99 بيتًا من الطين والدفء والحجر الوردي وروافع السُّتْرة والكفاف، كانت تضمّ بين جنباتها زهاءَ 700 فلسطيني وفلسطينية من الرجال والنساء والأجداد والجدّات والأطفال والأهازيج (يبلغ عددهم هذه الأيام أكثر من 5000 فلسطيني يقيمون في الشتات بسبب التطهير العرقي)، معظمهم كانوا يذهبون مع أول صيحات الديك إلى حقول زراعتهم أرضَ كنعانِهم وعمارتِهم موجباتِ صمودها وصمودِهم في وجه العوز وانحسار المطر في بعض المواسم، وفي وجه كل غازٍ وطامعٍ ومعتدٍ. لكن السلاح لم يأتِ يا أبناء صرعة الكرام، والعون تأخّر، والغوث تاه في طُرقات الفرق بين الفزْعة والهبّة، والفصيل المصري الذي كان مُكلَّفًا بحراسة القرية لم يتوقّع كلَّ هذا الحقد والإرهاب والجوع للدم عند أفراد عصابة هرئيل المجرمة، الذين ارتكبوا، كما فعلوا في كل مدينةٍ وبلدةٍ وقريةٍ وخربةٍ سرقوها، مجزرةً لتُذعن لهم القرية، بعد أن غادرها من بقي من أبنائها وورثةِ كنعانيّتها على قيد الحياة. ذهبوا في أصقاع الشتات؛ مخيمات لجوئهم توزّعت بين فلسطين الضفة الغربية ومخيمات الضفة الشرقية؛ سكن معظمهم قلنديا ومخيّمها، وبعضهم استقر في رام الله والقدس الشرقية، وهم من عائلات عديدة منها أبو لطيفة وزهران وسَجَديّة وناصر وشحادة. أول مقامات شتاتهم كان وادي عرتوف (أو عرطوف)، الذي مكثوا فيه أيامًا مؤمِّلين عودةً فورية إلى بلدتهم حيث كبروا وزرعوا وأحبّوا وانتظروا خيرات الموسم كي يتزوّجوا وينجبوا الذراري، وبعد أن أدركوا فداحة المأساة وبشاعة النكبة انتقلوا من وادي عرطوف نحو بيت لحم، ومن هناك توجّهوا إلى أريحا، ثم ما لبثوا أن عادوا إلى مخيم قلنديا حيث القدس قريبة وكذلك قريتُهم التي لا تبعد عن القدس غربًا سوى 30 كيلومترًا أو أقل قليلًا. وبحسب وائل أبو لطيفة، في مقابلة أجرتها معه مذيعة برنامج "جذور مقدسية" من إنتاج فضائية "القدس التعليمية"، فإن معظم أبناء صرعة استقروا في مخيم قلنديا، أما القليل منهم فقد قطعوا النهر واستقروا في الأردن، إضافةً لبعض من غرّب بعيدًا وأصبحت أوروبا وأميركا مكانَ شتاته الذي ينتظر يوم العودة الموعود. تينُها، إضافةً لزيتونِها وحمضياتِها ومشمشِها وكرومِ عنبِها، من الزراعات التي تشتهر بها القرية بحسب ما يذكر أبو لطيفة. أما عن أصل اسمها، فيقول أبو لطيفة إن له، بحسب ما يعتقد، أصولًا كنعانية، من دون أن ينسى الإشارة إلى اسم "زورا" الذي تؤكد بعض المصادر أنه كان اسمها أيام كنعانيّتها القديمة. في صرعة بقي بيتٌ صامد، ملامحه عريقة، حجره أحمر وردي، حوله حوش واسع فسيح، يُوضح أبو لطيفة أنه بيت المختار عبد الله محمود مختار قرية صرعة حتى سُرقت من أصحابها بقوة الجريمة وأسلحة التطهير العرقي. باقي البيوت هُدمت يقول وائل، وسُرقت حجارتها وبُنيت منها بيوت الاستيطان اللصوصية القائمة حتى يومنا هذا. حتى بيت المختار، فقد كان أيام عزّه من ثلاث طبقات، هدمت العصابات طابقين منه، وربما للمآرب نفسها من استخدام حجارته، فهم هرولوا نحونا من بلاد خشبية لا تعرف الحجرَ أداةً للبناء؛ بلاد بخيلة طمعت بما عند غيرها، وانتشرت كالطاعون في أربع جهات الأرض سارقةً مستعمِرةً مجتثّةً حارقةً ناهبةً لاهثةً لعيون دنيا لا تحمي اللاهثَ نحوها من لحظة الحقيقة والعدالة والقانون الذي يلاحقهم هذه الأيام ويطارد أجيالهم التي كبرت لتكتشف كم كان أجدادهم لصوصًا وكم جاروا وكم ظلموا وكم قتلوا وكم سعوا لمحو حضارات بأكملها وقوميات بمختلف ما عليها وما لها، وحتى يومنا هذا يخرج مأزوم استعماري منهم، في ملامحه عفن أزمنة الاستعمار البائدة، فيهدد حضارةً زاهيةً ممتدةً على مساحة آلاف السنين بالإبادة، غير مدرك، على ما يبدو، الفرق بين قارة استعمارية أقامها المستعمرون الأوروبيون فوق جماجم عشرات ملايين السكان الأصليين، لا يزيد عمرها على 250 عامًا، وبين حضارة قدّمت للعالم ما قدّمته من علوم وفنون ورموز وسجّاد وآزاد وإرث يتناقله الأحفاد عن الأجداد حول الكرامة والسيادة والصلابة والشرف والمقاومة.
