}

متحف "برج النّعام": فضاء عرض ذاكرة الرحّالة العربيّ الأوّل

منى ظاهر منى ظاهر 5 فبراير 2026

 

عند قصبة المدينة القديمة في طنجة في المملكة المغربيّة، يشعّ متحف "بُرج النَّعام – فضاء عرْض ذاكرة ابن بطّوطة". في المدخلِ تقابلك الخريطة الّتي تشتمل على نبذة تاريخيّة عن المتحف، وما فيه من فضاءات، مكتوبة باللّغات الثّلاث: العربيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة. وقد شهد المكان عمليّة ترميم في أواخر عام 2015، من طرف "المؤسّسة الوطنيّة المغربيّة للمتاحف"، وفق ما تُظهره اللّوحتان حول صور ما قبل التّرميم وما بعده.

هذا المكان يضمّ عدّة مَرافق، منها: فضاء المعرض لذكرى ابن بطّوطة، والمسجد، ومَدافع "أرمسترونغ" من القرن التّاسع عشر، وسور القرن العاشر.

كان يُطلق عليه سابقًا اسم "بُرج الدّحْمان"، بعدها صار "بُرج النّعام – حِصْن النّعام"، بعد أن قام الباشا بتربية نعامه هناك. شُيّد هذا المبنى بهدف الدّفاع عن المدينة من هجمات العدوّ القادمة من المَضيق. ويُرجّح أنّه مبنيّ في القرن الثّامن عشر لتشابهه مع حُصون "الرّباط" و"العرائش"، بحسب المراجع التّاريخيّة.

تمّ تجهيز البُرج بمدفعين من طراز "أرمسترونغ"، يَزن كلّ واحد منهما عشرين طُنًّا، تمّ إحضارهما من "جبل طارق". إلى جانب هذا البُرج يوجد حصنان آخَران فوق "باب القصبة"، مُجهّزانِ بمدافع قديمة، مصنوعة من الفولاذ، وذلك لحماية منطقة "مرشان" والدّفاع عن مدخل المدينة القديمة.


يتوفّر هذا الموقع التّاريخيّ على بُرج، وكأنّه محطّة للأرصاد الجويّة، الّتي يمكن رؤيتها من كلّ مواقع المدينة، وتُعتبر شعارًا حقيقيًّا للمدينة بحكم موقعها في السّنوات الأولى من الاستقلال.

هذا البُرج الّذي يقع في الجزء العلويّ من المدينة العتيقة كان يضمّ مركزًا خيريًّا لمستوري الحال والفقراء. ونظرًا لموقعه الاستراتيجيّ، تمّ ترميمه وتهيئته في عام 2021، وأُعطيت له حياة جديدة، حيث غدا فضاءً لعرض ذاكرة ابن بطّوطة.

في الباحة الكبيرة المبلّطة بمربّعات حجريّة داكنة، وأحد جدرانها الشّاهقة العالية أحجاره مربّعة صغيرة بألوان البنّيّ والأصفر والرّمليّ، ينتصبُ بشموخ مجسّم كبير من الرّخام الأبيض، بواسطة قاعدة مربّعة رخاميّة سوداء، لشخص ابن بطّوطة بملامحه الهادئة الوقورة، وعمامته الّتي على رأسه، وجلّابته الفضفاضة، يحمل في إحدى يديه مخطوطًا ملفوفًا، وكفّه الأخرى مفتوحة بإيماءة خاصّة، وكأنّها إشارة إلى المعرفة والحكمة والانفتاح على الحضارات والثّقافات والشّعوب.

فضاءات المتحف ساحرة بديكوراتها وهندسة غرفها وترتيب ما فيها من أيقونات ومجسّمات ولوحاتٍ توضيحيّة ورسومات وشروحات.

هذه الشّروحات تكون على الجدران وعلى الأعمدة الحجريّة لمداخل الغرف، مثل اللّوحات الصّغيرة السّوداء المكتوب عليها بحروف بيضاء: "ابن بطّوطة؛ رَحّالَةٌ وعالِم طنجيّ". وأيضًا: "فضولُ السّفَر".

