}

المفتاح وآفاق المعرفة

سوسن جميل حسن سوسن جميل حسن 3 أكتوبر 2026
اجتماع المفتاح وآفاق المعرفة
لطالما كانت المفاتيح رمزًا للحقيقة التي تحرّر من الأوهام(Getty)

هو بحوزتنا من دون أن نراه، قد يكون معلقًا على خطاف في مدخل البيت، أو منسيًا في أحد جيوبنا، أو في درج ما. ننساه فلا نتذكره إلّا عند الحاجة إليه، ومع ذلك فهو الذي يحمي، هو الذي يفتح، وهو الذي يغلق، الذي يمنح، أو يأخذ. إنه وعد صامت، لا يمنح نفسه من دون طلب، ويا لقدرنا السيئ إذا نسيناه أو فقدناه؛ ما نشعر به يتجاوز معنى النسيان أو الفقدان، ربما هو الشعور بالعراء، أو فقدان الخصوصية والأمان الداخلي، وقد يكون الخوف من الانغلاق، الخوف على ما أقفلنا عليه وتوهمنا حمايته، أو ربما فرصة أضعناها. قد يشعرنا هذا الفقدان بفوضى تداهمنا، تهدّد وجودنا في عالم مرئي، فتزجّنا في فوضى أشد وطأة: فوضى دواخلنا اللامرئية. هذه الاستطاعة المكنونة والوعد الصامت هما كلّ قوته. إنه المفتاح.
للمفتاح سيرة طويلة ممتدة منذ العصور القديمة، ولم تنتهِ أو تنقطع بعد، بل ما زالت تتنوع وتثرى وتتعقّد وتحتدم مثل دراما تطول، حتى غادر المفتاح فضاءه الذي وُلد فيه، من شكله الأولي الذي طوّرته البشرية، من النماذج الخشبية التي اخترعها المصريون (القفل ذو المزلاج الساقط)، يتكون من مزلاج بسيط يتحرك بواسطة عصا، إلى أنظمة معقدة للدوران والحوامل. وقد طوره اليونانيون في القرن الخامس قبل الميلاد. ثمّ شكّل التحول إلى المعدن تقدمًا تكنولوجيًا كبيرًا، وكان الرومان، الخبراء في تشكيل المعادن والعمل على الحديد، يطوّرون هذه الاختراعات. حتى وصلنا إلى نماذج المفاتيح التقليدية في عصرنا الحالي، وكأنّ "سلالة" المفاتيح خضعت لمنطق التطوّر وفق النظرية الداروينية. هذه الأدوات لا تُستخدم لتأمين الأبواب وحسب، بل تحمي أيضًا الصناديق والأثاث والممتلكات الشخصية، مما يعكس مستوى المهارة الفنيّة للحدادين وصانعي الأقفال عبر القرون، وأهمية وظيفتهم الاجتماعية. إنّ فهم هذه السردية المهمة من تاريخ الإنسان يحتاج إلى فهم تطور أنظمة القفل منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث، ومراقبة التغيرات التكنولوجية والاجتماعية المتعلقة بالأمان.
إلى أن بلغنا عصرنا الحالي، عصر الثورة الرقمية، والمفاتيح الرقمية التي تنطوي على "الجينات" الخاصة بالمفتاح: القدرة أو إتاحة الدخول. هذه المفاتيح وحدها تتيح لنا التعريف بأنفسنا بأمان للحصول على الخدمات العامة عبر الإنترنت، ومن خلال المنصات التي لم تعد تُعدّ، المتاحة لنا وفي غالبيتها صارت لا بدّ منها، لا نستطيع الاستغناء عنها، إنها ما يُسمّى: الكود، أو الباسوورد، أو كلمة المرور. وصرنا معها، ولكثرتها، خاصة تلك المفاتيح "الشخصية" كحساباتنا في البريد الإلكتروني، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، أو في التطبيقات الفردية، بأمسّ الحاجة إلى تدوينها في محافظ خاصة أو مواقع فائقة الخصوصية كي لا ننساها، أو تتعرض للقرصنة والسرقة فنصبح مكشوفين مهدّدين بممتلكاتنا المادية والمعنوية، بل بحياتنا السرّية. وفي الواقع نحن مكشوفون ونعيش وهم الخصوصيّة وامتلاك مفاتيحنا ليس أكثر، فهناك في ركن ما، غامض، من يسود على حياتنا، يملك فضاءاتنا وأبوابها ومفاتيحها، يحرّكنا من مكمنه في عالم لا ندركه؛ لا نعرف من هو، بل من هم؛ كل ما نعرفه أنهم يجلسون في محترفاتهم المجهولة، يحيكون خوارزميات حياتنا؛ إنه "الأخ الأكبر" الذي لا نراه.
للمفتاح رمزيته المتنوعة لدى كل الشعوب والثقافات، وفي مختلف الأزمنة، كان، وما زال، يُنظر إليه على أنه يفتح، يغلق، يحمي، يكشف، يجسّد سلطة صامتة بينما نتوهّم أنّنا نملكه فلا حياة له من دوننا. مثل وسيلة للانتقال بين عالمين.

