أقبلت السوسيولوجيا، بما هي بحث علمي ممنهج، على دراسة التشكيل الاجتماعي، مؤسساتيًا وأُسريًا وطبقيًا، وعلى دراسة الحراك الاجتماعي والسلوك الفردي. ولئن كان لكل ذلك فعله العميق في الآداب بعامة، فهذا الفعل يتضاعف في السرد الروائي. ومن هنا جاءت السوسيولوجيا الروائية كمنهج نقدي يرى للرواية ظاهرةً اجتماعية بقدر ما هي تعبير جمالي عن تحولات الفرد والبنى الاجتماعية. وبفضل السوسيولوجيا الروائية أخذت الرواية ونقدها يتخففان من وطأة الأدلجة على طريق البرء من دائها، وهذا ما تحقق في أعمال جورج لوكاتش، وميخائيل باختين، ولوسيان غولدمان، وبيير زيما، وبيير ماشري...
عربيًا، وفي سياق مألوف التقفي للآخر الغربي، جاء الرد الفكري والنقدي والروائي على الرطانة الأيديولوجية، الماركسيّ منها، أو السلفي الدينيّ. وبعد صخب وعكر ذلك الرد، بالحداثة والبنيوية وما أدراك، أخذت الكفّة تتوازن، وكان للسوسيولوجيا الروائية شأنها في ذلك خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. وعلى أية حال، أحسب أن السوسيولوجيا الروائية موائمة ــ كيلا أقول ضرورية ــ للنظر اليوم في العلاقة بين النص والمرجع ــ المراجع في سورية.
من المكونات إلى الخادمات
جريًا على سننٍ جديدة للغة السياسية بعد سقوط النظام الأسدي، هي ذي المكونات الطائفية ــ المذهبية ــ الدينية، ومنها، المكوّن العلوي الذي تقادم عليه حديث الخادمات. ولحديث الخادمات في الرواية في منطقة الخليج العربي شأوه السوسيولوجي والسوسيوروائي. وحسبي هنا أن أذكّر بالرواية التي توّجت البوكر العربية عام 2013، أعني "ساق البامبو"، للكويتي سعود السنعوسي، وإليها أضيف من عُمان رواية "التي تعدّ السلالم" لهدى حمد، ومن المغرب رواية "فتاة الرماد" لعبد السلام بزيد. فالخادمة/ الخادمات مادة روائية بامتياز (من المحيط إلى الخليج)، وربما كان أقلّ ذلك في سورية. ومع ذلك، يتوافر لهذه المادة وقع ملغز، أو صاخب، أو إشكالي، أو كل ذلك معًا، حين يتصل الأمر بالمكون العلوي. ولكن لنبدأ من أسفل السلم: من الواقعة السوسيولوجية. وهنا أسوق من طفولتي، عندما كنت في السادسة أو السابعة، وقد عدت مع الأسرة إلى القرية (البودي) في الريف الجبلي لمدينة جبلة خلال العطلة الصيفية. ففي ليلة مقمرة ذهبت مع عمي الشاب إلى (الحاكورة) الكبيرة القريبة، والتي اقُتلعت منها (شتلات) الدخان (التبغ) بعد انتهاء موسم القطاف، فبدت مثل ملعب. وكان الفتيان والشبان يتحلقون في الحاكورة ويلعبون، وحولهم يتحلق أطفال وصبايا ومسنّون ومسنّات. وفجأة سقط ضوء القمر الساطع على صبيّة قبالتي، فصارت هي القمر الذي أعشاني ضياؤه. ورمتني بالدوار هذه التي سأجد نفسي بعد قليل بجوارها، تتلمس أصابعها شعري. وسأعلم من بعد أن اسمها أميرة، وقد صادفتُ منذ سنوات حفيدة لها، أخبرتني بوفاتها.
كانت أميرة تلبس فستانًا قصيرًا يكشف ما تحت الركبتين، بخلاف نساء القرية، صغيرات وكبيرات، فهنّ يرتدين لباسًا يغطي الساقين تمامًا، فالثياب القصيرة لن تدخل القرية حتى السبعينيات.
كان ذوو أميرة قد أخذوها إلى بيروت، حيث وضعت عند أسرة لبنانية، فيما يُسمّى (رهنيّة) تُدفع سلفًا إلى والدها، وهي أجرها كخادمة في البيت لمدة سنة. ومن النادر جدًا أن تعود الخادمة في إجازة قبل فضّ الاتفاق الذي يتجدد سنوات. ومن النادر أيضًا أن ينتهي الاتفاق بزواج الخادمة من لبناني.