وفي تعريف تفصيليّ معلّق على أحد جدران المتحف، نقرأ: "ابن بطّوطة؛ طنجيّ المولِد، الرّحّالة والعالِم": وُلد عبد الله بن محمّد بن إبراهيم، الملقّب بـابن بطّوطة، في طنجة في 24 فبراير/ شباط 1304. درس العلوم الدّينيّة في مسقط رأسه، ودفعه شغفه بالعالَم إلى السّفر حول مختلف بقاع الأرض بحثًا عن معارف جديدة.

وفي تفصيلٍ للرحلة الاستهلاليّة والروحيّة هذه، وبنفس هذا العنوان المكتوب بخط مغربي بالأبيض، وباللّغتين الإنكليزية والفرنسية، الموجود على لوحة بخلفيّة داكنة تميل إلى البنيّ والأسود، نشاهد أربع لوحات صغيرة، مع صورة لكل بلدٍ مع أهم معالمه.

ففي عام 1325، وعند اسم طنجة، يغادر ابن بطّوطة المدينة في سنّ الحادية والعشرين، متوجّهًا إلى مكّة لأداء فريضة الحجّ، تحذوه رغبة شديدة بتوسيع معارفه وإثبات ذاته كعالِم.


وعند عنوان "فلسطين"؛ مرّ ابن بطّوطة بغزّة والخليل ووصل إلى القدس، حيث سيواصل مسيرته الروحيّة بالبدء في تعلّم أسس التّعاليم الصوفيّة على يد أحد أتباع الشّيخ تاج الدّين الرّفاعي. إلّا أنّ أكثر ما أصابه بالدّهشة والإعجاب هي قبّة الصّخرة، الّتي وصف هندستها المعماريّة بدقّة متناهية.

ونتابع الرّحلة على جدار آخر وبنفس الألوان والتّصميم، لنقرأ في العام نفسه، في جهة اليمين – "الشّام"؛ اضطرّ ابن بطّوطة للذّهاب إلى مكّة عن طريق بلاد الشّام. وهناك بدأ حياته المهنيّة كعالِم في شتّى فروع العلْم والمعرفة، ممّا أهّله لأن يصبح متمكّنًا في العلوم الدّينيّة والشّرعيّة. وقد اندهش ممّا رآه من جمال وروعة بساتين دمشق، فوصفها بأحسن الأوصاف وأكثرها شاعريّة.

وعلى الجدار نفسه، وفي ذات العام، وعلى جهة اليسار، نقرأ اسم مكّة المكرّمة؛ فهي تشكّل قُطْبَ الرّحى بالنّسبة لابن بطّوطة ومصدر جاذبيّة خاصّة له طيلة سنين عديدة. لقد زارها مرّات كثيرة خلال رحلته، وفي حجّته الأولى مكث بها قرابة شهر كامل. وبفضل رحلاته الأربع الّتي قام بها لأداء مناسك الحجّ، تمكّن من ترسيخ سُمعته كرجل عِلم. وفي وصْفه الدّقيق للكعبة المشرّفة، يقف منبهرًا أمام جمالها وعظمتها.

أمّا في الوسط من أسفل، فنقرأ اسم المدينة المنوّرة؛ إذ تمثّل أوّل محطّة من رحلة حجّ ابن بطّوطة في المسجد النّبويّ – زار قبر الرّسول، وذكر مختلف مراحل توسعة المسجد وإعادة ترتيبه، ثمّ انتقل كذلك لزيارة الأماكن الّتي ارتادها النبي محمد قبل أن يشدّ الرّحال متّجهًا نحو مكّة.

هذا وخلال أسفاره، قابل العديد من الزّعماء والملوك، واكتشف جمال الأقاليم الّتي زارها، موثّقًا لذلك في مذكّراته، مقدّمًا بذلك شهادة نادرة عن عصره. ثمّ عاد إلى طنجة وشغل بها منصب القاضي إلى أن توفّي عن عمر يناهز الثّالثة والسّبعين عامًا. وضريحه في المدينة القديمة يشهد على أعظم المستكشفين الّذين عرفهم العالَم إلى يومنا هذا.

