}

الشم: عن سيرة حاسة آخذة بالتلاشي

عمر كوش عمر كوش 27 مارس 2026
إناسة الشم: عن سيرة حاسة آخذة بالتلاشي
استخدم الأطباء "أقنعة الطاعون" المملوءة بالأعشاب (Getty)

تُعرف حاسة الشم بأنها إحدى حواس الإنسان الخمس، والعضو المسؤول عنها هو الأنف، عن طريق استخدام الجزء العلوي من تجويفه، الذي يحتوي على كثير من المراكز الحسية المشكلة لبداية العصب الشمي، حيث تتعرف هذه المراكز الحسية على بعض المواد الطيارة التي تصلها، وتقوم بإرسال هذه المعلومات إلى المخ الذي يحللها. وتنشأ حاسة الشم من تنبيه المستقبلات الشمية، أو مستقبلات الرائحة، من قبل جزيئات صغيرة مختلفة الخواص الفيزيائية والكيميائية والكهربائية، التي تمرّ عبر الأنف في جوفه أثناء عملية الاستنشاق، وتنتقل هذه التفاعلات إلى نشاط كهربائي في الألياف الشمية التي تنقلها بدورها إلى أجزاء مختلفة من الجهاز الشمي وبقية الجهاز العصبي المركزي بواسطة المسالك الشمية. ويعمل الأنف كمحلل كيميائي متطور، إذ عندما نستنشق الجزيئات، تلتقطها المستقبلات الشمية وترسل إشارات فورية إلى المخ.


مع التطور العلمي، نشأت أنثروبولوجيا الحواس بوصفها العلم الذي يدرس كيف تدرك المجتمعات العالم عبر الحواس، وكيف تختلف معاني الرؤية والسمع والشم والذوق واللمس من ثقافة إلى أخرى. وهي لا تنظر إلى الحواس بوصفها وظائف بيولوجية فقط، بل باعتبارها خبرات ثقافية واجتماعية تتشكل بالتربية واللغة والعادات. وفي هذا السياق يقدم الباحث النرويجي بيورن بيرجيه في كتابه "الشم: سيرة حاسة تتلاشى" (ترجمة محمد حبيب، آفاق للنشر والتوزيع، القاهرة، 2026)، ما يشبه الاحتفاء، والتأمل النقدي في الوقت نفسه، لحاسة اعتاد الناس على اعتبارها أمرًا مسلّمًا به، وذلك من خلال تناوله سيرة حاسة الشم، واستعراض مكانتها المنسية، وتسليط الضوء على دور الروائح في تشكيل الذاكرة والعاطفة والهوية، حيث يقوم في كتابه برحلة ممتعة، تنهل من العلم والتاريخ والثقافة، ويستكشف فيها عشرين رائحة مميزة لا تزال تُشكّل حياة الإنسان، ويشير إلى الدلالات الثقافية والتاريخية والحسية بحاسة الشم، وكيفية تراجع أهميتها في العالم الحديث. وتُشكّل كل رائحة مدخلًا إلى مواضيع أوسع حول التاريخ والثقافة والعلوم، وكيفية تفاعل حاسة الشم مع التجربة الإنسانية.
تبدأ رحلته من رائحة التراب بعد المطر، مرورًا بعبق رائحة الخبز الطازج وذكريات الطفولة، وبالروائح العاطفية أو الاجتماعية كالأزهار والمال والغازات والثوم، وصولًا إلى الارتباك والشوق والجنون. ويعرض لنا حكاية هذه الحاسة من خلال ما ترويه الروائح من قصص عن المتعة والأمان والحب والخوف والموت والسلطة والمجتمع، متبعًا أسلوبًا يجمع بين الدقة العلمية والحس الأدبي، وتحذوه غاية إعادة اكتشاف الناس، والعالم من حولهم، من خلال هذه الحاسة العميقة والمؤثرة.
يعتمد بيرجيه على مصادر تاريخية معاصرة، أغلبها مصادر أدبية، وخاصة الكوميدية والهجائية التي أولت حاسة الشم أهمية خاصة. ويرى أن حاسة الشم قد جرى تهميشها في المجتمعات المعاصرة، وذلك بعد أن طغت عليها الثقافة البصرية والأولويات التكنولوجية، حيث يميل العالم الراهن، الذي تهيمن عليه الصور والتجارب الرقمية بشكلٍ متزايد، إلى قمع أو تجاهل التجارب الشمية، على الرغم من أن حاسة الشم ما تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفهم الإنسان للبيئة والذاكرة والهوية والعلاقات الاجتماعية.
باتت الرائحة في عصرنا الراهن تربط بالظلام والشهوة والانعزال والبدائية، كأنها نقيض الحداثة والتقدم، الأمر الذي اقتضى بذل جهود كبيرة من أجل استئصال مصادرها المتعددة.