حين تعود الخادمة إلى القرية، وكما في قرى الجبل، ستبدو غريبة، جاذبة بلباسها وتسريحة شعرها وبياضها ــ حتى لو كانت سمراء ــ وبلكنتها ومفرداتها.
بعد خمسة عشر عامًا، في عام 1966، وكنت طالبًا جامعيًا، وأعمل معلمًا في المدرسة الابتدائية مع زميلين آخرين، لكل منا صفّان. وفجأة دوّى خبر قدوم (فريحة) من بيروت إلى القرية المجاورة (العرقوب). ولبّى المعلمون الشباب الثلاثة نداء الدويّ إلى بيت الخادمة الشابة التي غابت عن قرية (العرقوب) منذ كانت في الثامنة حتى صارت في الثامنة عشرة. وكانت زيارة (الأساتذة) موضع ترحيب من أي بيت، فتلاميذ (العرقوب) يتعلمون في مدرسة (البودي).
بالانتقال من واقعتي أميرة وفريحة إلى التاريخ، هوذا باتريك سيل في كتابه الشهير "الصراع على سورية" يتحدث عن عشرة آلاف بنت علوية خادمة في دمشق، عدا عمّن كنّ يخدمن في بيروت وطرابلس، أو في اللاذقية وحماة. وينبه باتريك سيل إلى دور من خدمت في لبنان بخاصة في تطوير التدبير المنزلي في القرى. كما كان للشيوخ (رجال الدين) نصيب من أجور الخادمات، كزكاة.
شخصيًا، أكاد أجزم بأن في رقم عشرة آلاف مبالغة. وفي حدود علمي ما من إحصاء شبه دقيق. غير أن الأهم هو صحة الواقعة، واستمرارها في الزمن الأسدي. فبالإضافة إلى المعايشة التي تؤكد ذلك، هي ذي الأكاديمية الفرنسية جيرالدين دوليانس ــ المتخصصة في أعمال مارسيل بروست ــ تكتب عما قبل 2011: "أما بالنسبة إلى الخادمات العلويات فقد جرت الاستعاضة عنهن بالخادمات السيرلانكيات في الأحياء الراقية لدمشق، مثل المالكي، والمزة، وباب توما" (نقلًا عن مجلة "الجديد" اللندنية، 1/8/2021).
بالمضي إلى السوسيولوجيا الروائية، تحضر الخادمات العلويات في روايات شتىّ، ليس حضورًا مفردًا، بل في مشهد ــ مشاهد تحفر في أمسٍ بعيد أو أبعد، في قرية أو قرى، وبالطبع في مدينة أو مدن. ومن أحدث الروايات المعنية رواية محمد ديبو (خيانات لم يرتكبها أحد ــ 2025)، حيث تصطرع حكايات وأخبار الخادمات العلويات في بيوت ملاّك وإقطاعيين، علويين وغير علويين. وتذهب الإشارة إلى ما تلامح من خلف حجاب، أو كان له حضور صارخ في روايات "صلصال" لسمر يزبك، و"عين الشرق" لإبراهيم الجبين، و"أبنوس" لروزا ياسين حسن، و"الوباء" لهاني الراهب، و"شموس الغجر" لحيدر حيدر... ومن ذلك أيضًا روايتي الأولى "ينداح الطوفان" (1970). وأذكر في هذا السياق أن صديقًا يعرف أنْ ليس لي صفحة على فيسبوك أرسل لي في 24/9/2014 ما كان خيري الذهبي قد نشره على صفحته بتاريخ 25/6/2014، ويتعلق بالخادمات العلويات، وهذا نصّه: "أستطيع أن أعلن بضمير مرتاح أن خمسة وتسعين في المائة من سكان دمشق لم يعرفوا خادمة في بيوتهم، أما عن العلويين تحديدًا فلم يكن الدمشقيون يعرفون بوجودهم إلا عند تعداد الطوائف في سورية، وكانت الخادمات العلويات كالشباب العلويين يتوجهون بالبحث عن عمل إلى لبنان الأقرب والأكثر اعتيادًا، ولم يتجهوا أبدًا إلى بلد البرجوازية العفنة!!
وإذن، هل يمكن التوقف عن الابتزاز العاطفي الذي يمارس على السوريين منذ عقود عن البورجوازية العفنة، وعن البنات اللواتي عملن ويعملن خادمات في مدن الأغنياء السنة، ولذا فهم يحق لهم الانتقام ممن استغلهن خادمات في بيوتهم.
