}

الإنسان في جدلية الصيّاد والطريدة

باسم سليمان 22 أبريل 2026

 

لم يكن الصيد كممارسة ومفهوم، عبر تاريخه، مجرد فعلٍ يهدف إلى إسكات دافع الجوع المتجدّد، كما عند الحيوان، وإنّما كان الشهيق الأول للوعي البشري وهو ينفصل عن غيبوبة الطبيعة. في تلك اللحظة التي سدّد فيها الإنسان البدائي نظره نحو الطريدة، لم يكن يرمي سهمًا من الخشب، بل كان يطلق إرادة السيادة؛ فبالصيد تحوّل الإنسان من كائن في العالم إلى كائن يواجه العالم. إنّها اللحظة الأنطولوجية التي ولد فيها الموضوع والذات، وفُكّ التحامهما السابق، حيث أصبحت الطريدة هي الآخر الذي يجب امتلاك سرّه عبر القتل، وأصبح الصيّاد هو الإله الصغير الذي يقرّر مصير الحياة. إنّ الصيد هو الرحم الذي تشعّبت منه اللغة التي احتوت الفكر الإنساني؛ فلكي تصطاد، عليك أن تسمّي الكائنات، ولكي تترصّد، عليك أن تقرأ سيمياء الأثر، ليكون الصيد بذلك هو الأب الشرعي لكل علوم التأويل والقراءة التي عرفتها البشرية لاحقًا.

تقول الحكمة البشرية: علّمه الصيد ولا تعطه سمكة! اقترح علم المستحاثات (Paleontology) فرضية تقول بأنّ الصيد كان المحرّك الأول لانفصال البشر عن مملكة الحيوان، وتطوّر اللغة، وابتكار الأدوات، والتعاون الاجتماعي، وحتى صياغة المفاهيم المجردة. هذه الفرضية تم المصادقة على صحّتها من قبل الأسطورة التي دلّت على أنّ الصيد قد لعب دورًا مهمًا في ارتقاء الإنسان سلّم التطوّر. ففي بلاد الرافدين نجد في ملحمة جلجامش أنّ الصيد هو المحرّك الخفي لأحداثها، فقد كان جلجامش ملكًا جبّارًا ضجّت الأرض من ظلمه، فأرسلت له الآلهة إنكيدو الإنسان المتوحش أليف الحيوانات كطرزان الكاتب الأميركي إدغار رايس بوروس، لكن نسخة بلاد الرافدين أعمق وأبعد غورًا. كان إنكيدو يدافع عن الحيوانات ويخرّب فخاخ الصيادين، فاشتكوا لجلجامش، فأرسل له غانية المعبد التي اصطادته حضاريًا، وبمجرد أن عرف إنكيدو التجربة الإنسانية أنكرته الحيوانات. وقد أصبحت الحيوانات بالنسبة لإنكيدو آخر، ليس من الممكن التماهي معه كما كان سابقًا، لذلك انتصب واقفًا في وجه المفترسات لحماية ماشية البشر من هجومها، كأنّه كلب صيد! وعندما التقى بجلجامش تصارعا وانتهى عراكهما إلى صداقة لا تنفك عراها إلّا بالموت. كان جلجامش ملكًا صيّادًا لا يرى بالصيد الطريدة فقط بل السلطة أيضًا؛ ومن هنا نرى جداريات ما بين الرافدين تصوّر الملوك وهم يصطادون الحيوانات وخاصة الأسود واللبوات – ملوك العالم الحيواني- لكن جلجامش كان يحتاج إلى شريك صيد عالمًا بخفايا الغابة كإنكيدو. وهنا نرى أنّ إنكيدو أصبح له معنيان، طريدة/ صياد. لقد اصطاده جلجامش كطريدة، لكن إنكيدو اصطاد جلجامش أيضًا، فمعه قتلا خمبابا/ وحش الغابات، ومزقا ثور عشتار، وبذلك أعلنا سلطتهما على الطبيعة/ الممثّلة بعشتار، فردت ابنة إله السماء/ آنو، بأن أمرت صيّاد الصيادين/ الموت بأن يقتنص إنكيدو؛ وهنا يكتشف جلجامش بأنّه أصبح طريدة الموت، فطلب الخلود عند جده أتونفشتم، لكن الأفعى حيوان الغابة الأكثر دهاء من إنكي الحكيم/ سيد الماء العذب، اختطفت عشبة الخلود وسقط جلجامش، الذي رأى وعرف كل شيء، في شبكة الموت التي قدّر على كل إنسان أن يسقط فيها. لقد بدأت أسطورة جلجامش بالصيد لتنتهي بالسؤال عن معنى وجود الإنسان على هذه الأرض!

