إنّ الوصول إلى مدينة الرّباط المغربيّة، يعني بالضّرورة زيارة ثقافيّة فنّيّة إلى "متحف بنك المغرب"، هذه المساحة المتميّزة الّتي تخبرك أنّ البنك ليس مؤسّسة اقتصاديّة وحسب، بل فضاء لتقدير الفنّ والمبدعين أيضًا... ففيها عدد كبير من لوحات روّاد الفنّ المغاربة والأجانب وبأساليب فنّيّة متنوّعة ومتعدّدة.
مِن هذه المجموعة الفنّيّة لبنك المغرب- الأجانب: راوول دوفي Raoul Dufy- لوحة "سُطوح فاس". جاك ماجوريل Jacques Majorelle- "مُقتَطَف مِن قصبات الأطلس"، وهي عبارة عن ألواح مزيّنة بالذّهب والفضّة على ورق مُقوّى. هنري إميليان روسّو Henri Emilien Rousseau- لوحة "حاشية القايِد"- أي الحاشية التّابعة للقائد وهي تمتطي الأحصنة.
أمّا مِن الفنّانين المغاربة: مُحَمَّد حمرِي- لوحة "تركيب" بأسلوبها الفطريّ، وبألوانها الحمراء والصّفراء والخضراء والبيضاء، هي وجوه بلباس مغربيّ تقليديّ. أحمد الشّرقاوي- لوحة بلا عنوان، بتقنيّات مختلطة على الورق المُقوّى. سعْد بن شفاج- لوحة بتقنيّات مختلطة على لوح خشبيّ. مُحَمَّد المليحي- لوحة باستخدام ألوان الأكريليك على خشب. مُحَمَّد الفقيه الرّكْراكي (تُلْفظ الكاف كالجيم المصريّة)- لوحة قماش فيها منعرجات وتموّجات ألوان الزّيت الأصفر واللّيلكيّ والأحمر والأسود والأخضر.
ونقف عند اسم الجيلالي الغَرْباوِي- من أوائل الفنّانين التّشكيليّين الّذين أدخلوا التّجريد إلى المغرب، لتُولد الحداثة التّصويريّة، حيث يصير للفنّ التّشكيليّ مسارات جديدة، مثل: لوحة بلا عنوان، غواش على ورق. وأخرى بعنوان "بزوغ" بألوانها الزّيتيّة على القماش.
أمّا عن لوحته المميّزة المشغولة بألوان الزّيت فهي بعنوان "عيون الغضب"؛ عبارة عن وجه ضخم يملأ الفراغ، بلون البشرة الطّبيعيّة. في الوجه عينان كبيرتان، جاحظتان تحملقان، مستغربتان أو متفاجئتان أو شاردتان... أعلاهما قوسا الحاجبين الرّفيعين بلون الأزرق الأخضر... والأنف طويل رفيع، أمّا الفم فمتوسّط بلون ورديّ برتقاليّ، مغلق والشّفاه رقيقة وعريضة... يظهر الجسد العلويّ للوجه برداء أحمر برتقاليّ.
هذه اللّوحة ذات الخلفيّة الصّفراء المائلة للأبيض، معلّقة على جدار مصبوغ بالأحمر. إلى جانبها بطاقةٌ سوداء مكتوب فيها باللّون الأبيض إضاءة يمكن تلخيصها بـ: عالم الفنّان هنا هو عالم روحيّ معذَّب، وكأنّ الغّرباوي يردّد صدى وجوده، تجتازه نوبات متكرّرة من الاكتئاب، وتتخلّله الإقامة في مستشفيات الأمراض النّفسيّة... حتّى وفاته في باريس، رغم نبض أمله.