في الخليج العربي الآن ما يقارب المليون امرأة من الإندونيسيات والفيليبينيات ممن يعملن خادمات منازل، فهل يحق للأندونيسيين والفيليبيين أن يشتكوا من استغلال بناتهم وتشغيلهن خادمات، وهن من انتظرن لشهور أو سنوات حتى استطعن السفر للعمل خادمات في الخليج"؟
بعد حين جمعتنا الشارقة في معرض الكتاب. وذكّرت خيري بذلك (البوست)، مبتدئًا بحق الإندونيسيين والفيليبنيين أن يشتكوا من استغلال بناتهم. أما تشغيلهنّ خادمات فأمر آخر. ومن أجل الخادمات العلويات عزّزت دعوته إلى التوقف عن الابتزاز العاطفي بدعوى عملهن في مدن الأغنياء السنة. أما إنكار التشغيل فهو إنكار للواقع والوقائع. ونقلت الحديث إلى الطبقي في أمر الخادمات السوريات، بدلًا من الديني، أو الطائفي، أو الجهوي.
ولأنني أعرف مكانة هاني الراهب ورواياته عند خيري، قلت له: إسأل صاحبك هاني. ولأنني أعرف محبته لروايتي "مدارات الشرق" بأجزائها الأربعة، قلت له: إسأل "مدارات الشرق"، وختمت: إسأل صاحبك باتريك سيل عن آلاف الخادمات العلويات في دمشق.
عندئذ لكزني وسألني عما إذا كنت قد قرأت ما كتبه الدكتور ع. ع عن الجنس لدى الطائفة العلوية. وكان المذكور صديقًا قديمًا، قبل لجوئه إلى باريس. وقد عاينت تقلباته من ماركسي لينينيّ شيوعي يحلف بحياة خالد بكداش وينام بلا عشاء، إلى من يحلف بحياة غورباتشيف وينام بلا عشاء، إلى من صار يحلف بحياة الإسلام السني الحريري ــ نسبة إلى رفيق الحريري ــ وينام بلا عشاء.
في الغداة، كان اللقاء الأخير مع خيري، وفيه ناولني ما كتبه الدكتور ع. ع، وهذا نصه: "ليس من وجه حداثي لنظام الأسدية أمام الغرب سوى (بدائية إباحيته الجنسية الرعاعية) التي تتبدى للغرب كوجه للعصرية، وكأنها حداثة اجتماعية تتقدم بها الطائفة العلوية على باقي طوائف المجتمع السوري بمن فيهم المسيحيون الذين يبدون محافظين كـ(السنة) في موضوع الموقف من كسر المحرمات الجنسية بين الذكر والانثى!!!
وها قد اقتنع الفرنسيون ــ والحمد لله ــ على لسان وزير خارجيتهم (فابيوس) بما كنا نقوله ونردده لهم وأمامهم، بأن نظام العصابات الأسدي هو الوجه الأول المنتج لكل ما يناقضه بنيويًا... من طبيعة مماثلة ومشابهة له عنفية ووحشية وهمجية أي هو سببها ومنتجها، وهو الأصل العاكس لكل ما ينتج عنه من وجوه عدوانية من قتل ومجازر وتصفيات (جينوسيدية)، أي هو الجذر الأصلي المولد لكل الحركات العنفية الأصولية بمثابتها وجهًا ثانيًا له ومتلازمًا عضويًا وجدليًا مع الوحشية الغرائزية البدائية للعصبة الأسدية ذات الأصول... الرعاعية والحثالية.
أي إن ما يبدو للغرب أنه انفتاح مدني حداثي في أوساط الطائفة العلوية تجاه العلاقات الجنسية، ليس تعبيرًا عن انفتاح مدني حضاري حداثي، بل هو تعبير عن حسية بدائية غرائزية لم ترتق فيه (الأنا الاجتماعية المدنية) للقمع أو الكبت الحضاري الضروري للـ(هو الغريزي) في مجتمعات الحداثة المنظمة والكابتة لاندفاعات ونزوات (الهو) من أجل الانتظام الذاتي الفردي والاجتماعي، حسب فرويد أحد أهم أنبياء الحداثة الغربية.... سنكتفي بهذا القدر اليوم: حول هذا الموضوع للقراء النزقين الذين لا يحتملون ثقل رسائل الحداثة لأنبياء الغرب... داروين ــ ماركس ــ فرويد ... وسنتحدث قريبًا".
ما إن أنهيت قراءة هذه (المعلقة) حتى تمتمت وأنا أطوي الورقة: فتحٌ سوسيولوجي مبين. فتبسّم خيري الذهبي ساخرًا وقال: استعصاء سوسيولوجي مبين.


تحميل المقال التالي...