ثمة دعاء متداول بين الأجيال السابقة لنا يقول: "اللهم اجعل الآتي أفضل من الماضي". إنه دعاء يؤكد الخوف مما يحمله المستقبل من تدهور وانحطاط ومجهول، ويترجم الحنين إلى الزمن الجميل، ذلك الذي كانت تتعايش فيه المعتقدات والديانات، ولم يكن فيه الحجاب فرضًا، ولا النميمة الدينية والغيبة، من شيم الناس. بل إنها أيام التسامح والتضامن السمح. والحقيقة أن كثيرًا من التجارب الحياتية والمجتمعية التي نعيشها، إن لم تؤكد تمام التوكيد ذلك الخوف من الآتي، فإنها تفصح عن المفارقات الكبرى التي تمزق حاضرنا. فرغم التطور المتسارع لمناحي الحياة، وتوفر عناصر الرخاء، وسهولة التواصل بين الناس في جميع أطراف المعمور، تصلبت الحدود الفاصلة بين البلدان، وتعمقت الفجوة بين عوالم التقدم وعوالم التخلف والتبعية، وانفجرت الهويات المحلية والدينية كالبركان، وصار اضطهاد الأقليات الدينية والعرقية مُجازًا في العديد من البلدان، وأضحت الحروب الإقليمية والإمبريالية الجديدة أكثر فتكًا ودمارًا (حرب العراق، وحرب سورية، والحرب في فلسطين، وأوكرانيا، والحرب في السودان... ثم الحرب الحالية ضد إيران).
لقد عاش اليهود والمسيحيون والمسلمون في العديد من البلدان العربية ضروبًا من التعايش والوجود المشترك الأنموذجي، وإن كان مشوبًا أحيانًا بالتوترات العقيدية والسياسية. وفي المغرب، ظل اليهود طوال القرون الماضية يمارسون شعائرهم ويتواصلون مع جيرانهم المسلمين المغاربة بالعربية الدارجة والأمازيغية. وقد بلغ ذلك مبلغًا مثيرًا تمثل في تبني المسلمين للعديد من الأكلات اليهودية، وحجهم لزيارة أولياء صالحين مشتركين في العديد من المدن والبوادي. وقد شكلت فترة الاستعمار محكًا لهذا التعايش والانفتاح المطبوع بالتسامح الديني، الذي يمكن اعتبار تجربة المسيحيين البندكتيين بالمغرب في بداية خمسينيات القرن الماضي تجربة عميقة ومثيرة كان لها موقع خاص في التاريخ الثقافي والديني الحديث للمغرب.
في فترة الاستعمار... سباحة دينية ضد التيار
في بداية خمسينيات القرن الماضي، أي في عزّ حكم المقيم العام الفرنسي الماريشال جوان، وتأجج الصراع من أجل استقلال المغرب، وحث الصهاينة لليهود المغاربة على ترك بلادهم نحو دولة إسرائيل الفتية، قرر عشرون قسًا من الطريقة المسيحية البندكتية (نسبة إلى القديس بونوا) الانتقال من ديرهم الكبير بجنوب غرب فرنسا للاستقرار في المغرب. لم يكن ذلك ممكنًا طبعًا من دون إذن خاص من ملك المغرب آنذاك، السلطان محمد الخامس، الذي وهبهم قطعة أرض في قلب الأطلس المتوسط تشرف بكيلومترات قليلة فقط على مدينة أزرو، الشهيرة بغابات الأرز والبلوط الأخضر، وبالبحيرات العديدة المحيطة بها، كما باعتبارها بوابة الأطلس وبلاد الأمازيغ. لم يكن همّ الرهبان البندكتيين التبشير بالديانة المسيحية، بقدر ما كان مرماهم ممارسة شعائرهم الدينية والانفتاح على سكان البلد لتقديم الخدمات التعليمية والطبية لهم، كما الاهتمام باليتامى والصبيان المنبوذين. ثم إن التقليد الذي تركه الماريشال ليوطي منذ العقد الأول والثاني من القرن العشرين بمنع التبشير، واحترام المقدسات الدينية المحلية، وحماية المساجد من وطء النصارى (إذ وضعت لوحة نحاسية تحرم ذلك)، كل هذا جعل ما مورس من تبشير خاضعا للمراقبة، أو ممارسة سرية.
