أصدر المؤرخ والأنثروبولوجي الفرنسي جان بيير فيرنان JEAN-PIERRE VERNANT (1914-2007) في سنة 1999 مصنفًا هامًّا، بعنوان "الكون، الآلهة، والبشر"، تناول فيه بالبحث أصول الكون والآلهة والبشر، كما وردت في الأساطير الإغريقية القديمة. استوعب الكتاب مجموعة من المباحث في موضوع تشكل الكون وحروب الآلهة وميلاد البشر، وتوقف في مبحثه الأخير أمام موضوع الفكر والموت والصورة.
يتمم فيرنان في هذا العمل أبحاثه الأخرى، التي أهلته لصفة باحث متخصص في التاريخ الإغريقي القديم. وقد سبق له أن أصدر في مطلع الستينيات "أصول الفكر الإغريقي"- 1962، ثم أصدر كتاب "الأسطورة والفكر عند الإغريق"- 1965، و"الأسطورة والمجتمع في الإغريق القديمة"- 1974، وكتاب "الدين، التاريخ، العقل"- 1979، كما نشر درسه الافتتاحي عندما عُيّن أستاذًا بالكوليج دو فرانس سنة 1975، وعنوانه "الديانة الإغريقية والديانات القديمة"- 1976، ونشر بعد ذلك كتاب "باندورا، المرأة الأولى"- 2005.
عمل فيرنان في مختلف أبحاثه الدقيقة والمتخصصة على مواجهة تاريخ قديم، وقد حرص في أثناء مواجهته لهذا التاريخ على تنويع طرق مقاربته وزوايا رؤيته، حيث كان يستعين في أعماله بالسيكولوجيا التاريخية، والتحليل المادي للتاريخ، وقواعد التحليل البنيوي... وهو يفكر في الأسطورة والمجتمع والدين والفرد والتاريخ والموت... كما يفكر في الصراع التاريخي ومستوياته النظرية والتاريخية. وقد قام في الكثير من أعماله على محاصرة مفهوم المعجزة الإغريقية، وحاول بناء مقاربة تاريخية لكيفيات تبلور العقلانية اليونانية، مستهدفًا تركيب مكوناتها وحدودها، وترسيخ أهمية ورجحان مبدأ البحث المتخصص والقار.
كيف اقترب فيرنان من موضوع الأصول؟ أصل كل من الكون والآلهة، ثم البشر... نقرأ في العنوان الفرعي للكتاب الذي نحن بصدده، "الأصول في المرويات الإغريقية"، وهو يشير إلى حدود الأبحاث التي يستوعبها الكتاب، ويتعلق الأمر بضبط وتحديد مجال البحث، حيث يسعى الباحث إلى رسم خطاب الأصول، كما روتها الأساطير الإغريقية القديمة، وكان أغلبها شفويًا... ذلك أن التراث الأسطوري الإغريقي يتضمن حكايات تروي جوانب من بدايات تشكل ما ذكرنا. وضمن هذا السياق، يشير الباحث إلى الطريقة التي كان يتبعها للاقتراب من الأساطير والمرويات والأشعار الإغريقية، فهو لا يكتفي بقراءتها أو الاستماع إليها، بل كان يحرص على القيام بعمليات مقارنة بينها وبين ما يماثلها من الأساطير. إضافة إلى ذلك، كان يحرص على التقاط المفردات التي تتكرر في هذه الأساطير، ويحاول فحص ومراقبة الدلالات التي تحيل إليها في الثقافة اليونانية القديمة.
ميلاد الكون والآلهة
يبدأ فيرنان عملية التفكير في مسألة ميلاد الكون والآلهة بالتقديم المختصر للحكاية التي سيعتمدها في بنائه لهذا التصور. يتعلق الأمر بالجواب على أول سؤال يطرح نفسه، وهو: ما الذي كان موجودًا في البداية؟ الإجابة: لا شيء... ثم ظهرت الأرض، جايا GAIA، وبدأ العالم يتشكل، وذلك لأنه كان في أحشاء جايا براعم من كل الأشياء التي ستنشأ... يقرر فيرنان أن جايا خلقت نفسها من دون اتحاد مع شخص آخر... كانت جايا الأنثى، وكان معها أورانوس ORANOS، أو السماء، وبونطوس PONTOS، أو مياه البحار، وكان كل من بونطوس وأورانوس ملتصقين بها، وكانا معًا ذكرين... الأرض أنثى، والسماء والبحر ذكران عند الإغريق.
