}

بين المقدس والغرائبي: الخرافة والحكاية الشعبية في التراث اليهودي

أحمد الجندي أحمد الجندي 11 فبراير 2026
إناسة بين المقدس والغرائبي: الخرافة والحكاية الشعبية في التراث اليهودي
قصة خلق "الغولم" أبرز الخرافات اليهودية (Getty)


تُظهر القصص والحكايات الشعبية التي تداولها اليهود عبر العصور وجهًا مختلفًا لليهودية، وجهًا لا يظهر في النصوص التشريعية ولا في الجدل الفقهي، بل يتكشف في الهامش السردي حيث يختلط المقدس بالغرائبي، والعقيدة بالخرافة، والحكمة بالسذاجة. هذه القصص لا تمثل الدين كما صاغه الحاخامات، بل كما تخيله الأشخاص العاديون، وكما احتاجوه في حياتهم اليومية، ولهذا فإن قراءتها على أنها أدب بريء أو تعبير إيماني خالص قراءة مضللة. فهي في جوهرها وثيقة أنثروبولوجية تكشف عن آليات التفكير الشعبي، وعن الطريقة التي يتحول بها الدين إلى مادة تخييلية مرنة قابلة للتضخيم والتبسيط، فتصبح قابلة للتداول الشعبي.

يتجذر حضور الخرافة في الفكر اليهودي منذ أقدم طبقاته النصية، بداية من العهد القديم؛ حيث حكايات برج بابل، والصراع مع الرب، وقوة جدعون وشمشون الخارقة، والوحوش الأسطورية بهيموث ولوياثان، مرورًا بقصص التلمود، كتلك التي تحكي عن قيام أحد أحفاد يعقوب بقطع رأس عيسو، حين حاول الأخير منع دفن جثمان أخيه يعقوب إلى جانب أجداده، فتدحرجت الرأس لتُدفن في نفس القبر (سوطاه 13أ)، أو تلك التي تتحدث عن كائن حي خرافي يُسمى الشامير، يشبه الدودة، هو من كان ينحت حجارة الهيكل لسليمان (سوطاه 48ب)، أو كائن خرافي آخر "حُول/العنقاء" ذكره سفر أيوب، يشرح التلمود أنه مُنِح حياة أبدية بفضل بركة نوح، مكافأة له على عدم طلبه الطعام حين كانوا في الفلك وقت الطوفان (سنهدرين 108).

ومن هذا التراث التوراتي والتلمودي، انتقل الخيال الخرافي إلى الأدب المدراشي، الذي امتد زمن كتابته إلى ما بعد عصر التلمود، وبلغ درجة أعلى من التنظيم والتكثيف الرمزي، ولعب دورًا محوريًا في تشكيل الحكاية الشعبية اليهودية. لا يكتفي المدراش بسرد الحكايات التوراتية القديمة، بل أعاد إنتاجها بوصفها تفسيرًا موسعًا لملء فجوات النص التوراتي، يمنحه أبعادًا أسطورية جديدة. فجوات فسّر بعضهم معناها بما سكت عنه النص، ما استدعى تفسيرًا من القارئ لفهم ذلك المسكوت عنه، أو إكمال الحبكة والشخصيات بطريقة ذات معنى. غير أن آخرين وسّعوا نطاق مصطلح "الفجوات" ليشمل أي عنصر آخر لبناء حكاية متماسكة، فاستوعب بذلك ما تضمنته النصوص التوراتية من تكرار وتناقضات اعتقد كُتّاب هذا الأدب أن تفسيرهم لها سيزيل اللبس. ما يعني أن الهدف من القصص المدراشية لم يكن مجرد توضيح المعنى الحرفي للنص، بل أيضًا الكشف عن دلالاته الباطنية وربطه بالحياة اليومية لليهود. ولهذا يكثر الأدب المدراشي من تناول حياة الأنبياء وصراعاتهم وتجاربهم وتعرّضهم للابتلاء، في صياغات أقرب للعامة والبسطاء، بما يسمح بترسيخ النموذج الديني المنشود.[1]