خرافة شمشون
بيت المختار يُطل على الوديان حوله، حوّله الصهاينة إلى مكان سياحي بعد أن سرقوا تاريخه وأحالوه إلى شمشونِهم الطالع من خرافاتهم. إنها السرقة الموصوفة والتدليس الفاجر الذي مرّ عليه الروائي والشاعر الفلسطيني باسم خندقجي في روايته "قناع بلون السماء" الصادرة في عام 2023 عن دار الآداب البيروتية، حين ترك بطلَ الرواية نور الشهدي يفجّر لحظةَ تمرد فلسطينية ناصعة، وبدل أن يمارس دوره بوصفه دليلًا سياحيًا يعمل مع شركة سياحة مقدسية ويشرع بسرد قصة شمشون الملفّقة، فإذا به يصعد فوق مقام صامت الذي أصبح تلّةً استيطانيةً سياحية، ويبدأ بسرد الحقيقة التي باغتت السياحَ الأميركيين الآتين ليصدّقوا روايةً بعينها، لا تلك التي باغتتهم بها فلسطيني يحمل، لسوء حظهم، درجةً جامعيةً في تاريخ بلاده وآثار أمكنته وأوابد تاريخه الكنعاني التليد: "كلا سيداتي وسادتي... كلا... دعوني أستسمح طهرَ آذانِكم، وبراءةَ قلوبكم، وإخلاصَ ضمائركم المؤمنة بالخلاص القادم، لأقول لكم إن كل ما تفوّهتُ به منذ قليل عن شمشون وأبيه منوح، ما هو إلا ترّهات وخزعبلات لا أساس لها من الصحة... فهنا سيداتي وسادتي حيث تقفون الآن، تقع أنقاض قرية صرْعة العربية الفلسطينية المهجَّرة والمدمَّرة، تبوح أطلالها بأنفاس أصحابها الأصليين... قرية نُكبت وهُجِّر أهلها... بلى هُجِّروا... لقد دمّرت العصابات الصهيونية القرية، لتُقيم مكانها 'كيبوتس صرعة'... وهذا بيت المختار يشهد على ذلك... حيث تقفون أنتم الآن فوقه... وأما هذا المَقام الذي أقف فوقه فما هو إلا مَقام الشيخ سامت الذي كان يتبارك به أهل القرية والقرى المجاورة... مقدِّمين له النذور والقرابين طلبًا للخصب والذراري... بلى سيداتي سادتي... لا يوجد شمشون هنا ولا ما يُحزنون... لا يوجد بطل خارق... ولا توجد قبور لأبطال خارقين... لا شمشونُهم ولا سوبرمانُكم اللذان تُصرّ خرافاتكم أنهما لا يفنيان ولا تنتهي صلاحية استثمارهما وحلبهما... توجد قرية منكوبة يواصل اللصوص سرقةَ سرديّتها وتشويهَ ذاكرتها" (الرواية، صفحة 57).
تحويل صرعة إلى أثر توراتي مزيّف أخذ، منذ عام 1991، ملامح جدية مستعرة، عندما استقدم صندوق خاص بالعصابات الصهيونية 37 نحّاتًا من الصهاينة الأوروبيين الشرقيين ومن صهاينة روسيا (بعضهم مسيحيون جاؤوا بسبب وعود اللبن والعسل)، وقدّم لهم الصندوقُ الصهيوني صخورًا من عين المكان (مسروقة من تلال صرعة)، لينحتوا منها تماثيل وأصنامًا مجترَّة من توراتهم وتلمودهم، خصوصًا خرافة شمشون ودليلة، فإذا بالطريق الفلسطيني الذي يصل القدس بصرعة يتحوّل إلى حشد فوضوي من الكذب والتدليس وتكديس سردية لا يخجلون أن ملامح ما قبلها بادية للعيان، حتى إنهم وجدوا على إحدى هذه الصخور بقايا آية قرآنية! وصولًا إلى أعلى التلة حيث الكذبة الأهم بالنسبة إليهم: شمشون وأبوه منوح.
سمات
إضافةً لمقام سامت (أو صامت كما لفظه وائل أبو لطيفة)، يوجد في القرية مقام آخر لوليٍّ اسمه غريب... تنتشر وسط البلدة وحول المقامَين قبورُ القرية، إضافةً إلى مُغُرٍ كانت تُستخدم لتخزين المحاصيل والحبوب. وفي معظم نواحي القرية تنتشر آثار قديمة وحديثة تروي قصص أهل المكان من أيام كنعان؛ صهاريج منقورة في الصخر، ومعصرة خمر، ومذبح، وبقايا طاحونة.