تكشف لنا أسطورة جلجامش عن معنى احتاجت الإيكولوجيا/ علوم البيئة زمنًا حتى استنبطته، أي استغلال البيئة بشكل مستدام، فرأينا كلًا من جلجامش وإنكيدو قد غاليا في الصيد، فكان ردّ الطبيعة أن سلمتهما إلى قناص القناصين. ومثلها فعلت الفلسفة عندما ابتكرت مفهوم الفضيلة الأرسطية، فكيف حدث ذلك؟ لقد قدمت لنا الأسطورة إنكيدو ابن الطبيعة الذي منحته أمّه أسرارها، فباح بها لجلجامش مع أنّ المفترض بإنكيدو أن لا يفرّط بها، وكان عليه أن يقتدي بالإلهة أرتميس اليونانية. أمّا جلجامش فأفرط في سلطته ومع أنّ طبيعته كانت مكونة من ثلثي إله وثلث إنسان إلّا أن ذلك الهوس بالسلطة حوّله إلى إله فانٍ، كما في أسطورة الصيّاد أوريون.

عُرف الصيد في زمننا باستخدام تقنيات تخلّ بالعلاقة المتكافئة بين الصياد والطريدة، والتي ناقشها الفيلسوف خوسيه أورتيغا إي غاسيت في كتابه "تأملات في الصيد"



الوسط الذهبي للصيد

أدّى الصيد الجائر في العصر الحديث إلى انقراض الكثير من الحيوانات. ولم تستفق البشرية الحديثة على طاعون الصيد إلّا مؤخّرًا، فوضعت القوانين التي تهدف إلى حماية الحيوان، ومع ذلك ما زالت تُخترق في كل مكان. لكن كما رأينا أساطير بلاد ما بين النهرين، حذّرت من ذلك، إلّا أنّ أساطير اليونانيين أعلنت ذلك صراحة. كان أكتيون صيادًا لا ينجو من سهامه وكلابه أي حيوان، فلم يتورّع عن دخول الغابة المقدّسة التي تعود إلى الإلهة أرتميس ربّة الصيد وحامية الحيوانات. وقادته جرأته إلى التوغّل في الغابة المقدّسة إلى حيثما لم يصل إنسان من قبل، وهناك قاده حسن الحظ أو بؤسه إلى النبع الذي تستحم به أرتميس هي وجارياتها من الصيّادات، فرأى أرتميس تستحم عارية وقد وضعت قوسها وسهامها جانبًا، فألقت عليه لعنة حوّلته إلى أيل، وبدلًا من أن تتعرّف عليه كلابه، طاردته ومزقته إربًا.

