}

السّمات المشتركة في عمارة المدينة العربية

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 14 فبراير 2026
عمارة السّمات المشتركة في عمارة المدينة العربية
الدوحة بجزرها وفخامتها المعمارية
مثلما تتشارك مدن عربية كثيرة في مشاهد الدمار الذي غيّر جوهر معالمها، وقوّض جزءًا من تاريخها وذاكراتها، كذلك تفعل في عمارتها وهندسة مبانيها، حيث تلتقي مدن عربية كثيرة، أيضًا، في سماتها العمرانية، وروحها المعمارية، مرتكزةً جميعها على تاريخ حضاريٍّ حضريٍّ مشترك، وعلى ثقافة معمارية مستندة إلى روحانية الرسالة، وعمق علاقة الأرض بالسماء. فحين تعرض لنا الفضائيات صورَ الدمار في حلب، على سبيل المثال، نتذكّر من فورِنا ما تعرّض له قطاع غزّة من دمار، وهو الأمر نفسه حين نشاهد بكل الأسى ما تحمّلته الضاحية الجنوبية في بيروت من زوال عمران، فإذا بنا نذهب في وعي آلامنا ولا وعيه نحو دمار مشابه تعرّضت له غوطة دمشق مثلًا، أو ما تكبّده حي الوعر الحمصانيّ من قتْلٍ مجرمٍ لحجارة بنيانهِ وأركان وجودِه. وقد يأخذنا هذا الوعي المقارِن إلى مدن سودانية، أو يمنية لم ينسَ الدمار أن يأخذ قسطه منها. وفي كل هذا وذاك يجرّنا وعينا المحاصر العنيد نحو حقيقة لا لبس فيها: أن وحدة مدننا العربية في الخراب والدمار مردّها إلى وحدة العدو الذي يستهدف عمارتنا ومفردات حياتنا؛ إنهما عدوّان لا ثالث لهما: الطغاة والغزاة، وكما قالها لي مرّة عجوز حكيم: الطغاة يجلبون الغزاة، على أن غزاة فلسطينِنا من العصابات الصهيونية لم يجرّهم طغاتنا فهم أيامها كانوا قلّة، بل جلبهم إلى بلادنا الاستعمار الغربي الحاقد على تاريخنا، الكارهُ لمنجزاتِنا، الحريصُ على عدم نهوضِنا من جديد واستئنافِنا تشييدَ مباهجَ عمارتِنا وأركان نضارَتنا.
زمان... كنّا نسمع ممّن حولنا أن نابلس، على سبيل المثال، تشبه دمشق في كثير من تفاصيلها، وأن "أرض الديار" وما يتوسّطها من (بحرة) وينتشر فيها من شجرٍ وعطرٍ وياسمين، مفردة معمارية يمكن أن تجدها في بعض بيوت نابلس كما هي حال انتشارها الواسع في البيوت الشامية العتيقة العريقة. وزمان... كنّا نتخيّل أن بعضًا من مدينة فاس المغربية، على سبيل المثال، أو مراكش، أو قسنطينة الجزائرية، سافر إلى الأندلس، أو العكس. صحيح، إلى حد كبير، ما سمعناه، وصحيح، حتمًا، ما تخيلناه. كيف لا ونحن نتحدث عن العمارة العاكسة في مفرداتها وسماتها وخصائصها أهم عناوين التاريخ المشترك، والبيئة المتقاربة، والقيم الواحدة، وكذلك العادات والموروثات وحتى الخصائص النفسية والمورفولوجية، علاوة على التقارب المُناخي، والتشابه التضاريسيّ. صحيح أن الأمر لا يخلو من تباين ما بين المدن العربية الآسيوية (الدائرة في فلك ما يسمونه رغم أنوفنا: الشرق الأوسط)، وبين المدن العربية الأفريقية (الدائر بعضها، أيضًا، داخل المسمّى نفسه الذي تصر الدول الاستعمارية على أن تطلقه على مناطق أمّتنا: الشرق الأوسط).