وهكذا يُظن أن حل مشكلات النص عبر هذه المحاولات التفسيرية كان نتيجة افتراض بأن شيئًا قد حُذف من النص، وأن استعادة هذا الشيء تحدث حين يبذل القارئ/المفسّر جهدًا من أجل ذلك. وهنا تحديدًا ابتكر الحاخامات القدامى مقولتهم المشهورة: "هذه الفقرة تصرخ: فسِّرني"، واستحضرها تلاميذهم فيما بعد.[2] غير أن المدراش، في كثير من نماذجه، لا يكتفي بالتفسير، بل يخلق عوالم سردية كاملة تتجاوز النص الأصلي. فالتوراة، بنصها المقتضب في سياقات محددة، تترك مساحات واسعة للصمت، وهنا يتدخّل الخيال الشعبي ليحوّل الإيجاز إسهابًا، والرمز حكايةً، والسكوت تفاصيلَ مذهلة. تحكي إحدى الروايات المدراشية عن أن آدم خُلق في البداية خنثى ذا وجهين، فهكذا فهم كتّابها العبارة التوراتية "ذكرًا وأنثى خلقه ودعاه آدم"، ثم شقّه الرب وجعل له ظهرين فأصبح جسدين منفصلين. وتضيف الحكاية نفسها أن آدم حينما خُلق كان كتلة هامدة عملاقة تملأ العالم من أقصاه إلى أقصاه، حتى أخطأت الملائكة فحسبته إلهًا، فكاد ذلك أن يخلق فتنة كونية، فألقى عليه الرب النوم فعرفوا أنه إنسان. وفي مشهد آخر نظر الرب لمستقبل آدم فوجد من نسله صالحين وطالحين، فاحتار الرب قائلًا: "إن خلقته، سيكون من نسله الأشرار، وإن لم أخلقه، فكيف يخرج الصالحون؟ فماذا فعل الرب؟ أخفى طريق الأشرار من أمامه"، فهكذا فهموا عبارة المزامير 1: 6 (لأن الرب يعلم طريق الأبرار، أما طريق الأشرار فتهلك)[3].

لا تُروى هذه الحكايات بوصفها وسيلة رمزية، بل تأتي في سياقات تُصوَّر على أنها حقيقة فعلية. وهكذا يتجلى بوضوح كيف تتحول الحاجة إلى تعظيم الإنسان الأول إلى بناء أسطوري كامل، حتى وإن جاء ذلك على حساب صورة الإله ذاته.

لم تكن هذه النزعة إلى التضخيم استثناءً، بل نمطًا متكررًا. فالأنبياء في القصص الشعبية اليهودية نادرًا ما يظهرون بشرًا عاديين اصطفاهم الله، بل يُعاد تشكيلهم باعتبارهم كائنات استثنائية، أقرب إلى الأبطال الأسطوريين. إذ لا يُقدَّم موسى، مثلًا، على أساس تلقيه الشريعة فحسب، فجرى وصفه شخصًا قادرًا على مجابهة الملائكة، والتحاور المباشر مع الرب، بل والاعتراض أحيانًا عليه، فبدا وكأنه شريك في القرار الإلهي، لا مجرد منفّذ له. ويثير هذا القرب المفرط من المقدس دهشة القارئ الحديث، لأنه يذيب الحدود التي يُفترض أن تفصل بين الإله والإنسان، ويحوّل العلاقة من خضوع للرب إلى نوع من الندية التي أنتجتها طريقة السرد. ربما لا نستطيع أن نؤكد إن كان مثل هذا التوجه محاولة لجعل المقدس أقرب وأقل رهبة، لكنه يكشف عن منطق ساذج في تصور طبيعة الإله، الذي لا يبدو كيانًا متعاليًا بالمعنى الفلسفي في هذه الحكايات، بل شخصية فاعلة داخل القصة، تغضب، وتتناقش، وتُراجع نفسها. وهو تصوير لا ينبع من تأمل فكري وديني عميق، بقدر ما هو انعكاس لخيال شعبي يُسقط خبرته الإنسانية على المطلق.