ثمّ نقف عند اسم مُحَمَّد بن علي الرّباطي على لوحة بصباغة مائيّة على ورق، بعنوان "نساء على شرفة بطنجة"، تفصح عن امرأتين على شرفة تطلّ على البحر الأزرق في سماء صافية، عند سطح لبناء مغربيّ بزلّيجه المُنمنم وخشبه البنّيّ القرميديّ المنقوش، قريب من دور بيضاء وقبالته مشهد يابسة... إحداهما بعيدة تجلس بوضعيّة جانبيّة على مسند بجلّابتها الفاتحة الفضفاضة، وتشمّ برقّة وردة حمراء في يدها، يبدو قطفتها من أصيص الزّهور الكبير الموضوع إلى جانبها. أمّا الثّانية فقريبة على المتلقّي، تنظر إليه بعينيها السّوداوين النّاعستين وابتسامتها الرّقيقة، ممتلئة تظهر حتّى وسطها، ترتدي الحليّ المميّز من حلَق كبير وعِقد طويل ملفوف إلى ثلاث حلقات كبيرة فوق قفطان مغلق عند الرّقبة، فاتح مزركش، وشعرها المجدول في ضفيرة جانبيّة تزيّنه قلادة وسط جبهتها. هذه اللّوحة يعتبرها النّقد مدهشة لأنّها تعكس عفويّة الرّسم والنّظرة الجديدة للفنّان المغربيّ المعتمد على مرجعيّة الرّسامين الغربيّين المعاصرين له. وضع الفنّان لوحته داخل إطارين زخرفيّين يشيران بطريقة فريدة إلى تكوين الورقة البنكيّة.
بعدها نقف بإمعان عند لوحتين للفنّان عبّاس الصّلادي- واحدة بلا عنوان وبدون تاريخ، بتقنيّة مختلطة على الورق. عالم اللّوحة مليء بالكائنات الخياليّة والنّباتات الغرائبيّة، ترافقها تلميحات من التّراث المعماريّ. ألوانها زاهية فيها الأحمر والزّهريّ والأصفر والبنّيّ والأزرق والأخضر، وفيها حشرات زاحفة وأخرى طائرة، وكائنات تشبه بهيئتها الوجوه الفرعونيّة مع أجساد رشيقة وأجنحة وحلّيّ ومجوهرات مذهّبة ومزركشة... وحول هذه الكائنات أشجار ونباتات وثمار غريبة وعجيبة.
| |
| من الأعمال المعروضة في المتحف |
أمّا اللّوحة الثّانية فهي بعنوان "التّوحيد أو لقاء الأديان" مِن عام 1987، بتقنيّة مختلطة على ورق. ففيها نجد رموزًا كالهلال، وأخرى تدلّ على المسيحيّة واليهوديّة، وهي تعكس روح التّسامح والأمل بما فيها من ألوان زاهية مضيئة.
ولا يمكننا إلّا أن تستوقفنا التّقنيّات الّتي يشتغل فيها فريد بِلْكاهية، حيث يدمج بين مادّة النّحاس على الخشب. ونجدنا نلاحظ لوحة أخرى ذات ألوان ترابيّة قريبة من التّعبير الجرافيكيّ والرّمزيّ للفنون التّقليديّة. عمل عليها بتقنيّة الطّباعة الحجريّة- اللّيثوغرافيا Lithography والّتي تعتمد في الأصل على عدم تمازج الزّيت أو المادّة الدّهنيّة بالماء. تُرسم الصّورة على السّطح الحجريّ أو المعدنيّ بِحبر دهنيّ يُعرف بالحبر اللّيثوغرافيّ. ثمّ يُمسح السّطح بالماء فيَعْلَقُ الماء بالأجزاء غير المُحَبّرة، ويرتدُّ عن الأجزاء المُحبّرة، لأنّ المادّة الدّهنيّة الموجودة في الحبر تطرده، ومن ثمّ يُضغطُ السّطح على الورق بآلة طباعيّة خاصّة.
بعدها ننتقل إلى رواق خاصّ واسع ومقسّم إلى زوايا في البنك، مخصّص لمتحف "سَكّ العملة"، إذ يُعنى بالتّاريخ الفنّيّ للنّقود الورقيّة المغربيّة، ويضمّ مراحل زمنيّة عديدة، هي: تاريخ الأعمال الفنّيّة وتاريخ مجموعات الصّور الكولونياليّة الوثائقيّة والفنّيّة، وتاريخ الأوراق النّقديّة في فرنسا، وتاريخ الحماية واستقلال المغرب، وتاريخ الفنّ في المغرب، وتاريخ الفنّ العربيّ.