وفي تفصيلٍ لشَغف السّفر – هذا العنوان المكتوب بخطّ مغربيّ بالأبيض، وباللّغتين الإنكليزيّة والفرنسيّة، الموجود على لوحة بخلفيّة داكنة تميل إلى البنّيّ والأسود – نشاهد لوحات صغيرة، مع صورة لكلّ بلدٍ مع أهمّ معالمه.


قبالة هذه اللّوحات، نجد مجسّمات من تخطيط ابن بطّوطة، خلفيّتها سوداء ورسمها بالأبيض، داخل صناديق زجاجيّة كبيرة، حوافّها زرقاء فاتحة، مثل: "آية صوفيا".

ونقف عند الجدار المطليّ بالأسود الحامل للحروف البيضاء الّتي تشكّل عنوان: "ظروف كتابة الرّحلة"، ففيه ذكر بأنّه في عام 1353، وبإيعاز من السّلطان أبي عنان فارس، تعهّد ابن بطّوطة بسرد فصول رحلته على الأديب الأندلسيّ ابن جزي الكلبيّ، الّذي تولّى كتابة نصّ الرّحلة لمدّة سنتين.

أطْلق على هذا الكتاب اسم "تحفة النّظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، هذا العنوان مكتوب على جدار حجريّ مميّز، لونه فاتح بخطّ مغربيّ وبتصميم خاصّ لكلّ كلمة فيه. وقد اشتهر الكتاب باسم "رحلة ابن بطّوطة"، وكانت فصوله موضوعًا لأبحاث العديد من المؤرّخين حول العالم.

هذا الجدار الأسود معلّقة عليه لوحات ملوّنة لأغلفة الكتب والمراجع المكتوبة بالعربيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة، الّتي تمّ تأليفها عن رحلات ابن بطّوطة، مع رسومات ولوحات تشكيليّة لشخصه الملقّب بـ"أمير الرّحلات". إضافة إلى وجود لوحة مستوقفة على الحائط نفسه، لوجه الرّحّالة وهو يضع العمامة بالحبر الأسود.

تمضي خطواتنا بعدها، لتأخذنا مجموعة من الخرائط الملوّنة بألوان الرّمل والأصفر والبنّيّ، مع البرتقاليّ والبنّيّ الغامق والأزرق الباهت الفاتح للأماكن الجغرافيّة، ورسوم الأبنية القديمة العريقة السّوداء والبيضاء والرّماديّة، مع اللّوحات المعلّقة على الجدران، في رحلة اكتشافٍ للسّياق التّاريخيّ الّذي ولد فيه ابن بطّوطة، حيث سلالة بني مَرين الّذين وصلوا إلى الحُكم عام 1269، بعد الإطاحة بالموحّدين. وقد بسَطوا نفوذهم على المغرب الكبير وعلى جزء من السّاحل الأندلسيّ.

في عهدهم عرَف المغرب تطوّرًا حضاريًّا متميّزًا، تشهدُ عليه أنماط الهندسة المعماريّة المبتكرة الّتي تجمع بين الثّراء الجماليّ وتقدّم الشّكل الهندسيّ. وتعتبر المدارس الّتي شُيّدت بمدينة فاس، عاصمتهم، أفضل شاهد على ذلك.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى الّتحفة المحميّة بصندوق زجاجيّ قاعدته خشبيّة، وهي قطعة لوح زلّيج تقليديّ، عليها زخرفات وأشكال هندسيّة لأزهار دائريّة بلون بنّيّ قرميديّ مع الأزرق والأخضر، وبخلفيّة بيضاء وسوداء. فوق اللّوح مستطيل خلفيّته بلون القرميد، مكتوب عليه بخطّ مغربيّ باللّون الأسود: "واذكر ربّك إذا نسيت". هذه التّحفة الفنّيّة نجد أسفلها شرحًا باللّغتين العربيّة والفرنسيّة: "ظهر هذا النّوع من الزّلّيج في المغرب في القرن العاشر، خاصّة اللّونين الأبيض والبنّيّ، ثمّ ازدهر في القرن الرّابع عشر إبّان العهد المرينيّ مع استعمال اللّونين الأخضر والأصفر".