ما زال المفتاح الفلسطيني يُورَّث عبر الأجيال في مناطق النزوح واللجوء (Getty)


هو العبور، الوصول إلى المخفي، هو مالك اللحظة التي يمكن أن يتغيّر فيها كل شيء، بل كانت المفاتيح القديمة مرتبطة بالمعرفة الباطنية والحكمة، وترمز إلى الوصول إلى تعاليم روحية عميقة، وكان الحكماء فقط هم الذين يملكون المفاتيح، فكان المفتاح أكثر من أداة لها وظيفة محدّدة، بل كان بالنسبة إليهم يمثل حق المعرفة وحراسة الأسرار الكونية.
وكانت المفاتيح تحمل قيمة ما أو رمزًا معينًا، بحسب شكلها أو معدنها، فالمفتاح الذهبي يرمز إلى الفتح نحو النور الإلهي والحقيقة الروحية بسبب اللون الذهبي المرتبط بالقداسة، أمّا الفضي فيرمز إلى الوصول إلى الحدس الروحي والحكمة الداخلية. والمفتاح المجنح يرمز إلى القدرة على الارتقاء فوق الهموم الدنيوية للوصول إلى علو الروح، إذ تشير الأجنحة إلى السمو والتحرّر، بينما يمثل المفتاح على شكل اليد الوصولَ إلى معرفة الذات. وأما المفتاح على شكل النجم فيرمز إلى النور الذي يبدّد الظلام وينير الطريق نحو الحكمة الإلهية. وهناك المفتاح على شكل القلب، يدلّ على المحبة بمستوياتها المتسامية وصولًا إلى محبة الإله. ويُعدّ المفتاح على شكل صليب رمزًا في المسيحية، إذ يُعدّ أعظم إنجاز للقديس بطرس هو أنّ يسوع أعطاه مفاتيح ملكوت السماوات، مما منحه القدرة على فتحها للأشخاص الذين يراهم مستحقين، وإغلاقها أمام الأشخاص الذين لا يستحقون حياة وراء أبواب الجنة، وإلى اليوم في الفاتيكان، يتلقى البابا مفاتيح متقاطعة كشعار لسلطته البابوية. كذلك لا يمكن إغفال مفتاح الـ "صول" وأهميته في الموسيقى التي يمكن أن تحمل في تأليفاتها كل المعاني السابقة وغيرها الكثير، حتى لو لم يحمل بحدّ ذاته معاني روحية أو رمزية خارج السياق الموسيقي، فهو عنصر أساسي لتأليف الموسيقى وقراءتها، وعمليّ بالنسبة للملحنين. كذلك مفاتيح المدن، ففي المدن المحصّنة القديمة، كان الضيوف والمقيمون المهمّون يحصلون على "مفتاح المدينة" بشكل رمزي، تعبيرًا عن منحهم حرية خاصة في التجوّل داخل المدينة والدخول إليها أو الخروج منها متى شاؤوا، بل حتى المدن عندما كانت تسقط، أو على وشك السقوط أمام الجيوش، كان حكّامها يمنحون مفاتيحها إلى قائد الجيش الغازي. وهناك مفاتيح حملت رموزًا أخرى، يمكن وصفها بأنها صارت أيقونة أو تميمة، لها علاقة بالوجود والهوية والتاريخ، والحق المنتهك والتهجير والحلم بالعودة، إنه "المفتاح الفلسطيني".

المفتاح الفلسطيني
ما زال المفتاح الفلسطيني يُورَّث عبر الأجيال في مناطق النزوح واللجوء. حتى إنّ الموجة الكبرى من النزوح عن الديار والوطن، بعد إعلان قيام دولة الاحتلال عام 1948، حمل أفرادها مفاتيح بيوتهم، ليس لأنها تذكرهم بماضيهم ومنازلهم وبلداتهم وقراهم ومدنهم فحسب، بل لما يحمل من سمات الحبل السري الذي يربط الجنين بأمه ويعزّز الحياة، من أجل حق العودة، من أجل الذاكرة التي يتعبها الانتظار، من أجل قضية الوجود. إنه المفتاح الذي شغل الجداريات والرسوم والنصب التذكارية والغناء والقصائد والروايات الفلسطينية. المفتاح الذي يصون الوعد بالعودة والحلم بالتغيير، كما في مسرحية "ناطورة المفاتيح" للأخوين رحباني وفيروز.