عُرف الصيد في زمننا باستخدام تقنيات تخلّ بالعلاقة المتكافئة بين الصياد والطريدة، والتي ناقشها الفيلسوف خوسيه أورتيغا إي غاسيت في كتابه "تأملات في الصيد" (Meditations on Hunting). والسؤال لو خرج الصيّاد أكتيون من دون كلابه؛ هل كانت أرتميس ستلعنه؟ إنّ تحويله إلى طريدة قد جاء بسبب أدوات صيده المتفوّقة التي أخلّت بالعلاقة المتوازنة بين الصيّاد والطريدة. يؤكّد ذلك لنا، بأنّه لو كان من دون كلابه لما أوقعت أرتميس اللعنة عليه! فالأسطورة تقول لنا بأنّه رأى أرتميس عارية ليس فقط جسديًا، وإنّما من دون أسلحتها أيضًا، فهي أشبه بالطريدة التي تفوّق عليها أكتيون بسبب كلابه، فأصبحت بذلك المطاردة المتكافئة مختلّة لصالح الصيّاد وهنا نجد تحذير أرتميس إلى ضرورة الانتباه لتغوّل الصيد. وفي أسطورة أخرى نجد الصيّاد أوريون ابن إله البحار بوسيدون قد تحوّل بعد موته إلى كوكبة الجبّار. لقد أعلن أوريون بأنّه سيصطاد كل وحوش الأرض، فما كان من جيا/ ربّة الأرض إلّا أن أرسلت له عقربًا لدغته، فمات. كانت هذه الأسطورة تفسيرية لعدم ظهور كوكبة الجبّار مع كوكبة العقرب في سماء الليل، لكن في الحقيقة كان إعلانه المتهوّر بأنّه سيصطاد كل وحوش الأرض؛ هو ما رتب نهايته. في أسطورة أخرى متوازية لا يقتل أوريون على يد عقرب بل بسهم من أرتميس! لقد كانا صديقين في الصيد، حتى أنّ أرتميس فكرت بالتخلّي عن نذر عذريتها لأجله؛ وهنا قلق أبولو/ إله العقل من تهوّر أخته، فتحدّاها أن تصيب بسهمها نقطة سوداء بعيدة في البحر، وما هي إلّا لمحة من برق حتى أطلقت أرتميس التي لا تخيب سهامها إلى حيث الدريئة التي أشار إليها أخوها أبولو. وللأسف كانت رأس أوريون، فأصابته في مقتل. فكيف نفهم ذلك؟ رأينا مع أكتيون كيف أنّ هتك حجاب أرتميس هو الذي أدّى إلى قتله، وعلى نفس المنوال لا تتعلّق عذرية أرتميس بنظر أبولو بالمعنى الجسدي فقط، وإنّما بتخلّيها عن دورها كربّة حامية للحيوانات إن سلّمت نفسها إلى أوريون. هذا المنحى الأسطوري بالتحذير من المغالاة في الصيد، نجد صداه في رسوم الكهوف القديمة وحكم الشامانات، فالهندي الأحمر، كان يستأذن الطبيعة قبل أن ينطلق للصيد، ويقدم اعتذارًا لروح الحيوان الذي اصطاده وكان ينادي الطريدة بـ"أخي"! لقد وعى الإنسان القديم قبل الإنسان الحديث خطورة أن ينتهي الصيد إلى آلة دمار، وكانت نهاية إنكيدو الموت عندما استقال من دوره كحام للحيوانات. كذلك انتهى كل من أكتيون وأوريون؛ والآن نرى المخاطر التي نتجت عن الإيغال في الصيد وكسر توازن الوسط الذهبي، ممّا أدّى إلى تهديد مباشر للتوازن البيئي في الطبيعة.

الصيد كاستعارة فلسفية

إنّ تتبع خيط الصيد في النسيج الفلسفي يمتد من تلميذ سقراط؛ الفيلسوف كسينوفون اليوناني الذي لم ير في القنص مجرد وسيلة للعيش، بل مختبرًا للفضيلة، حيث اعتبر في رسالته "حول الصيد" أنّ المطاردة هي المحكّ الأول لصناعة القائد الشجاع والمواطن اليقظ، ففي الغابة يتعلّم الشاب الصبر والانضباط ومواجهة المجهول، وهي صفات لا تمنحها قاعات الدرس. أمّا أرسطو صاحب الوسط الذهبي، فقد منح الصيد صبغة سياسية في كتابه "السياسة"، واصفًا إياه بأنّه حرب عادلة يشنّها الإنسان ضد الكائنات التي خُلقت لتكون محكومة، معتبرًا الصيد جزءًا من السيطرة على الطبيعة، أي شرعنة سيادة العقل على الغريزة، وكأنّه تخلّى عن وسطه الذهبي! ومع بزوغ فجر الحداثة، تحولت النظرة إلى الصيد من فعل سلطوي إلى مسؤولية أخلاقية؛ فالفيلسوف إيمانويل كانط، على الرغم من عدم اعترافه بحقوق مباشرة للحيوان، رأى بأنّ القسوة في الصيد تفسد المشاعر الإنسانية تجاه البشر، ممّا حوّل فعل الصيد إلى قضية تربية وجدانية أكثر منها غريزية، وكأنّ الصيد هنا مرآة لتهذيب الذات لا لتحطيم الآخر.