المشترك في العمارة العربية 

ولكن مهلًا، هل هناك ما يمكن تسميته: عمارة عربية؟ بعضهم يقول نعم هناك ما يمكن إدراجه، معماريًا، تحت مسمّى: عمارة عربية، رائيًا أنها العمارة التي "ظهرت وتطورت في العالم العربي الإسلامي عبر العصور، وتمتاز بأساليب وفنون شكّلت هوية بصرية ووظيفية مترابطة، سواء في المساجد والقصور، أو الأحياء السكنية والأسواق". أصحاب هذه النظرية لا يتوقفون هنا، بل يورِدون في سياق تأكيدهم وجود مثل هذه العمارة سِماتٍ جامعة لها مثل: التناظر والتوازن، وجود فِناءٍ مركزيٍّ (بهو)، المساحات المظلّلة والممرّات الضيّقة، وغيرها من السمات. كما أن الأسواق المسقوفة (الخانات) والأسوار والبيوت المتحادِبة (المتعاضدة/ المتلاصقة) مع جيرانها من بيوت الحي والزقاق وسمات أخرى كثيرة هي مما يميز عمارة كثير من المدن العربية من المحيط الهادرِ إلى الخليج الثائرِ.

تأثير الأبيض المتوسط
شرقَ البحر الأبيض المتوسط كثيرٌ من مدننا العربية: غزّة وعكا ويافا وحيفا والناقورة والإسكندرية والطرابلستان (الغرب الليبية والشام اللبنانية) ومصراتة واللاذقية وطرطوس وصور وبيروت وطنجة والجزائر العاصمة وعنّابة وتلمسان والحمّامات وسيدي بوسعيد وسوسة وتونس العاصمة وغيرها... وغيرها... إضافة، طبعًا، لمدنٍ متوسطيّة غير عربية ولكنها تشترك معنا في تاريخ المدِّ الإسلامي مثل مدن أنطاليا وأضَنَة ومرمريس ومرسين التركية، إضافة إلى معظم مدن ألبانيا التي ترتبط ببحرنا الأبيض المتوسط من خلال البحر الأيوني (أحد أفرع البحر الأبيض)، وجزء صغير من البوسنة والهرسك (وتحديدًا مدينة نيوم البوسنية التي ترتبط ببحرنا عبر فرعه الأدرياتيكي) وغيرها. على كل حال سوف لن نخوض كثيرًا بسمات عمارة البحر الأبيض المتوسط حيث كان لنا معها جولة من خلال مادتي المنشورة في "ضفة ثالثة" بتاريخ 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، تحت عنوان: "عمارةُ البحر... عَبَقُ المراكب وفِتْنَةُ الطَّريقِ السّاحليّ"؛ وفيها أوضح المعماري الأردني والوزير السابق د. كامل محادين أن من أهم سمات عمارة البحر الأبيض المتوسط: المقياس الإنساني؛ يقول محادين حول هذه السمة: "إنها عمارة هادئة، غير مكلفة، مكتظة بالتفاصيل الأخاذة (السهلة الممتنعة)، المتقاطعة مع عبق المراكب، وأجواء الصيادين، وهيلا الركوب الصباحي، وأمواج البحث عن الرزق". ومن سماتها إلى ذلك اللون حيث "الأبيض، الأزرق والأخضر ألوان أساسية في عمارة البحر المتوسط". "العمارة التكعيبية في التكوين والتحجيم" تشكّل، بحسب محادين، علامة جامعة لمختلف مناطق البحر الأبيض المتوسط، كونها "تتبع جميعها لمنطقة مناخية واحدة، إضافة للعمارة المبسّطة". التعامل المبسّط مع الحجر، استعمال القرميد، أو الخشب للأسقف والسطوح لمواجهة تساقط الثلوج، استخدام لونٍ مميز accent color، جاذبٍ attractive color: إطار شباك لونه أحمر على سبيل المثال، التعامل البهيّ مع النباتات والأشجار الحرجية والعطرية (السرو العموديّ والبرتقال والعنب والزيتون واللافندر (حصى البان) والمجنونة والخبيزة وغيرها)، هي، إلى ذلك، من سمات عمارة البحر الأبيض المتوسط المتميزة بخلوّها من الارتفاعات الشاهقة ومن تفاقم القياسات.