ونلاحظ أيضًا أشكال الخرائط المشغولة بشكلٍ مميّز على الجدرانِ، وهي توضّح مراحل رحلات ابن بطّوطة. مثل محطة مكتوبة بالخطّ الأسود على الجدار المطليّ بالبرتقاليّ والمضاء بنور خاصّ؛ "ابن بطّوطة في جُزر المالديف": فقد نزل بجزر المالديف، واشتغل فيها قاضيًا، يحكم فيها وفق الشّريعة الإسلاميّة، مُحدثًا تغييرًا في العادات والتّقاليد المحلّيّة. وقد أسْهبَ في الحديث عن انتشار الإسلام في هذه الجزر، وأسباب تحوّل قاطنيها لاعتناق الدّين الجديد. إذ كان المالديفيّون بوذيّين، ثمّ تحوّلوا عن البوذيّة بعد احتكاكهم بالتّجّار المسلمين. ويُعتبر أبو البركات يوسف البربريّ أحدهم، وهو الدّاعية الرّئيسيّ القادم من بلاد المغرب، الواقع في أقصى الحدود الغربيّة للعالم الإسلاميّ.

كذلك، هناك لوحة كبيرة بنّيّة على مسند خشبيّ، لخريطة بلونها الأبيض، ذات خطوط صفراء وخضراء وحمراء، تشير إلى مسارات أسفار ابن بطّوطة من عام 1325 وحتّى عام 1354، وهي مغطّاة بلوح زجاجيّ.

والمستوقف هنا مركَب شراعيّ مماثِل للقارب الّذي استخدمه ابن بطّوطة في رحلاته ووصفه في مذكّراته. هذا المجسّم وكأنّه رسم تشكيليّ موضوع وسط دائرة، وكأنّها نافذة للغرفة الّتي فيها الزّوّار. هذه الغرفة تشكّل مركبًا معتِمًا يُطِلُّ عبر نافذته على نورٍ يَشعُّ من المركب الخشبيّ البنّيّ السّائر وسط سماء صافية ومياه بحر زرقاء.

ونحن نسافر عبر الجدران في مسار الرّحلة الطّويل، نصل إلى عنوان بالخطّ الأسود أيضًا وعلى جدار برتقاليّ، تصاحبه خريطةٌ ملوّنة، ينُار أمامنا: "طريق الحرير": سار ابن بطّوطة عبر شبكة من الطّرق التّجاريّة بين آسيا وأوروبا، والّتي استمدّت اسمها من أهمّ السّلع المارّة بها، وهي الحرير. كانت المبادلات التّجاريّة كسائر المبادلات الدّينيّة والعلميّة والثّقافيّة، تتمّ عبر هذا المحور التّجاريّ الهامّ، فهو نقطة التقاء بين آسيا وبلدان شمال أفريقيا. لهذا يعتبر الرّحّالة ابن بطّوطة أوّل سفير مغربيّ في العالم الخارجيّ يتنقّل عبر مختلف الأقطار والمحاور.

بين ألوان الجدران الصّفراء والبرتقاليّة الّتي تحمل لوحات كاملة لرسم مشاهد ملوّنة وأخرى بالأبيض والأسود للرّحلات، وللبشر والمباني والخرائط والحجر، أو لتلك الّتي تحمل معلومات بلون خطّها الأسود، نقف عند "وباء الطّاعون في القرن الرّابع عشر": في أواخر الشّهر السّابع – يوليو/ تموز من عام 1348، قرّر ابن بطّوطة العودة إلى بلاده، وقد تزامنت عودته مع انتشار وباء الطّاعون الأسود، الّذي أودى بحياة ما يقرب من نصف سكّان أوروبا وبلدان الشّرق الأوسط. وصف ابن بطّوطة في رحلته الدّمار الكبير الّذي خلّفه هذا المرض الفتّاك.

نخرجُ من هذه المَعلمة الحافظة لهذا الإرثِ الوهّاج لصفحاتٍ من تاريخنا الإنسانيّ والحضاريّ، ويتملّكنا الشّعور بالفخر والعزّة لأنّنا نلتقي بأوّل رحّالة يَخصّنا، ملأت سيرته أنحاء العالم بجهاته الأربع.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.