من هذا التراث التوراتي والتلمودي، انتقل الخيال الخرافي إلى الأدب المدراشي


ما تضمّنه الأدب المدراشي أسهم في تمهيد الطريق أمام التصورات الصوفية الأكثر تعقيدًا في القبالاه التي بدأ ظهورها في القرن الثاني عشر، حيث تحولت الخرافة إلى منظومةً ميتافيزيقية شاملة، وأصبح يُنظر إلى اليهودية في جميع جوانبها على أنها نظام من الرموز الصوفية تعكس سر الله والكون، والعلاقة بين الإله اللامتغير والسرمدي، ومخلوقاته المحدودة المتهالكة. في هذا الإطار كان على رجال القبالاه اكتشاف مفاتيح فهم هذه الرمزية أو اختراعها، علاوة على تفسير المخاطر والتناقضات، الداخلية والخارجية، الناتجة عن تحقيق الهدف المشار إليه.[4] 

هنا تبلغ الخرافة ذروتها من حيث التعقيد الرمزي والبعد الغيبي، بل والقدرة الإنسانية شبه المطلقة. فيُصوَّر الكون بنية روحية متعددة الطبقات، تتفاعل فيها العوالم العليا والسفلى من خلال شبكة دقيقة من القوى والأنوار والأسرار الإلهية، وتنتشر حكايات عن التجليات الإلهية وتناسخ الأرواح، ما يخلق تصورًا ميتافيزيقيًا يتجاوز الفهم العقلاني للعالم، وهو تصور لعب دورًا كبيرًا في تعزية الجماعات اليهودية في فترات الاضطهاد، ووفر لها أفقًا رمزيًا يرى في الألم والمعاناة جزءًا من مخطط كوني أوسع.

في هذا السياق تأتي قصة خلق "الغولِم/Golem" لتكون أبرز الخرافات اليهودية التي تنتمي إلى الأدب الصوفي اليهودي، تلك القصة التي اكتسبت شهرة واسعة عن ذلك الكائن المصنوع من الطين، والذي يُقال إن أول محاولات خلقه تعود لحاخام عاش بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وترجّح أخرى أن أحد كبار حاخامات براغ في القرن السادس عشر هو من قام بخلقه من الطين لتوفير الحماية لليهود من الاضطهاد، وكان يبث فيه الحياة أو ينزعها عبر طقوس سحرية وأسرار قبالية تتضمن حروفًا عبرية مكتوبة بطريقة معينة. ثمة روايات أخرى لتلك الخرافة بالطبع، تعكس، على اختلاف مصادرها، قلقًا إنسانيًا عميقًا إزاء حدود القدرة البشرية، وتطرح تساؤلات فلسفية حول العلاقة بين الخالق والمخلوق، والسلطة والمعرفة، والمسؤولية الأخلاقية المترتبة على امتلاك القوة غير المحدودة.[5] 

وحديثًا، تجاوز تأثير هذه القصة إطارها الديني فوُظِّفت في الأدب والفن وعديد الأعمال السينمائية، حملت ثلاثة منها على الأقل الاسم غولِم/Golem. أما أشهرها فربما يرتبط، حسب رأي بعضهم، باسم شخصية غولوم/سميغل، في فانتازيا "سيد الخواتم" التي كتبها جون ر. ر. تولكين وتم تحويلها إلى ثلاثية الأفلام الشهيرة "Lord of the Rings".

وقد وصلت النزعة إلى الخرافة ذروتها في الحكايات الحسيدية في القرن الثامن عشر، والتي تمثل الصيغة الشعبية للقبالاه، حين أعادت توظيفها اجتماعيًا مع تركيز واضح على الحياة الروحية الداخلية للفرد، فتحولت المعجزة إلى عنصر يومي معتاد. فالحاخام الحسيدي في هذه الروايات لا يصنع المعجزة لتحقيق غاية أخلاقية كبرى، بل لحل مشكلات بسيطة كالعثور على مال ضائع، أو شفاء صداع... إلخ. وعادة ما تُروى هذه المعجزات بنبرة احتفالية خالية من أي تساؤل نقدي، وكأن الخارق أصبح جزءًا من النظام الطبيعي للأشياء. 

والحقيقة أن هذا الإفراط في الغرائبي لا يثير الإعجاب بقدر ما يثير الشك، إذ يبدو وكأنه يعكس حاجة نفسية إلى الشعور بالسيطرة على عالم هش، أكثر مما يعكس إيمانًا ناضجًا.