وأنت تتجوّل بين الزّوايا، تلتقي بشروحات خاصّة عن تاريخ النّقود في المغرب، مع نماذج للعملات والأوراق النّقدية. ويتّضح أنّ الفضل في ظهور النّقود في بلاد المغرب يرجع إلى الفينيقيّين، الّذين أسّسوا عدّة مراكز تجاريّة في شمال أفريقيا، فقد اعتمد المغاربة قديمًا على أسلوب المقايضة، حيث لم يكن استعمال النّقود أمرًا ضروريًّا.
واسترعى انتباهنا أنّ فنّ الأوراق النّقديّة هو مجموع إبداعات تتمّ بتقنيّات فنّيّة، ويتمّ تنفيذها لإنتاج الأوراق النّقديّة الّتي تميّز الاقتصاد والثّقافة. وفي قلْب هذا الفنّ، وفي الوقت نفسه، يتفاعل إنتاج الرّسومات مع كلّ من التّراث الفنّيّ المحلّيّ ومع التّعبيرات الفنّيّة العالميّة. فالرّسومات على الورقة النّقديّة تعتبر، إجمالًا، تعبيرًا فنّيًّا خاصًّا بعصر معيّن، ومؤشّرًا لتأكيد النّظرة إليه بإنتاج الرّموز وبالتّدوين الأيقونيّ.
هذا المعرض الفريد من نوعه يتيح لنا رؤية صور الأوراق النّقديّة وأعمال فنّيّة ووثائق من الأرشيف البَصَريّ... مرورًا بموضوعات وأيقونات الأعمال الاستشراقيّة، وتلك الّتي تعود إلى الفنّانين الغربيّين الرّحّالة، ثمّ الوقوف على التّراث المعماريّ والزّخرفيّ، إضافة إلى مرحلة الأعمال الأولى للرّسّامين المغاربة، ووصولًا إلى إنجازات فنّاني الحداثة.
وفي سياق "قاموس الزّخرفيّة على الأوراق النّقديّة"؛ نجد أنّه في فترة الحماية الفرنسيّة، اهتم الكثير من الباحثين والفنّانين بتصميم ودراسة الفنون الزّخرفيّة بالمغرب. هذه الدّراسات اعتنت بالتّزيين، وقسّمته إلى فئتين: الأوّل- الفنّ البربريّ، ويسمّى القرويّ أو الرّيفيّ. زخارفه مستقيمة، من أشكالها "المُعَيّن" ورسومات متعرّجة تشكّل رموز الزّربيّة والمنسوجات ووشوم النّساء.
واللّافت هنا الفِتْرينات أو الواجهات الزّجاجيّة الّتي احتوت على أوراق عليها رسوم يدويّة لوشوم وأشكال رموز، مع شروح بالفرنسيّة بخطّ اليد لما يميّز كلّ وشم من ناحية شكليّة، منها: الوشم المرسوم بالحبر أو قلم الرّصاص لكفّ يد امرأة أصابعها إلى أسفل، فوق منطقة الإبهام وشم بلون أسود. ولوحة وجه المرأة الّتي تضع شالًا على رأسها، مكتوب تحت اللّوحة: "لوْح وشام- الصّندوق 12، الملفّ 880، مجموعة 2 من 20 لوحًا- رصيد بروسبير ريكار، أرشيف المغرب".
أمّا الفنّ الثّاني- الإسبانيّ- الموريسكيّ، فيسمّى الحضريّ بطابع ملكيّ. زخارفه دائريّة، فيها تشابُكات وانحناءات ذات تزويق مزهر، وأقواس مجوّفة ميّزت الزّلّيج ونقوش الجِبْس أو الحجر في الواجهات والشّقّ الدّاخليّ للمعمار.
وفي زيارة كلّ قسم من المكان، نلاحظ أنّ صور الأوراق النّقديّة ورسوماتها وزخرفاتها، منذ نشأة المغرب وحتّى سنوات الاستقلال، تعود إلى رسّامين فرنسيّين أو أوروبيّين رحّالة ومستشرقين تعاونوا مع بنك فرنسا.
والمغرب ومناظره الطّبيعيّة، ومُدُنه وقَصَباتهِ وهندستها المعماريّة ومرجعيّات فنونها الزّخرفيّة من تشابكات ومنحنيات واشكال مستقيمة، كلّها عناصر رئيسيّة في قاموسٍ بَصَريّ تمّ إنشاؤه، بأعمال فنّيّة وصور وثائقيّة وإثنوغرافيّة واستشراقيّة، أُنتِجَت في ارتباط مباشر مع مشروع أيديولوجيّ استعماريّ. واللّافت أنّه وبطريقة غير مباشرة صارت البعثات الاستعماريّة حول الفنون والعمارة، منتِجة لسِجلّ تاريخيّ مرئيّ وفنّيّ.
