجابة على هذا السؤال تكمن في إعادة قراءة "مدن الملح" المتخيّلة ومقارنتها مع مدن الخليج الواقعية في الوقت نفسه، ومن ثمّ إجراء المقارنة بين ماضي السرد وحاضر الواقع.

مدينة أين:

تبدو مدينة "أين" في ديوان الشاعر العراقي سركون بولص "الوصول إلى مدينة أين"، وكأنّها مدينة ترفض أن تؤطّر بأي حيثية واقعية أو خيالية. فعندما نقرأ الديوان لا نجد مدينة يمكن رسم حدودها على خريطة واقعية أو على أطلس للخيال، ولا يمكن تتبع تاريخها كما في "جيفرسون" في مقاطعة يوكنابافوتا عند فوكنر، ولا رؤيتها تنمو وتزدهر كما في "مدن الملح". إنّ مدينة أين أقرب إلى استحالة وجود المدينة، فهي تدل على استحالة الوصول إليها، ولا سيّما أنّ اسمها أداة استفهام عن المكان، الذي ينتظر إجابة كي يتحول إلى مكان محدد. إنّ مدينة أين عند سركون تختلف عن مدن الخيال التي يمكن من خلالها إعادة بناء الواقع كما قال جويس عن دبلن، فالشاعر الذي ظل في حالة هجرة دائمة بعد خروجه من العراق نشأ لديه شعور باستحالة تحقيق الوصول، ما دام الوصول قد أصبح مستحيلًا عليه بعد أن هاجر من العراق، لذلك تصبح مدينة أين هي المدينة التي غادرها سركون ولا يريد استبدالها بأي مدينة أخرى واقعية أو خيالية، لذلك ستظل عصية على التحقّق، لأنّها أشد حالات الهجرة قسوة، حيث يظل المسافر/ المهاجر نافرًا عن أي تآلف مع أي مكان إلّا وجوده السابق الذي أصبح من المستحيل إعادة إحيائه، وهو أشبه بأسطورة أورفيوس وزوجته يوريديس التي نزل من أجلها إلى الجحيم وأبكى آلهة الموت بسبب غنائه الشجي، وعندما وافقت الآلهة على عودتها معه اشترطت عليه ألّا ينظر خلفه ليتأكّد من أنّها تلحق به، لكن أورفيوس لم يستطع، وعندئذ نظر خلفه فوجد يوريديس تسعى وراءه، لكن هيهات، فأحكام الآلهة نافذة؛ هكذا خسر أورفيوس زوجته إلى الأبد. تشبه نظرة أورفيوس إلى الوراء سؤال سركون بولص "أين؟"، وبهذا السؤال ينفي إمكان الاستقرار في أي مدينة.

*****

تكشف هذه المُدن المتخيّلة التي عالجناها أعلاه أنّ المدن الخيالية ليست هروبًا من الواقع، وإنّما هي التي تسمح للواقع بأن يغوص في ذاته أكثر، لذلك تستعيد ماكوندو ما يحاول النسيان وأده في الذاكرة الجماعية، بينما مقاطعة يوكنابافوتا تكشف عن الماضي الذي لم ينته أثره بعد، فيما "مدن الملح" ترينا كيف حصل التحوّل السريع في الخليج العربي في أقل من قرن. أمّا مدينة "أين" فتكشف لنا المعنى الأخير للمهاجر، بأنّه كائن لن يصل أبدًا.
إنّ المدينة الخيالية لا تنافس المدينة الواقعية على وجودها، فكثيرًا ما تمنحها وجودًا بعد اندثارها، ولهذا ليس الخيال نقيضًا للواقع، وإنّما ذاكرته السرّية، فعندما يعجز الواقع عن تجاوز عوائقه يأتي الخيال ويمنحه السؤال: أين؟...

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.