حارة دمشقية قديمة 


أما الأهم في عمارة المتوسط، بحسب محادين، فهو "توالي الحضارات عليه"، فقد تعامل الأبيض المتوسط مع "تسع حضارات، بدءًا من الفراعنة، مرورًا بالحضارة الإغريقية، الرومانية، الخلافة الإسلامية وتشمل الفاطمية والمملوكية والعثمانية، ثم العمارة الأوروبية. تراكمات حضارية لوّنت هذا العمق البالغ حوالي 50 كيلومترًا من الساحل نحو الداخل، بمفرداتٍ معمارية اكتسبت طابعها من حضارة إلى أخرى، شملت الأقواس وباقي الطرز المعمارية المتلاحقة. حضارة تضيف لِما قبلها وتبني على هذه الإضافة".

تأثير الحضارة الإسلامية
المشربيات والفتحات المشابهة والشرفات المحصّنة المنيعة... الزخارف الهندسية والنباتية والنقوش حول الأبواب والمقرْنصات والحنيّات والعُقود والأقْواس المزدوجة والحصينيّة والمتكرّرة وغيرها... التركيز على التكرار والنّمط بديلًا عن رسم الوجوه والكائنات... الزليج (قِطَع بلاط صغيرة ملوّنة تتشكّل منها رسومات هندسية دقيقة لزينة الحوائط والأحواض، والزليج كلمة عربية أصلها زلَيِّجة وتعني الحُجرة الصغيرة المصقولة، وهو نمط معماري يُستخدم كثيرًا في المغرب العربي)... الاستفادة من جماليات الخط العربي وانسياباته وروحانية بعض أنواعه... البساطة والتجرّد... انتشار الدواوين والأحواش وصحون البيوت... هذه وغيرها من تأثيرات الفكر الإسلامي على عمارة كثيرٍ من البيوت العربية، من دون التطرّق للعمارة الدينية الخالصة المتعلّقة بالمساجد والزوايا والتكايا وما تحتوي عليه من قبابٍ ومآذِن ومنابِر وفضاء واسع، والعمارة الحضرية مثل الحمّامات العامة والحدائق الوارفة والسواقي والطواحين والأسابِل (سبيل الماء) وما إلى ذلك... وفق ما تقدم، فقد أسهمت بعض تعاليم الدين الإسلامي في تحديد بعض معالم البيت العربي، خصوصًا ما يتعلّق هنا بجعل غرف الضيوف وأجنحة العابرين مستقلة، إلى حد كبير، عن باقي مفردات البيت/ الدار، كما أسهم الوعي المتعلق بتحديد مظاهر الاختلاط وتقنينها وإخضاعها، في تقسيم غرف البيوت وأجنحتها (في حالة البيوت الكبيرة والفلل والقصور) وصولًا إلى تخصيص غرف خاصة بالحريم (الحرملك). أما وحديثنا ينصب بمعظمه على بيوت الناس العاديين فقد انحسر التأثير الديني في التحكم بحجم النوافذ ووجهات انفتاحها وزوايا قدرتها على الإطلالة المتوارية، والألوان المحتشمة، ولاحقًا، بات من الضروري أن تحتوي كل نافذة على (أباجور) إضافة، طبعًا، للستائر، وهو ما تشترك فيه نوافذ معظم المدن العربية، خصوصًا مدن بلاد الشام والخليج العربي.

دمشق... نابلس
المشترك في عمارتيّ نابلس الفلسطينية ودمشق السورية مضافة إليهما مدينة السلط الأردنية، يعد من الأمثلة الساطعة على ملتقيات العمارة العربية وتقاطعاتها وتشابهاتها.