واستقلال المغرب أثّر على تشكيل نظرة مغايرة، أظهرت رمزيّة للوطن وتأكيدًا على المستجدّات على الأوراق النّقديّة، إذ ظهرت: صور سيادة ملكيّة ومشاريع كبرى ومشاهد عمل ذات حسّ وطنيّ متدفّق. في هذه المرحلة نفسها، أظهر بعض الفنّانين المغاربة مشاعر متنامية تجاه الفنّ المحلّيّ، بإشاراته التّصويريّة وألوانه العفويّة.
مع العلم أنّه يمكن للزّائر الانكشاف على لوحات زجاجيّة كثيرة في المكان، تحمل نقودًا معدنيّة ذهبيّة وأخرى فضّيّة. يتّضح أنّها مسكوكة قديمًا، إذ تعكس الخصائص الثّقافيّة والجماليّة لما كانت عليه "موريطانيا القديمة"- هي المغرب اليوم، والعالم المتوسّطيّ إجمالًا، من خلال رموز أيقونيّة معيّنة، وأخرى ذات رسوم تصويريّة.
وقد جرت "المقايضةُ" قديمًا، وكانت مستوقفة هي لوحة التّوضيح فيما يرتبط بـ"الذّهَب مقابل الملْح"؛ فمعدن الملْح لم يكن يعتبر مادّة استهلاكيّة ضروريّة في بلدان أفريقيا- جنوب الصّحراء فحسْب، وإنّما وسيلة هامّة للمقايضة أيضًا.
نتابع الجولة، وتشدّنا الزّاوية المخصّصة لـ"أسَد الأطلس"؛ رمز العلامة المائيّة. إذ أنّ تمثيل رسم الأسَد على النّقود قديم جدًّا، حيث تحمل نقود "موريطانيا القديمة" رمز رأس الأسد. كما اعتمره ملوك حوض البحر الأبيض المتوسّط، بدءًا من الإسكندر الأكبر إلى يُوبا الثّاني Juba Ⅱ في سكّ نقودهم تقليدًا لأسطورة هِرَقْل.
عبر تاريخ الورقة النّقديّة المغربيّة، يظهر رسم الأسَد على شكل علامة مائيّة. هذه العلامة هي صورة ظاهرة على سُمْك الورقة، تمّ الحصول عليها حتّى نهاية القرن الماضي عن طريق تقنيّة النّقش. وهناك قوالب شمعيّة، وقوالب نحاسيّة، وقماش معدنيّ مختوم توثّق كلّها صنع العلامة المائيّة الّتي تحمل صورة أماميّة وجانبيّة لرأس أسَد، نشاهدها كلّها على أحد الجدران داخل صناديق صغيرة مربّعة، بقياسات (65* 60 ملم) و (175* 125 ملم)، بُنّيّة غامقة مع حوافٍّ بيضاء، مع شروحات بالعربيّة والفرنسيّة.
وكمثال عينيّ تحمل ورقة الـ (20 ريالًا) رأس أسَد دلالة على المغرب ومَلَكيّته. وبُعيْد الاستقلال، ستتعزّز العلاقة بين المَلَكيّة ورمز الأسد بتمثيل أسد الأطلس في شعار المملكة.
عند الوصول في جولتنا هذه إلى الاتّجاه المقابل لمقدّمة المعرض، نلاحظ آلات مكبّرة يمكن استخدامها في الرّواق المظلم نسبيًّا، كي يُتيح لنا اكتشاف مجموع المكوّنات مع أصغر تفصيلات موجودة على الورقة النّقديّة الواحدة.
هذه السّاعات الثّلاث في المتحف تشكّلُ حوارًا عميقًا ووظيفيًّا بين الأوراق النّقديّة والأعمال الفنّيّة المختارة، والّتي تعبّر عن تاريخ الفنّ في حقبة زمنيّة محدّدة للمملكة المغربيّة.


تحميل المقال التالي...