ظل الصيد عند الفلاسفة كاستعارة عابرة في كتاباتهم إلى أن قدّم الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت في كتابه "تأملات في الصيد" دليلًا تقنيًا للقنص، بل قدّم شرحًا فلسفيًا لتلك اللحظة التي يرتد فيها الإنسان المعاصر إلى جوهره المفقود، معتبرًا الصيد إجازة من التاريخ، وهروبًا مؤقتًا من سجن الحداثة والتقنية نحو رحابة الحالة البدائية الأولى. يرى أورتيغا إي غاسيت أن الإنسان، مهما تدثّر بعباءة الحضارة، يظل في أعماقه كائنًا صيادًا بالضرورة، وأن التمدّن ليس إلّا قشرة رقيقة تخفي تحتها نبضًا بدائيًا لا يكفّ عن الحنين إلى الغابة، لذا فإن فعل الصيد عنده هو استعادة للوحدة المفقودة مع الطبيعة، حيث يتخلّى الصيّاد عن تفوقه العقلاني المتعالي ليغمس حواسه في وعي الحيوان، فأصبح يرى بعيني الطريدة ويسمع بآذانها، محققًا نوعًا من الاندماج الأنطولوجي الذي لا تتيحه أي ممارسة إنسانية أخرى.

يؤصّل أورتيغا إي غاسيت في كتابه لجدلية غاية في الدقة، وهي أنّ جوهر الصيد لا يكمن في القتل بل في المطاردة، فالقتل ليس إلّا النهاية البائسة للصيد؛ فلو كان القتل هو الغاية لصار الفعل أشبه بمجزرة، لكن الصيد يتطلّب ندرة في النجاح واحتمالية في الإخفاق، ليكون هناك توازن أخلاقي ووجودي بين ذكاء الصياد وغريزة الفريسة. ومن هنا ينبع نقده الشرس للتقنيات الحديثة التي تخل بهذا التوازن، إذ يرى أن استخدام أدوات تمنح الإنسان سيادة مطلقة ويقينية على الحيوان يخرج الفعل من دائرة الصيد إلى دائرة الإبادة، لأنّ شرف القنص يقوم على منح الطريدة فرصة عادلة للهرب، وهو ما يسميه "التوازن الحيوي" الذي يحفظ للغابة قداستها وللإنسان إنسانيته التي لا تكتمل إلّا بمواجهة خطر الطبيعة وجهًا لوجه بدون وسائط تكنولوجية عازلة.

علاوة على ذلك، يطرح أورتيغا إي غاسيت مفهوم "الانتباه الفائق" الذي يسيطر على الصيّاد، وهو نوع من اليقظة الروحية والحسّية التي تجعل الإنسان حاضرًا بالكامل في اللحظة الراهنة، منفتحًا على كل حركة ورائحة وأثر، وهي حالة من الوجود الكلي تتناقض تمامًا مع حالة التشتت الذهني التي تفرضها الحياة المدنية المعقدة. إنّ الصيد بهذا المعنى هو طقس لاستعادة الصدق الوجودي، حيث يسقط الزيف الاجتماعي وتذوب الهويات المصطنعة أمام نداء الغريزة، ليجد الإنسان نفسه وجهًا لوجه مع الحقيقة العارية، بأنّه جزء من سلسلة الحياة والموت، وليس سيدًا منفصلًا عنها. إنّ أورتيغا إي غاسيت يحوّل الصيد من مجرد طعام أو سلعة لدى الإنسان إلى بحث ميتافيزيقي عن أصل الوعي، معتبرًا أنّنا حين نمارس الصيد كما نظّر له، فنحن لا نقتل الطريدة بقدر ما نحرّر الإنسان الحديث المستلَب في زمننا، هكذا نبعث من جديد ككائنات كونية تفهم لغة الأرض، وتدرك أنّ سرّ البقاء يكمن في تلك المسافة المتوترة بين السهم والهدف، وبين الإرادة والطبيعة.

يطرح إرنست همنغواي في روايته "الشيخ والبحر" رؤية مغايرة يمتزج فيها الصيد بالقداسة والفروسية