وأصبح انعدام الرائحة التام هو النموذج الأمثل في الوقت الحاضر، مع وجود استثناءات لروائح الطعام والعطور ومزيلات الروائح الكريهة. وعليه، يسعى بيرجيه إلى تقديم مساهمة من أجل الوصول إلى حاسة شمّ حرة، كريهة كانت أم زكية، مركزًا على الثقافة الأوروبية، التي واجهت فيها حاسة الشم المقاومة الأشرس، حيث لم يتوقف الأمر عند تحول البيوت والمدن إلى صحارى عديمة الرائحة، بل وصل إلى حدّ تطوير نوع من الأميّة الحسية. وعليه، لم تُعطَ حاسة الشم حق قدرها تاريخيًا، لا سيما في الحداثة الغربية، حيث هيمنت حاسة البصر على فهم العالم، مما أدى إلى تراجع الوعي الشمي.
تبدأ نقطة الانطلاق البحثي بمقدمات عن الحاسة، وكيفية عملها ومكانتها في الإدراك البشري، ثم تمضي الرحلة الشمية عبر التاريخ، ومما كانت عليه في المدن القديمة والحياة الحضرية المبكرة، مرورًا بروائح أوبئة الطاعون في العصور الوسطى، وصولًا إلى ما شهدته مع الثورة الصناعية، حيث بدأت الروائح تتغير مع التوسع الحضري والصناعي، وجعلت تدابير النظافة وإجراءاتها، ومنتجات إزالة الروائح وهيمنة البصر، العديد من البيئات خالية من الروائح.
تظهر الروائح في اللحظة التالية للمصافحة بين الناس، عندما يرفعون أيديهم خفية إلى أنوفهم، كأنما يستنشقون رائحة ما تبقى من المصافحة، فالأيدي تحدثنا بروائحها، لأنها تحمل مواد كيميائية تخبر عن مزاج صاحبها، ودرجة توتره، وربما أمراضه. كما أنها تفصح عن أمورٍ يخفيها كي لا تُكتشف نقاط ضعفه، أو تُقوَّض مواقفه التفاوضية. إضافة إلى أنها تؤثر في حدس الإنسان بقدر كافٍ، كي يميز بين الصديق والعدو، وبين الحرب والسلام.
تحتل حاسة السمع المرتبة الثانية في سلّم الأهمية الحسية، بعد البصر، تليها كل من حاستي التذوق واللمس. وتأتي حاسة الشم في أسفل القائمة. وفي عالم يستحوذ فيه الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد على مجالات أوسع من الحياة، قد تأتي لحظة تفقد حاسة البصر هيمنتها بوصفها أداة رئيسية للإدراك، لكن ثمة مصيرًا أسوأ ينتظر حاسة الشم، كونها تواجه خطر الانقراض، خاصة وأنها الحاسة الوحيدة المقاومة للرقمنة، وغير القابلة للترجمة إلى بيانات.
يرى بيرجيه أن علاقة البشر مع حاسة الشم متقلبة عبر العصور، حيث احتفوا بها لفترات طويلة باعتبارها أرقى الحواس وأكثرها إفادة. أما في فترات أخرى فقد جرى تغليفها بالمحرمات، واستُغلّت لوصم مجموعات معينة في المجتمع، مثل النساء، والفلاحين، والعمال، والمهاجرين. وبدأت مكانة الحاسة تتراجع مع عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وبقيت الحاسة عصية على التصنيف، مما تسبب في مشكلات للعلوم الطبيعية، ارتبطت بدورها بمشاريع القوة والهيمنة. واستمرت هذه الإشكالية حتى عصرنا الراهن، ليس فقط لدى الأنظمة القمعية والاستبدادية المهووسة بالنظافة، بل حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية في العالم.