صورة تجمع رمزين لطرابلس الشرق وطرابلس الغرب 


في نابلس كما في دمشق، الواجهة الخارجية صامتة، قليلة النوافذ، والحياة الحقيقية تدور حول الفِناء الداخلي (الحوش/ الصحن/ أرض الديار/ النوفرة/ البحرة)، وكل هذا نابع من مفهوم الخصوصية وتأثيرات المُناخ والعوامل المتعلقة بالبنية الاجتماعية العائلية. يأخذنا ما تقدم إلى استنتاج مفاده أن البيت الدمشقي، وكذلك البيت النابلسي، وإلى حد بعيد البيت السلطي هو بيت منغلق على الخارج ومنفتح على الداخل، وهو، كما أسلفنا، حال معظم البيوت العربية المنجزة من أبناء حضارة تحض على هذه الخصوصية وتفرد أمام الوعي السائد أسبابها. وأمّا بالنسبة للفِناء الذي يشكّل مفردة رئيسية تتوزّع حوله باقي مفردات البيت، فهو عادة إمّا مربّع، أو مستطيل، وفي أحايين قليلة قد يكون دائريًا، تحيط به الغرف من جهاتِهِ الأربع، وتتوسّطه أحيانًا (وليس غالبًا) نافورة، أو جرن ماء (تحمل في سورية اسم البحرة)، وقد تزيّن الحوش/ الفِناء أشجار الليمون والنارينج، وتغطّيه دالية عنب. جدران البيت الخارجية في دمشق لا تشبه مثيلتها في نابلس، هنا يأتي دور المقارنة بين بيوت نابلس وبيوت السلط، فكثيرٌ من بيوت السلط شيّدت بحجارةٍ صفراء اللون كانت تجلب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى مطالع القرن العشرين من نابلس، وبالتالي فإن التشابه بين بيوت هاتيْن المدينتيْن الشاميّتيْن كبيرٌ وعَميم. حتى المشهدية العامة للمدينتيْن فإنها متشابهةٌ؛ نابلس البلد تقع بين جبليّ عيبال وجرزيم، والسلط تتكوّن من "حارة" و"أكراد"، أو (كراد) كما ينطقها السلطية، ومن جبلٍ ووادٍ، حيث "الحارة" التي تتوزّع الجزء الشمالي الشرقي من المدينة هي الجبل، و"أكراد" في الجزء الجنوبي الغربي هي الوادي، وتتربّع الحارة وميدانها المركزيّ وسط المدينة وأمكنة أسواقها وشوارعها الشهيرة وفي مقدمتها شارع الحمّام الذي لا يخفى الطابع النابلسي فيه وصولًا إلى ساحة العين حيث حطّت أولى العائلات النابلسية التي وفدت إلى مدينة السلط وأقامت فيها قبل 180 عامًا. وفي منطقة "الأكراد" يقع حيّ "السلالم" الذي تنتشر فيه بكثرة بيوت الحجارة الصفراء الآتية من نابلس. هذا لا يعني أن منطقة الأكراد تقتصر على الجزء المرتفع من مدينة السلط، لا بل تصل إلى الوادي ومن هنا جاءت تسمية ثانية للأكراد هي "وادي الأكراد"، وعمومًا تتشابك في المدينة المنطقتان (الحارة والكراد) فلا فصل جائر بينهما، وللحارة، وفق ذلك، نصيب من جبال السلط، كما للكراد نصيب من وِديانها. وفي مختلف تفاصيلها تلتقي السلط مع نابلس في كثير من سمات عمارتيهما، وكما في نابلس بيوت شهيرة مثل بيوت آل طوقان وآل عبد الهادي، كذلك في السلط بيوت شهيرة في مقدمتها بيت أبو جابر، وبيت طوقان أيضًا الذي شيّده بعض أفراد الأسرة النابلسية العريقة (التي منها فدوى وإبراهيم طوقان) قبل أكثر من 100 عام، وهو اليوم متحف من أهم متاحف المدينة. وأينما ولّيت وجهك فثمّة في السلط شقيقة نابلس ودمشق حِليةٌ، أو باب قديم، أو شباك موشّى بالزجاج الملوّن، أقواسٌ، وأعمدةٌ، والأصفر هو سيّد المدينة، والطراز المعماريّ يفرض، كما في دمشق ونابلس، هيبته على الزائر، خالقًا ألفةً دافئة، ورغبةً بالمشي من دون توقف بين أزقّتها، أمّا الأدراج التي يوجد مثلها في نابلس، وبكثرة في عمّان، ولا تكاد تُرى في دمشق، فهي شرايين السلط التي تصل بين الجبال وقلب المدينة بانسيابية. الحجر الكلسيّ نفسه، لكنه في نابلس أصفر، وفي دمشق بازلتيّ أسود. وعموم بيوت المدن الثلاث تخدم العائلة لا الفرد، غرف ضيوفها (برّانية) منفصلة، تقريبًا، عن باقي مفردات العقار، ومداخلها بدهاليزها وانعطافاتها وانكسار الضوء فيها، فإنها مداخل غير مباشرة، على أن الزخرفة في بيوت دمشق أوفر مقابل بساطتها في بيوت نابلس، مع حضور واضح للأبلق (تناوب الأسود والأبيض) في بيوت دمشق.

