والملجأ في لسان العرب هو من الفعل الثلاثي لَجَأَ إِلى الشيء والمَكان يَلْجَأُ لَجْأً ولُجُوءًا ومَلْجَأً ولَجِئَ لَجَأً والْتَجَأَ وأَلْجَأْتُ أَمْري إِلى اللّه أَسْنَدتُ. واَلْجَأَه إِلى الشيءِ اضْطَرَّه إِليه وأَلْجَأَه عَصَمه والتَّلْجِئَةُ الإِكْراهُ. والمَلْجَأُ واللَّجَأُ المَعْقِلُ والجمع أَلْجاءٌ ويقالُ أَلْجَأْتُ فلانًا إِلى الشيءِ إِذا حَصَّنْته في مَلْجإٍ ولَجَإٍ والْتَجَأْتُ إليه الْتِجاءً. والتَلْجِئةُ أَن يجعل مالَه لبَعض ورَثته دون بعض. يقال أَلكَ لَجَأٌ يا فلان؟ واللَّجأُ الزوجةُ. ومن تصاريف المفردة وتداعياتها وتجلياتها في "تاج العروس": اللَّجَأُ: الضِّفْدَعُ، وفي المُحكم أنه نَوْعٌ من السَّلاحِف يَعيش في البَرِّ والبحر. واللجَأَةُ البَحريَّةُ لها، بحسبِ الدَّميري، لسانٌ في صَدْرِها من أصابَتْه به من الحيوان قَتَلتْه. وذو المَلاجِئِ: قَيْلٌ من أقْيال التَّبابِعَة من مُلوك اليَمَن. وفي معجم اللغة العربية المعاصرة مفردة مَلْجَأ هي جمع مَلاجِئُ، والملجأ هنا هو اسم مكان من لجَأَ إلى: مَعْقل، حِصْن، مَلاذ؛ مكانٌ يُحْتَمى به ضدّ الغارات الجوّيّة وما إلى ذلك. وفي القرآن وردت مفردة ملجأ، أو تفرّعاتها، ثلاث مرّات؛ مرّة في سورة الشورى: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ} (الشورى، آية 47)، ومرّتين في سورة التوبة: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (سورة التوبة، الآية 57)، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: 118).
وجميعنا يتذكّر ملجأ العامرية الذي استهدفه القصف الأميركي على العراق بتاريخ 13 شباط/ فبراير 1991، وأدى قصفه بصاروخ صنع خصيصًا لاستهدافه كما أخبرتني المرشدة السياحية هناك (تحول مكان الملجأ في حي العامرية البغدادي إلى نصب تذكاري)، إلى استشهاد 400 طفل وطفلة وامرأة وعجوز وعجوزة، بعضهم تحوّل، كما رأيت بعينيّ المرهونتيْن للدّود، إلى رماد على جدار الملجأ. المشرفون على الملجأ علّقوا صور بعض الضحايا في زمن ما قبل قصف أعمارهم، وأثناء تجوُّلي بناظريّ على الصور والتفاصيل الصغيرة التي تجعل مأساة الملجأ متواصلة التأمُّل والمعنى والدلالات، استوقفتني صورة لفتى لعلّه في الرابعة عشرة من عمره، كان يبدو في الصورة بمنتهى الحبور وتفاخر الفتوّة والشباب، بشعرٍ مسبلٍ ناعمٍ، ووجهٍ وضّاء، ونظّارة أوّل المراهقة، فاجتاحني حزنٌ كاد يعصف بي تحت أرض بغداد حيث الملجأ المغدور، وتساءلتُ بوجعٍ مُقيم: لماذا يتسرّع قادتنا بأي حرب قبل أن يحموا سماء بلادهم؟ لماذا لم يفكّر أصحاب قرارنا في أن يجعلوا معاني الأمل التي باح بها وجه الفتى حقيقية وممكنة ومحصّنة من كل عدوان وكل غدر وكل بلطجة آتية من سماء طائرات الموت المحمّلة بقذائف العربدة المنفلتة في كل مرة من المساءلة؟ ومنذ ذلك اليوم قبل 26 عامًا (جاءت زيارتي لبغداد في عام 2000، ضمن رحلة لكسر الحصار نظمتها أيامها رابطة الكتّاب الأردنيين)، وحتى يومنا هذا بقي رأيي على ما هو حول ضرورة أن تلتفت أي قوّة من قوات بلادنا، وأي جيش من جيوشنا، وهو يتحضّر لمواجهة أعدائنا في العالم، خصوصًا العدوين الواضحين والأكثر بشاعة: العدو الصهيوني والعدو الأميركي، أن لا يعلن جاهزيته لذلك إن لم يكن لديه سلاح جوٍّ قادر على مواجهة غطرسة سلاح الجو الأميركي الذي يمدّ القوتيْن الشريرتيْن الأميركية والصهيونية بما تحتاجانه في هذا المجال العسكري الذي يستبيح سماوات الكوكب، مستفيدًا، هذا السلاح المجرم، قبل ذلك وبعده وأثناءه، من استباحة بوارج أميركا وفرقاطاتها وغواصاتها وحاملة طائراتها لبحار العالم ومحيطاته ومياهه الإقليمية وغير الإقليمية، ومستفيدًا أيضًا، وأيضًا، من مئات القواعد الأميركية ومنصّات الإطلاق التي فرضت أميركا على العالم حيازتها والتمدّد في فيافيها الملفوحة بشمسنا، المطعونة في ظهورها وظهورنا. المعادل الوحيد الذي ابتكرته بعض قوى منطقتنا لمحاولة خَلْقِ نديّةٍ ما في سياق مُجالدة قواهم الجوية الفضائية، هو سلاح الصواريخ، وهذه الصواريخ هي التي ألهمتني فكرة الكتابة في معاني الملجأ وتجلياته وتنوّعات معطياته؛ فنحن نسمع كل يوم عن صفارات إنذار تزعق ناعقة في مئات المدن والبلدات. وفي حين يضحك أهل الأردن، على سبيل المثال، حين يسمعونها متسائلين: طيّب... أطلقت صفارات الإنذار... وماذا بعد؟ ما المطلوب منّا؟ هل نهرب نحو الملاجئ؟ وأين هذه الملاجئ؟ فإنها وما أن تطلق في أراضينا الفلسطينية المحتلة، حتى يهرول ملايين الصهاينة الذين يسرقون بلادنا إلى الملاجئ لا يلوون على شيء. هل خطر على بالكم أن تتخيلوا أربعة ملايين شخص محشورين داخل ملاجئ عامة؟ وكيف هي حياتهم هناك في الملجأ الذي يضطرون، أحيانًا، أن يظلوا قابعين محبوسين فيه لعدة ساعات متواصلة؟ هل أوجد هذا الحيّز العام مع تكرّر توافد أشخاص بعينهم إليه شكل علاقات جديد بين أولئك الأشخاص؟ حول ماذا يتحدثون؟ هل يلومون الضحايا الذين يطلقون الصواريخ عليهم من باب الإبقاء على قدر من الكرامة إن كان لا بد من الموت والفَناء تحت وابل الغدر القادم من كل فوقٍ فوقهم؟ أم لعلهم يلومون زعماء عصاباتهم الذين أقنعوهم أن وجودهم مرتبط بمواصلة إيقاد نار الحروب وصولًا إلى تأليهها تلك الحروب كما يورد الزميل أنطوان شلحت في مقاله المهم تحت عنوان "2009 فصاعدًا: في تتّبع آخر مظاهر "تأليه الحرب" إسرائيليًا(1)"، والمنشور في "ضفة ثالثة" بتاريخ 8 آذار/ مارس 2026. يقول شُلحت في المقال المشار إليه: "وعلى خلفية حرب شتاء 2009 (على غزة) فإن أكثر ما حرص المسؤولون الإسرائيليون السياسيون والعسكريون على تأكيده تمثّل في أن دولة الاحتلال جاهزة لمواجهة أي تصعيد حربي. وهو تأكيد بدا في حينه أنه يمتح مما يمكن اعتباره بمثابة عقيدة إسرائيلية مؤدّاها أن الحرب هي الوسيلة المقدسة بصورة عمياء كي تدافع عن بقائها، وصارت إلى ترسّخ أكثر فأكثر، من ناحية وقائعية، في إثر تقرير "لجنة غولدستون" الأمميّة التي تقصّت وقائع تلك الحرب على غزّة وما تمخض عنه من تداعيات دولية، وقد استجرّ في حينه حملة هجوم إسرائيلية حادّة كان في صلبها الربط الضمنيّ على المستويين الرسمي والشعبي بين الحرب والبقاء، إلى درجة تأليه الأولى"! تأليهُ الحرب!! يا إلهي... هذا يعني أن الاسم الذي منحته الإدارة الأميركية السائرة في وحول الصهيونية وجزرها الأبيستينية للعدوان الجديد "الغضب الملحمي" Epic Fury لم يأتِ من عدم.