تمتلك حاسة الشم صلة بالذاكرة والهوية، إذ تمتلك الروائح قدرة فريدة على استحضار الذكريات والمشاعر. فهي تربط الإنسان بالماضي، والأماكن، والأشخاص، والتجارب بطرق لا تستطيع الحواس الأخرى القيام بها في كثير من الأحيان. أما في المعنى الثقافي والاجتماعي، فالروائح المختلفة تحمل دلالات رمزية، بعضها إيجابي مثل الراحة والبهجة، وبعضها الآخر سلبي مثل الخوف والاشمئزاز، وتختلف هذه الدلالات باختلاف الأزمنة والمجتمعات.
تغير المشهد العطري عبر التاريخ، حيث ساهمت الروائح في تشكيل تاريخ البشرية، بدءًا من البيئات القديمة التي كانت غنية بالروائح العضوية والطبيعية، مرورًا بالمشهد العطري الجديد والقوي للتصنيع، وصولًا إلى المساحات المبنية المعقمة في عصرنا الحالي. وكانت الرائحة في العصور القديمة بمثابة الجسر إلى الإلهي؛ حيث كانت تُحرق الراتنجات باهظة الثمن لإخفاء "رائحة" الفناء والتواصل مع الآلهة. ولم تكن المدن القديمة مثل أوروك أو روما مجرد معالم، بل كانت بمثابة خرائط شمية غنية بروائح مدابغ الجلود، والمراحيض العامة، وأطعمة الشوارع. وفي العصور الوسطى انتشر الطاعون، وخلال الموت الأسود، نُظر إلى الرائحة على أنها ناقلة للمرض، واستخدم الأطباء "أقنعة الطاعون" المملوءة بالأعشاب. ولم تكن حاسة الشم مجرد حاسة، بل كانت مسألة حياة أو موت. ومع الثورة الصناعية جرى الانتقال من الروائح العضوية كالسماد، ودخان الخشب، إلى الروائح الكيميائية "الحديثة". وظهرت رائحة العملات المعدنية الغنية بالحبر، وبغياب روائح الجسم الطبيعية، وصعد مفهوم النظافة الذي عنى "تنظيف" العالم، ما خلق "فراغًا حسيًا"، وانتشرت الخشية من الروائح البشرية الطبيعية، مما أدى إلى دخول الحاسة طور التلاشي. وباتت الحياة المعاصرة تُخفي الروائح بواسطة مزيلات العرق، وتستخدم تقنيات كثيرة للتحكم في الروائح، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان التوازن الحسي وفهم أقل شمولًا للعالم.
يميل البشر إلى تمجيد حاستي البصر والسمع، بينما ينظرون إلى حاسة الشم كحاسة "بدائية" أو ثانوية، فيما تعد حاسة الشم من الحواس المرتبطة بشكل وثيق بالعاطفة والذاكرة، فهي تتصل مباشرة بالجهاز الحوفي في الدماغ، مما يتيح للإنسان الاستجابة للروائح قبل حتى أن يدرك ذلك. وهذا الاتصال العميق له جذور في تطور البشر، حيث كانت الروائح وسيلة لتحذير الأسلاف من المخاطر المحيطة، وهو يفسر لماذا يمكن لرائحة معينة أن تعيد الإنسان فورًا لذكرى من طفولته قبل أن يدرك عقله المنطقي.
أخيرًا، لا يقدم الكتاب دراسة علمية جافة، لأنه يمزج بين التاريخ والفلسفة وعلم الحواس والنقد الثقافي، فكل رائحة تُناقش فيه تصبح وسيلة للتفكير في كيفية تحوّل المجتمعات في علاقتها بالعالم الطبيعي وببعضها البعض. ويمثل الكتاب دعوة إلى التوقف وشمّ الورود، والاهتمام بأنوفنا كأدوات لفهم العالم والاستمتاع بالحياة بشكل أعمق، فالرائحة هي الكلمة، والأنف هو اللسان الذي يقرأها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.