حدث تزاوج بين الآلهة، ولم يتم هذا الحدث دفعة واحدة. وأدى اتحاد أورانوس وجايا إلى كون أورانوس ظل فترة طويلة محبوسًا في جوفها، بحكم أن السماء كانت تغطي الأرض بالكامل، ولا تترك أي فراغ بينهما، وكان لا بد من حدوث شيء يسمح بخلق فراغ بين الاثنين، الأمر الذي يتيح إمكانية خروج ما أنجبا من أبناء، خروج تيتانوس TITANS وسيكلوبس CYCLOPES، وهما شعبان من العمالقة، أصحاب المائة ذراع. ولم يتراجع أورانوس من تلقاء نفسه، ولكن أُجبر على ذلك من طرف ابنه كرونوس، الذي قام بإخصائه. ولم يخلق تراجع أورانوس الفراغ اللازم فحسب، ولكنه خلق أيضًا مساحة من الزمن... فتمكنت الأجيال اللاحقة من الظهور والاتحاد مع بعضها، ثم إنجاب الأبناء والحفدة.
يعتبر فيرنان أن الحدث الرئيس في أسطورة ميلاد الكون هو لحظة حصول الفراغ، ثم انسياب الزمن. ومع تدفق المخلوقات، بدأت تتضح معالم الإطار العام للكون، أصبح هناك أرض وآلهة. ورغم ظهور هذه الملامح، فإنها لم تكتمل بإرساء نظام للعالم، يضمن عدم تداخل السلطات اللانهائية لسكانه، حتى لا تنطبق السماء على الأرض.
تترابط المعطيات المحددة لنسيج الأسطورة في خط فكري واحد: فالقوى الإلهية ترفض السماح لكائنات أخرى بالوقوف معها على قدم المساواة، وبالرغم من أن الكائنات تنبثق عن الآلهة، فإنها تختلف عنها في الطبيعة. وتتمثل هذه الحالة في إصرار "أورانوس" على الالتصاق كليًّا بـ"جايا"، ساجنًا بذلك أبناءه بأحشاء أمهم. أما كرونوس الذي هزم والده محررًا إخوته وأخواته، فهو إله غيور وقلق، وهو أول ملك حقيقي على الأرض، ولكن بالرغم من سلطانه فإن شعوره بالرعب من فقدان عرشه لازمه طوال حياته، مما دفعه إلى ابتلاع أبنائه، وقد اتبع في ذلك أسلوبًا مغايرًا لوالده، فقد اعتبر أن حبسهم في معدته هو أضمن طريقة للتخلص منهم باستعادتهم. إن المحرك الرئيسي لجميع هذه الأحداث هو فكرة الزمن؛ إنه يستهلك الآلهة الذين اكتشفوا مع الوقت أن سلطانهم يمكن أن تسلبه الأجيال الجديدة، كما أنه يجعل لفكرة الخلافة أهمية خاصة في الأساطير الإغريقية.
ميلاد البشر
يجيب فيرنان عن سؤال كيفية انفصال الآلهة عن البشر، انطلاقًا من المعطيات التي تستوعبها أسطورة بروميثيوس... فقد لاحظ وهو يعيد قراءة الأسطورة أن هناك لعبة تتكرر في كل فقرة من فقراتها. واللعبة المقصودة هنا هي لعبة الكشف والحجب، الإخفاء والإظهار... وقد تم انفصال البشر عن الآلهة في إطار هذه اللعبة. فبعد انتصار زيوس ZEUS على كرونوس CRONOS، شرع في تنظيم العالم، وذلك بتشكيل سلسلة متدرجة من المناصب والمراتب. وبدأ يقوم بتقسيم المسؤوليات والأدوار المختلفة بين الآلهة والبشر. كان ذلك بمثابة نهاية للعصر الذهبي للبشر، العصر الذي كانوا فيه يعيشون مع الآلهة في جزيرة مكونوس MEKONE، وهو عصر امتد من عهد زيوس إلى بروميثيوس.