 المفتاح الذي يصون الوعد بالعودة والحلم بالتغيير (Getty)


هذه الأشكال من المفاتيح، بنموذجها الأولي المرتبط بسرديّته الإنسانية منذ ابتكاره، يمكن أن نعثر عليها في الآداب والفنون، بل وفي الأساطير القديمة، ففي الأساطير الرومانية، يانوس، إله البدايات والنهايات، يحمل مفتاحًا يرمز إلى المرور والتحولات. يتيح له رأسان رؤية الماضي والمستقبل، وكذلك السماء والأرض.
وفي "أليس في بلاد العجائب" لعالم الرياضيات الإنكليزي تشارلز لوتويدج دودسون، تحت اسم مستعار "لويس كارول"، لا يمكن أن ننسى مفتاحها الصغير الذهبي الذي يسمح لها بالدخول إلى عالم غريب وسحري. كان المفتاح بمنزلة بوابة إلى المجهول "المدهش"، ودعوة إلى استكشاف آفاق جديدة، مفتاح يفتح على آفاق الخيال والمعرفة. وفي "هاري بوتر" للكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، يمثل المفتاح المجنح الذي يجب على هاري الإمساك به من بين مجموعة من المفاتيح في مشهد "حجرة المفاتيح"، الجهد والمثابرة اللازمين لتجاوز المراحل المهمة في سعيه.
كذلك تحضرني شخصية الخادم "باسبارتو" وتُكتب بالفرنسية "Passepartout"، للكاتب الفرنسي جول فيرن، والتي كانت مقرّرة في منهاجنا المدرسي لمادة اللغة الفرنسية عندما كنت في المرحلة الثانوية، إذ تعني العبارة التي ألحقها المؤلف بهذه الشخصية "يمرّ عبر كل شيء"، وهذا يُذكّر بالمفتاح المسمى "ماستر" وهو يمتلك خاصية تقنية وتصميمًا يجعله يفتح مجموعة واسعة من الأبواب، ما يزال مستخدمًا وله وظيفة مهمّة إلى اليوم. وتميزت شخصيته بالمرونة والقدرة على التكيف مع مجمل الظروف والمواقف، كان كثير الحركة ويتصف بروح الفكاهة، شخصيته بالمجمل تعكس رمزية اسمه، القادرة على عبور كل المواقف.
لقد انشغل الفلاسفة والمصمّمون وعلماء الاجتماع والجريمة والمحللون النفسيون، ومفسّرو الأحلام، وكثير من اختصاصات مختلفة، بأمر المفتاح ومفهومه وأبعاده الرمزية، بل صيغت أمثال شعبية عنه أو بمدلوله، تحمل قيمًا معرفية وأخلاقية وغيرها، ويمكن أن تساهم في الثقافة والأعراف، كالمثل القائل: الصبر مفتاح الفرج، أو ذاك الذي يقول: مفتاح البطن لقمة. وغيرها الكثير، ورمز المفتاح للقلوب شائع أيضًا، كأغنية فريد الأطرش "قلبي ومفتاحه همّ ملك إيديك"، لما يحمل رمز مفتاح القلوب من حب ووفاء وإخلاص، ووهب النفس للحبيب. ومن الشائع أيضًا تعليق المفتاح على الصدر أو في مكان خاص من البيت كأيقونة، أو تميمة، أو إهداء حمّالة المفاتيح بين الأشخاص وفي المناسبات.
لكن يبقى من أهم مدلولات المفتاح ورمزيته هو ذلك المعنى الرئيسي الذي يلتصق به: فتح المغلق، أو امتلاك بداية الحلّ، أو فك الغموض... إلخ. وهذا يدلّ على أمرين أساسيين، أولهما العقل، وثانيهما الحدس. وعلى ذلك فإنّ المفتاح الذي يشكّله العقل لاقتحام أي فضاء غامض أو مغلق يحتاج إلى تراكم خبرات ومعارف وتمرين على الاستقراء والسؤال من أجل وضع تصوّر ما لمفتاح يحلّ المشكلة، إن كان على الصعيد الفردي أو الجماعي؛ على هذا الأساس ينبني السؤال حول الشعوب وكيف تصوغ مفاتيح مستقبلها. إنّ المفتاح لا يتفعّل إلا بالإرادة، هو كامن وصامت، فالشعوب التي تريد تحطيم جدران قواقعها، وترنو إلى كسر القفل الذي يحبسها في الماضي، يلزمها أن تقرأ واقعها وماضيها في الوقت نفسه، وأن تكون لديها الإرادة والتطلع نحو المستقبل. لطالما كانت المفاتيح رمزًا للحقيقة التي تحرّر من الأوهام، والعدالة التي تعدّ ركنًا أساسيًا في الطمأنينة والاستقرار.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.