وأنا أعتقد أن ما شجع الرهبان البندكتيين على اختيار ذاك الموقع ليس فقط التهميش الذي كانت تعيشه المناطق الأمازيغية الجبلية، وإنما التجربة الفريدة التي عاشها لمدة ثلاثة عقود الراهب ألبير بيريغير (1883 ــ 1959) في الخلوة ومساعدة أبناء قرية "القباب" على بعد ستين كيلومترًا من هناك. فهذا الراهب كان من أتباع الأب بيير دوفوكو، الذي عاش في نهاية القرن التاسع إحدى أغرب الرحلات الاستكشافية للمغرب رفقة حبر يهودي، ودوَّنها في كتاب شهير بعنوان: "التعرف إلى المغرب"، قبل أن يصبح راهبًا ومبشرًا، ويعيش الخلوة الدينية في صحراء الجزائر.
عامًا بعد استلام الموقع، شيد الرهبان البندكتيون مرافق الدير التي تضمنت كنيسة صغيرة، ومصحة، ومطعمًا، وغرفًا للنوم، وطبعًا مخزنًا للماء مجهزًا بمولدين للكهرباء. وقد عُرف عنهم الالتزام بالصلوات والتعبد وإنتاج ما يحتاجونه من مأكل ومشرب. أما أنشطتهم الاجتماعية فكانت تتمثل في التدريس والتطبيب والتمريض والاهتمام بالنزلاء المغاربة. لكن، رغم الحياد السياسي الذي كانوا يحافظون عليه، فقد كانت نفوسهم ميالة إلى تحرر المغاربة من ربقة الاستعمار، وقريبة من حركة الفرنسيين الأحرار المناهضين لاحتلال البلاد، خاصة أن أسقف المغرب آنذاك الأب لوفيفر كان معروفًا بمواقفه من أجل استقلال البلاد.
بيد أن الهاجس الأكبر الذي كان يحرك هذه الثلة من المسيحيين في المغرب هو خلق حوار ثقافي عميق ومفتوح بين الأديان، بعد أن حازت البلاد على استقلالها. فقد انطلقت المناظرات، وصدرت مجلة باسم "تومليلين". عرفت هذه المناظرات حضور عدد من الشخصيات الثقافية والسياسية المغربية، كشيخ الإسلام مولاي العربي العلوي، ورئيس الحكومة السيد بلافريج، والقائد اليساري العالم ثالثي الشهير الذي اغتيل في باريس سنوات قليلة بعد ذلك، المهدي بنبركة. كما شهدت محاضرات لافتة للنظر لمفكرين كبار من قبيل الفيلسوف اليهودي الفرنسي كلود ليفيناس المنظر للغيرية، والمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، والفيلسوف المغربي محمد عزيز لحبابي.
تجربة حوار فريدة يطويها النسيان
عندما فكرتُ في الاستقرار في جبال الأطلس، منذ أكثر من عقد من الزمن، على بعد كيلومترات قليلة من دير تومليلين، كنت قد عثرت بالصدفة في سوق سقط المتاع على أحد أعداد مجلة "تومليلين"، تتصدرها صورة للفقيه الشهير محمد بن العربي العلوي. كانت المجلة داعيًا لي لزيارة أطلال دير تومليلين، والوقوف على مدى الإهمال الذي عاشه الدير منذ 1968، بعد صدور قرار توقيف أنشطته نظرًا لمعطيات كان من بينها اتهام الآباء البندكتيين بممارسة التبشير. وهو توقيف جاء في عز أزمة النظام السياسي المغربي، وظهور الحركة الإسلامية، وما تلا ذلك من أزمات سياسية عرفتها البلاد.
بدأت "الملتقيات الدولية بتومليلين" عام 1956، وكان وراءها بشكل مباشر ثلاثي ديني وفكري هو لويس ماسينيون، وإيمانويل ليفيناس، ومحمد عزيز لحبابي. كانت مساهمة هذا الأخير متعددة، منذ أول لقاء؛ فشخصانيته الداعية للتحرر كانت وراء تسييره للحلقات التكوينية، وللقيام بمحاضرات وتدخلات إلى جانب فلاسفة مسيحيين من قبيل غابرييل مارسيل. وكان يحضر هذه اللقاءات شباب ومتابعون من جميع بلدان العالم، إذ يقال إن المحاضرات كانت تجمع أحيانًا ما يناهز الثمانمائة شخص. وهو ما يعني الفورة الثقافية التي كانت تحبل بها هذه اللقاءات في مغرب يتوق للحوار والحداثة الثقافية والتحرر من ربقة الاستعمار، وبناء دولته الحديثة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحوارية الدينية كانت ذات طابع طليعي، إذ إنها أخذت طابعًا مؤسسيًا عقودًا بعد ذلك حين تبنتها الكنيسة عام 1979.