قام زيوس بعد ذلك بجمع البشر والآلهة، وأحضر لهم عجلًا ليقدموه كذبيحة، مجاريًا في ذلك التقاليد الإغريقية، بما فيها تقطيع العجل وتقسيمه إلى جزأين، ينذر أحدهما للآلهة، والآخر للبشر. وقد حاول بروميثيوس، الإله الماكر والمعارض، خداع زيوس، فزيّف جزأي العجل المقسمين من طرف زيوس، وذلك بفصل عظام العجل بعناية وجمعها، ثم قام بتغطيتها بطبقة من الدهن، وتقديمها للآلهة، ثم قام بعد ذلك بجمع كل ما هو طيب من لحم العجل، ووضعه داخل جلد الضحية، حتى تنفر الآلهة من منظره، وأعطاه للبشر... فأصبحنا في النهاية أمام قسم شهي جدًّا، تعشقه العين، وهو لا يضم سوى العظم... وقسم مقزز، يخفي وراءه كل ما هو لذيذ... أدرك زيوس الخديعة، ولكنه انتظر حتى يرى إلى أي حد سيتمادى بروميثيوس في لعبته، وترك بروميثيوس زيوس يأخذ حصته من القسم الشهي... وانفجر في ثورة عارمة، مقررًا أن يجعل من قام بخداعه يدفع الثمن غاليًا.
انتقم زيوس من بروميثيوس، فصب غضبه على البشر، وحجب عنهم ناره الإلهية، النار الأبدية التي تعد مصدر حياتهم، وبالرغم من حصولهم على لحم العجل، فإنهم فقدوا النار التي كانوا يطهون بها. وكما حجب زيوس ناره عن البشر، حجب القمح عنهم أيضًا. وهكذا فإن ما فعله بروميثيوس، معتقدًا أنه يفعل الخير بالبشر، كان في الواقع أسوأ ما يمكن عمله. فقد أصبح على البشر أن يبذلوا مجهودًا كبيرًا للحصول على قوتهم، أصبح عليهم بذر البذور، وحصد الحصاد، وطهي الطعام، وذلك لأنهم لم يعودوا يملكون القوة الإلهية التي كانت تجنبهم الشعور بالجوع والتعب. أما القسم الثاني من العجل الذي يحتوي على العظام، أي الشيء غير القابل للتعفن في جسد الإنسان، فإننا نجد في التصورات الإغريقية أن العظام تمثل فيه الحياة، ذلك أن الآلهة لا تحصل على حياة الذبيحة، ولا تتغذى بها، إلا بحرق عظامها. أما البشر فإنهم عندما يأكلون لحم الذبيحة الشهي، لا يأكلون في الواقع سوى الجزء الميت منها، لذا فإنهم لا يبلغون درجة الشبع، فيتكرر جوعهم باستمرار...
لا يكتفي فيرنان بعرض أسطورة ميلاد البشر، كما وردت في أسطورة زيوس في صراعه مع بروميثيوس، بل يشير إلى وجود عدة نصوص لأسطورة ميلاد الرجل، من بينها نص يقول إن "بروميثبوس" إله النار هو الذي شكل الرجل والمرأة بنفسه، بينما نجد في نص "هزيود" أن الإله هيفايستوس HEPHAISTOS هو الذي يصنع باندورا من طين الصلصال. وهو يشير في كتابه إلى وجود نصوص أخرى لم يذكرها في كتابه، وورد بعضها في أعماله الأخرى: نصوص يشير بعضها إلى أن العالم بدأ بطوفان كبير، وأن الرجل والمرأة وجدا نفسيهما على قمة جبل معزول ومحاط بالماء. ثم قام الاثنان بجمع الحجارة وسارا إلى الأمام. ومع كل خطوة يخطوها كل منهما يقذف بحجر وراءه، فولدت حجارة المرأة نساءً وولدت حجارة الرجل رجالًا. وهو يعتبر أن نص هزيود هو النص المثالي لهذه الأسطورة، فهو يعتمد التراث الإغريقي، بالإضافة إلى أنه أدق النصوص من حيث الإنشاء والتركيب وأمتعها على الإطلاق. إنه يهتم بالعلاقات الداخلية لأجزاء النص المختلفة، ويوظفها جميعًا للتعبير عن مفهومه الخاص للوضع البشري. وهذا هو ما يسميه فيرنان في أعماله "البنية الثقافية للأسطورة".


تحميل المقال التالي...