من القرى المحيطة بصرعة: أبو غوش، وساريس، والقسطل، وبيت محسير وغيرها، وجميعها، حالها حال صرعة، مهجَّرة ومدمَّرة؛ فحول القدس وحدها زهاء 30 قرية مهجَّرة مدمَّرة. وثمة طرق ممهَّدة تربطها بقرى دير رافات وإشوع وعرطوف وبيت سوسين وعسلين. تبعت صرعة ذات تاريخ للواء غزة عندما كانت لواءً تصل حدوده حتى نواحي الرملة.
تُحيط الطريقَ الذاهبة نحو صرْعة انطلاقًا من بيت المقدس غاباتٌ كثيفة يتدافع فيها السرو مع البلوط مع الصنوبر مع اللزّاب مع أشجار حرجية كثيرة أُخرى، صانعةً جميعها صورةً ناصعةً لا لبس فيها حول كم هي جميلة بلادنا؛ كم كانت جميلة، وكم ستبقى جميلة، وكم كانت فلسطينيةً نقيةَ الأصول غنيةَ الموائل، وكم ستبقى فلسطينيةً نقيةَ الأصول غنيةَ الموائل. أما الزيتون فهو ينسج هناك، كما يفعل في أنحاء فلسطين جميعها، قصةً لا تشبه غيرها حول قدسية علاقة الفلسطيني بشجرة الزيتون، كما لو أن آياتٍ كريماتٍ عن التين والزيتون وطور سينين نزلت لعيونه وحده من دون باقي العالمين. وأما الحمضيات فإن لها منها حصةً كما لو أنها تقول لنا إنني لستُ بعيدةً عن يافا، وأن شرق البحر الأبيض المتوسط بمناخه وسماته ومزروعاته ومراكبه وأغاني بحّارته وطقوس مواسمه وأثواب نسائه وألعاب حاراته وشهرة برتقاله وشهوة أهله للحياة والمسرّات، لنا وحدنا، فقط وحدنا.
شهادة شفوية
الحاجة مريم أبو لطيفة تروي قصة نكبة صرعة: "كانت الأردن مودّية شويّة كوّة ومصر شويّة كوّة... يعني كليلين... ومش بهالسلاح اللي غاد غاد... أجا سلاح اليهود أكوى... ويوم ما أجو يهجموا عالبلد، وكّفوا كدّامهِم... بس ما كدروا". وعندما سألتها المذيعة من الذي وقّف أجابت: "همّا أهل البلد وشوية الكوّة اللي جاي تساعد بلدنا من الأردن ومن مصر... هان يا حبيبتي كالوا طلعوا العيال شوي برّا في الكروم وما حولها... واللي بكدر يطّلع حلالا يطلعا في التشروم برّا... مش بعيدين... يعني زي من هان من مخيم قلنديا والرام... والله جينا يا حبيبتي وكلنا إحنا يا ربي متوكلين عليك ترجعنا لبلادنا... ستشرت هالباب بها المفتاح وكلنا الصبح بنرجع... وطلعنا زي هان والمحسوم حتى الصبح نرجع... زي ما بكينا نشرد ونرجع... نبكا في الحصيدة يصيروا يظربوا نشرد ونرجع... كان يجينا طيارات صغيرة مش زي طيارات هالأيام... يصيروا يظربوا بالحصّادين وذيال البلد... نشرد ونرجع... نشرد ونرجع حتى آخر ليلة (الليلة المشؤومة التي حدث فيها خروج بلا عودة)... ستشرنا الباب وهاظا وجه الظيف لهالحين بنرجع... ظلينا في الكروم وإحنا نكول بدنا نرجع بدنا نرجع... شهر وهما يهدّوا في البلد أمام أعيننا... عاودنا كطعنا النصيب (الأمل) وطلعنا عالبلاد اللي محاددتنا... وكعدنا في بيت نتيف منّنا وقبلا شهرين عاودوا هجموا عالبلد اللي تآوينا فيها... فطلعنا جميعنا... ومن بتولا الخليل اللي محادده البلاد اللي وكّفوا عندها في الـ 67، ظلينا نلف هيذ هيذ... بيت لحم... بيت ساحور... كعدنا تحت الزيتون ربي كما خلكتنا... بعدين كالوا ريحا دايفة وكان البرد دخل عالناس... وكانت الوكالة اللي توكّلت في الناس بساوو بخيام... كعدنا في الخيام... وينكّلوا فينا... ومن ريحا جينا عا بلد اسمها بيت حنينا... وظلّوا ينكّلوا فينا تا آخر إشي جينا كعدنا هانا في كلنديا... وإلنا هالحين 50 سنة هان". الحاجة مريم البالغ عمرها في عام 2020، 95 عامًا، ختمت شهادتها بالقول: "يا ريتنا مُتنا في صرْعة وما طلعنا منها"!
بطباشير صخرها تواصل صرعة نحتَ فلسطينيّتها فوق أكاذيبهم جميعها... جاعلةً من ركام منازلها متاريسَ بقاءٍ يأبى النسيان.


تحميل المقال التالي...