كان الملك محمد الخامس يستقبل المشاركين في هذه اللقاءات الدولية في قصره، بحضور مسيِّري الدير، وأسقف الرباط الأب لوفيفر، الذي كان مساندًا لتحرر المغرب، وبحضور شيخ الإسلام الفقيه محمد بن العربي العلوي، الفقيه الوطني الشهير. كما أنه فوض ابنه الأمير مولاي الحسن لتقديم اللقاء الأول عام 1956 الذي شارك فيه ماسينيون، وليفيناس. ويبدو أن النقاش احتد بين المفكريْن بخصوص فلسطين. فقد انطلق المفكر اليهودي من مقولة البابا بيوس الثاني عشر، الذي ناهض إبادة النازية لليهود "نحن كلنا ساميون روحانيون"، ليجعل منها حجر الأساس لحوارية الديانات، ولبناء سردية جديدة مبنية على التعايش والتسامح. ثم انتقل إلى بسط رأيه في "إسرائيل"، لا باعتبارها فقط دولة، وإنما موطنًا روحانيًا. بيد أن ماسينيون في مداخلته عن مسألة الضيافة أكد قائلًا، مركزًا على مسألة الآخر، والغيرية التي كان ينظر لها ليفيناس: "لكي نفهم الآخر، ليس علينا أن نقوم بإلحاقه واستعماره، وإنما علينا أن نصبح ضيفًا عليه". كان ماسينيون يدعو إلى ما يسميه "ديانات إبراهيم"، تتوحد فيه الديانات الثلاث. كما أنه، بعد أن ناصر الصهيونية في بداياته، أصبح من أكبر المناصرين للقضية الفلسطينية. وهو يرى أن فلسطين أرض للديانات الثلاثة، لا لليهود لوحدهم. ويرى أن هذه الديانات لا تتطلب التوفيق، وإنما التحالف الموحد. لهذا دان ماسينيون في هذا الملتقى الدولة الصهيونية الملحدة التي تؤمن بالإلحاق لا بالتعايش. واستمر النقاش بينه وبين ليفيناس بعد انتهاء الملتقى.
والطريف أن ماسينيون اكتشف خلال مقامه بتومليلين طقسًا فريدًا من نوعه سوف يهتم به ويمنحه موقعًا هامًا في تفكيره المسيحي. الأمر يتعلق بالحج إلى مغارة "السبعة رجال"، أو أهل الكهف التي يزورها اليهود والمسلمون قرب مدينة صفرو القريبة من الدير. لذا رأيناه يكتب كثيرًا عن الطقس نفسه في شمال غرب فرنسا وقلب المغرب ويربطه بأهل الكهف في أصله الديني والأسطوري، ويعتبره رمزيًا طقسًا موحدًا للديانات.
استمرت اللقاءات الدولية هذه إلى حدود توقيف الدير عام 1968، واعتبرها كثيرون مبادرة طليعية فريدة تندرج في سياق دولي جديد يؤشر لتحولات عرفها العالم مع أحداث مايو/ أيار 1968، وما أفرزته من تجديد فكري طاول الجوانب السياسية والفكرية والحقوقية والدينية. ولا ريب في أن استدعاء هذه الذاكرة التاريخية اليوم، في وقت احتدت فيه الصراعات العقيدية والانغلاق المذهبي، لا يمكن إلا أن يكون تسليطًا للضوء على فترة منيرة من واقعنا الثقافي تميزت بانفتاح روحاني يجاوز المسلمات الدينية المحضة. إنه الماضي الذي يجاوز حاضرنا، الذي تشهد عليه أطلال الدير التي حظي جزء منها بالترميم في الآونة الأخيرة. أو لنقل إنه الزمن الذي كانت فيه جذوة الفكر والحياة تعبيرًا عن ممانعة الصراعات والحروب الدينية والعرقية، ذلك الذي قال فيه الكاتب الإسباني رفاييل سانشيث فيرْلوسيو في ذلك الوقت:
ستهل علينا أعوام أكثر سوءًا
وتجعلنا أكثر عمى
ستهل علينا أعوام أكثر عمى
وتجعلنا أكثر سوءًا
ستهل علينا أعوام أكثر حزنًا
وتجعلنا أكثر برودة
وتجعلنا أكثر جفافًا
وتجعلنا أكثر كآبة.


تحميل المقال التالي...