تحت عنوان فرعي هو "أبارتهايـد زاحـف"، يخلص شلحت بحسب باحثٍ اقتبس منه إلى أن كل ما تفعله العصابات في أرضنا منذ مطلع الألفية الثالثة هو "تعميق عملية مأسسة واقع الأبارتهايد، وجعله شرعيًا"، ويستنتج أن أي دولة يمكن أن يحصل عليها الفلسطينيون هي "دولة لن تتمتع بالسيادة الكاملة ولا بالتواصل الإقليمي، لأن ما هو مقترح من الدوائر الإسرائيلية والدولية، لا يحلّ الصراع الصهيوني- الفلسطيني، وسيكون جزءًا من عملية "فصل عنصرية" معدّلة"! وبالتالي فإن أفضل ما يمكن أن تقوم به عصابات تؤلّه الحرب وترفض أن تتنازل عن أي من سرقاتها هو تخريس وتبطين (من الخرسانة والباطون) مزيد من الملاجئ؛ ملاجئ تحتمي بملاجئ، وأقبية تفضي إلى أقبية، حتى اجتماعات زعماء عصاباتهم تجري في تلك الأقبية المحصنة تحت الأرض، ومع استعادتهم نبرة "أكذوبتهم الكبرى" من النيل إلى الفرات، فإن الملاجئ تتحوّل إلى مكوّن جوهريّ من مكوّنات خرابهم وخرائبهم حتى لا أقول عمارتهم فأين منهم العمارة وأين منهم العَمار؟ فإلى متى؟ ولأن الملجأ ليس نفقًا للمقاومة، ويختلف عنه في المبنى والمعنى، فسوف تنفجر هذه الملاجئ في وجوههم دفعة واحدة، وسيخرج المختنقون داخلها إما إلى ما وراء بحرنا، أو إلى شن حرب أخيرة مع أنفسهم كما يتوقع عاموس كينان في روايته "الطريق إلى عين حارود" التي ترجمها، والحديث دائمًا عن أنطوان شلحت، إلى العربية، مواصلًا جهوده النوعية والمغايرة في هرمسة السردية الكذّابية.
المفارقة اللافتة هنا أن العدو الصهيوني لا يبني الملاجئ في البلدات الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة قبل عام 1948، بالعدالة نفسها والتوزيع نفسه الذي يشيّد فيه الملاجئ لأفراد عصاباته، فبحسب جريدة "المصدر" الإخبارية الإلكترونية في تقرير نشرته يوم الأحد الماضي 8 آذار/ مارس 2026، فإن "41 بالمائة من الفلسطينيين في المدن الفلسطينية المُغتصبة في عام 1948، بلا حماية ومن دون أي حيّزٍ محميٍّ يمكن اللجوء إليه في حالات الطوارئ. هناك فقط 37 ملجأ في البلدات الفلسطينية من مجموع عدد الملاجئ البالغ 11,775 ملجأ في خدمة أفراد العصابات الصهيونية، علمًا أن ثمانية من هذه الملاجئ الـ37 غير صالحة للاستخدام ما يُبقي لهم 29 ملجأ فقط لا غير، رغم أن عدد الفلسطينيين في فلسطين الداخل يزيد على مليوني فلسطيني".
قد يحمل الملجأ معنى الملاذ، ولهذا شاع في الثقافة الشعبية العربية إطلاق اسم ملجأ على مراكز إيواء كبار السن، وكذلك مراكز إيواء الأيتام فاقدي النسب ومحروميه. وهو في الحالة الثانية يتحوّل إلى موضوع تعيير للناس الذين كتبت عليهم أقدارهم أن ينشأوا فيه، بحيث تصبح جملة: (ابن ملاجئ) كما لو أنها تعني (ابن حرام).
معماريًا وإنشائيًا تتعدد أشكال الملاجئ بحسب تنوّع استخداماتها وثقافة من شيّدها وجغرافيا الأرض التي تقام فوقها وربما بحبوحة الدولة التي بنتها؛ فهناك الملاجئ الخارجية وهي أربعة أشكال: ملاجئ تحت مستوى سطح الأرض، ملاجئ فوق مستوى الأرض، ملاجئ نصف سطحية، والخندق المتعرّج ويُستخدم في الأماكن المفتوحة وأوقات الهروب.
أمّا الملاجئ الداخلية فلها ثلاثة أشكال: ملاجئ تحت مستوى الأرض، أو ضمن طوابق التسوية وتكون في المباني الرئيسية الخطيرة، ملاجئ فوق مستوى الأرض أو ضمن المبنى في الطابق الأول وهذه تكون في المناطق الصخرية القاسية ويكون إنشاء الملجأ فيها مكلفًا، وملاجئ نصف سطحية ويتم إنشاؤها في المناطق المنحدرة حيث تكون أجزاء من الملجأ مكشوفة. ولا ننسى جبال تورا بورا في أفغانستان والملاذات المهولة داخلها بوصفها ملاجئ وأنفاقًا صخرية لا تنتهي.
من المُغُر (الملاجئ الطبيعية) بدأت مسيرة الإنسان، ويبدو أنه في طريقه للعودة إليها طالما أنه لم يوقف، بعد، أطماعه التي لا تنتهي حول ما يملكه غيره، ولم يروّض، بعد، جسده ليحمل بعض صفات روحه ونقاءَ مَنْشَئِه في جنان النعيم قبل أن يهبط للأرض ليبدأ في أكل بعضه بعضًا، ويحتمي من شرور نفسه بملاجئ بناها بنفسه، وأعمرها بأنفاس الكراهية المزروعة في خباياه المريضة، ثم اخترقها، وما يزال يخترقها، بأسلحته الفتّاكة ليقتل من/ ما احتمى فيها ممّا فيه!


تحميل المقال التالي...