نابلس العريقة الجريحة 


في مختلف الأحوال تجمع عمارة نابلس وعمارة دمشق فلسفة معمارية واحدة تتعامل مع البيت بوصفه ملاذًا، وكيانًا أخلاقيًا، ومساحة لعائلة ممتدة، وسيرةَ حياة مكتوبة بالحجر الصامد في وجه الريح والزمن وأوجاع السياسة.

الدوحة والرياض
في سياق متّصل ومنْفصل، فإن المشترك الذي قد تلتقي حوله عمارة العاصمة السعودية الرياض مع العاصمة القطرية الدوحة، هو ليس مشتركًا تراثيًا رومانسيًا، بل يجمعهما التحوّل السريع، والتعامل مع المدينة بوصفها مشروع دولة. المدينتان انتقلتا خلال عقود زمنية قليلة من مفهوم التجمعات السكنية التقليدية إلى مدن عالمية فائقة الحداثة. إن المخطط العمراني الذي خصص للمدينتيْن يتعلّق، أساسًا، بالفوْرة والوفْرة النفطية، والنموّ المعماري لم يكن، بالتالي، عضويًا أفقيًا هادئَ الإيقاع، بل عموديًا رافقه قرار سياسي وتجاور خلاله القديم مع الجديد، مع تضاؤل متواصل للقديم لصالح الجديد، حتى كاد القديم في بعض المناطق الحيوية يغيب مفسحًا المجال للأبراج، متروكًا بلا أدراج تصعد به نحو هذه الصروح بالغة الضخامة والإبهار البصري والازدحام التمظهريّ. المدينتان تعاملتا مع العمارة بوصفها استعراضَ قوة اقتصادية لا كامتدادٍ تقليديٍّ للنسيجِ القديم، كما هي حال دبي في سياق ثالث، وربما رأى فيها أصحاب قرار هذا التشييد المهول كثيرِ التسابق، فرصةَ استعراض حداثوية، أو ما بعد حداثوية، أيضًا. وسط كل هذا التراكم العموديّ الشاهق، حافظت بعض عمارة الدوحة، على سبيل المثال، على رسائل الدولة، وعلى الروح المحافظة التي تسود مرابعها، ومن الأمثلة على ذلك "متحف قطر الوطني" في مشيرب الذي يحمل داخل طيّات عمارته وجماليات تفاصيله رسالة صادحة، وخطاب إيجابيّ قوي الحروف حول الفخر والسيادة. في معظم مدن الخليج العربي أحياء ومشاريع شيّدت دفعة واحدة (الدرعية الجديدة في الرياض، ولوسيل في قطر)، وفق تخطيط معماري صارم، ووضْع اعتبار أساسيّ لوسائل النقل المختلفة (خصوصًا السيارات). وعلى وجه العموم يشكّل المُناخ عاملًا جوهريًا في تحديد تفاصيل العمارة في مدن الخليج العربي (الدوحة برطوبتها العالية والرياض موضوع حديثنا بشكل أكبر)، ما استدعى، ويستدعي، إنشاء تجمعات تسويقية ضخمة بفراغات داخلية بدل الخارجية، وإحكام إغلاق المباني. وكما أعادت الرياض الاعتبار لحيّ الطريف الذي يعاد إنتاجه سياحيًا، فكذلك فعلت الدوحة مع سوق واقف الذي بات اليوم واجهة سياحية لافتة داخل تفاصيل العاصمة، ومساحة مهمة للمشي يندر أن نجدها في كثير من مناطق العاصمة القطرية.
*****

التناظر... التوازن... التهوية... الأزقة التي تتحايل على الشمس... المنازل الحجرية الثقيلة... الأسوار العالية... الحياة الحضرية التي تسند بعضها بعضًا... بيوت الطين والطوب اللبن... التشطيب البسيط وأحيانًا الفقير... هذه وغيرها بعض سمات عمارة المدن العربية القائمة على خصوصية لا لبس فيها، الحائزة على هوية دينية وبيئية لافتة، المتكيّفة مع المناخ المحيط بها، والمطوِّعة المواد المتوفرة حولها. ورغم اشتراك معظم المدن العربية في هذه السمات، إلا أن الأمر لا يخلو من وجود نكهة خاصة لكل مدينة عربية تزهو بها مشربيّاتها، ويكرج داخل خريرها ماء نوافيرها، وتصعد نحو مجدها أدراجها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.