وغالبًا ما تكون المعجزات المتداولة بين كبار الحسيديين اليهود نابعة من فكرة حلول الرب فيهم، ففي هذا السياق ينهمر سيل من قصص الخرافة؛ من ذلك ما اشتهر حول تنافس قادة الحركات الحسيدية في إنكار رغباتهم الجنسية، والعيش بعيدًا عن زوجاتهم "لأن الرب إذا شاء أن تحمل العذراء حملت"، حتى إن الحاخام يسرائيل بن أليعازر، المشهور في التراث الصوفي اليهودي باسم "بَعَل شيم طُوف"، لما ماتت زوجته وعُرض عليه الزواج من أخرى، سألهم: "لماذا أحتاج زوجة؟ وقد امتنعت عن معاشرة زوجتي طوال الأربع عشرة سنة الماضية، وقد وُلد ابني هيرشل من خلال الكلمة".[6] 

ومن ذلك أيضًا ما يُحكى عن تلقي بعل شيم طوف التعاليم الباطنية من أحِيّا الشِّيلوني، أحد أنبياء بني إسرائيل بين القرنين العاشر والحادي عشر ق. م.، حين تنزَّل عليه وأمره أن يتجلى للعالم، ويعلن دعوته.

مثل هذه المعجزات، أو القصص الخرافية أو الحكايات الشعبية، تنبع أساسًا من طبيعة القائد الصوفي عند الحسيديين؛ فهو قائد ديني يمثل حلقة الوصل بين الفرد اليهودي والإله. وهنا لا بد من التمييز بين طبيعة الحاخام في اليهودية التقليدية والصِّدّيق لدى الحسيديين؛ فبينما يُعيَّن الحاخام في مهمته على يد ممثلي الطائفة بشكل رسمي، وتكون مهمته رسمية وفق عقد بين الأفراد، فإن الصِّدّيق "يتجلى" ويصعد لمكانته بصورة طبيعية، وعلى كل الحسيديين التابعين له الإيمان به وبمكانته وقوته إيمانًا لا يتزعزع، بل وفي بعض الأحيان دعمه بالمال اللازم. وقد خلعت الحسيدية على الصِّدّيقين قوى عليا غير طبيعية، وحظرت التشكيك في أعمالهم؛ حتى إن كتاب "هاتانيا/تعلّمنا"، وهو الكتاب الرئيس عند حسيديي حباد، على سبيل المثال، اعتبر الصِّدّيق قائدًا فذًّا لا يخطئ أبدًا، لا في فكره ولا في كلامه ولا في أفعاله، حتى إن أتباعه يقدّمون له مبالغ مالية "فداءً للنفس" والتكفير عن الذنوب، أو طمعًا في الالتصاق به. وهكذا تكشف هذه القصص عن بنية ذهنية تميل إلى الشخصنة، إذ لا تُنسب القوة إلى نظام أخلاقي أو عمل جماعي، بل إلى شخص واحد يمتلك سرًّا أو قدرة خاصة. هذا النمط السردي يُنتج تبعية عاطفية للحاخام، ويجعل التدين علاقةً زبائنية، ينتظر فيها المؤمن حلًّا، ويقدّمه الصِّدّيق.

وخلاصة الأمر، أنه لا يمكن فهم الخرافة في القصص الشعبية اليهودية بوصفها انحرافًا طارئًا، بل باعتبارها جزءًا من آلية ثقافية أوسع تمتد عبر النصوص اليهودية منذ أقدم لحظاتها، لكن باختلاف مستوى الخرافة وحجمها، حاولت الجماعة من خلالها ملء الفجوات وتخفيف وطأة القلق، وتفسير عالم مضطرب ومنحه معنى، ولو كان قائمًا على العجائبي. غير أن هذه الوظيفة، رغم ذلك، لا تعفي من المساءلة النقدية، خصوصًا حين تتحول الحكاية الشعبية والخرافة من إطار رمزي إلى حقيقة مطلقة، ومن وسيلة تعزية إلى أداة سلطة قد يصبح الخيال معها عائقًا معرفيًا.



[1] - D. Boyarin: Intertextuality and the reading of the Midrash. Bloomington: Indiana University press, 1990. p. 41 - 57.

[2] - Ibid: p. 41.

[3] - H. Freedman: Midrash Rabba.  London: The Soncino Press, 1939. p. 54, 57, 60.

[4] - Gershom Scholem: Kabbalah. In Encyclopedia Judaica, vol. 11. 2nd ed, Thomson Gale, New York 2007. p. 588.

[5] - M. Idle: Golem, Jewish Magical and Mystical Traditions on the Artificial Anthropoid. Albany: State University Press, 1990. p. 51-79.

[6] - Ben-Amos, Dan and Jerome R. Mintz: In Praise od Baal Shem Tov. Bloomington, Indiana University Press 1970. P. 77.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.