الصيد في الأدب: بوليفونية صوتية

في أدب الحيوانات غاب صوت الكائن الحيواني ليصبح إنسانًا متقنّعًا أسقطت عليه الصفات الإنسانية، لكن في أدب الصيد نجد صوت الطريدة وإن لم يكن بشكل مباشر، لكن الطريدة تظهر في مرآة الصيد، فنكتشف صوتها المسكوت عنه في الأدب. ونجد هذا الصوت في العديد من الروايات ومن أشهرها رواية "موبي ديك" لهيرمان ميلفيل، حيث يبدأ فعل الصيد بوصفه مطاردة وجودية تتجاوز جغرافيا المحيطات لتستقر في عتمة النفس البشرية؛ حيث يتحوّل الحوت الأبيض من مجرد طريدة بحرية إلى قناع للمطلق أو تجسيد لشرّ كوني غامض لا يدركه إلّا مهووس كالقبطان أخاب، الذي يرى في القنص فعل ثأر ميتافيزيقي يهدف إلى تمزيق حجاب الوجود، والقبض على سرّ الخالق المتمثّل في بياض الحوت المرعب، لتتحول سفينة الصيد إلى محراب للتضحية بالنفس في سبيل فكرة السيادة المطلقة التي تنتهي بابتلاع الصياد والطريدة معًا، في وحدة فاجعة تلغي المسافة بين الصيّاد والطريدة والضحية، وتعلن هزيمة الإرادة الإنسانية أمام جبروت الطبيعة التي لا تقهر ولا تفسّر بأدوات القنص المادية مهما بلغت دقّتها وقسوتها. وفي مقابل هذا الهوس التدميري في موبي ديك، يطرح إرنست همنغواي في روايته "الشيخ والبحر" رؤية مغايرة يمتزج فيها الصيد بالقداسة والفروسية، حيث يغدو القنص حوارًا دمويًا نبيلًا بين الصياد العجوز سانتياغو وسمكة المارلين العظيمة التي لا ينظر إليها سانتياغو ككتلة من اللحم والربح، بل كأخ وندّ مساوٍ له في المكانة الأنطولوجية؛ ممّا يجعل من عملية الصيد طقسًا لاستعادة الكرامة الشخصية، وتأكيدًا على أنّ الإنسان قد يُدمر ماديًا لكنه لا يُهزم معنويًا، طالما التزم بشرف المواجهة العادلة مع خصم يمنحه المعنى عبر صراعه معه؛ ليكون الهيكل العظمي لسمكة المارلين التي علّقت على جانب قارب سانتياغو، هي النصر المرّ الذي يثبت أن جوهر الصيد يكمن في معاناة المطاردة، لا في تملك الغنيمة التي تذوب في النهاية أمام حتمية الفناء والزوال.  بينما يأخذنا إبراهيم الكوني في رواية "نزيف الحجر" إلى مفهوم للصيد يصبح فيه كخطيئة نحو الكائنات الأخرى وانتهاكًا لحرمة "الودان" الذي يمثل روح الأرض وتجلي المقدّس في المادة، حيث يواجه "أسوف" حارس الطبيعة بصوفية المتوحّد تغوّل الصياد الحديث الذي يطارد الطريدة بآلات القتل الميكانيكية الباردة، محولًا إياها من كائن مسكون بالأسرار إلى جثّة هامدة في خدمة الجشع البشري. وهنا يصبح نزيف دم الودان هو الصرخة الأخيرة للطبيعة المحتضرة التي ترد على الصياد بإنزال لعنة الجفاف والعدم على عالمه، فمن يقتل الودان، إنّما يقتل جزءًا من إلهه الداخلي، ويفتح الباب أمام نزيف الحجر الذي يعني نهاية التوازن الهشّ بين الإنسان والبيئة، لتتحول الصحراء من رحم للحياة إلى مقبرة للأرواح التي فقدت بوصلة الاحترام لرفيق الدرب في الوجود. عبّر الأدب من خلال ثيمة الصيد عن قلق الكينونة وصراع الإنسان الأزلي بين رغبته في السيادة وحاجته للاندماج في كون لا يكف عن مطاردته بالموت والنسيان، لتظل كل طريدة هي الحقيقة الهاربة التي يحاول الإنسان القبض عليها، فلا يصطاد في النهاية إلّا ظله.

إنّ رحلة الصيد الممتدّة من غياهب الكهوف الأولى إلى متون الفلسفة المعاصرة، ومن صرخات الأساطير الرافدية إلى أنين الحجر في الصحراء الكبرى، لم تكن في جوهرها إلّا سيرة الإنسان وهو يحاول فكّ شيفرة وجوده في مواجهة الآخر. ظلّ السهم المصوّب نحو قلب الطريدة يشير دومًا، في حركة ارتدادية مذهلة، نحو صدر الصياد نفسه؛ فكل مواجهة في أحراش الغابة أو في لُجج المحيطات كانت توقظ في الوعي البشري أسئلة الهوية، والسيادة، والمسؤولية الأخلاقية تجاه كينونة العالم. إنّ الصيد، حين يتجاوز غريزة القتل المجرّدة، يتحول إلى التمرين الأبدي على اليقظة القصوى والمحكّ الوجداني الذي يختبر كرامتنا الإنسانية أمام كائنات لا تملك صوتًا سوى دمها المسفوح. واليوم، ونحن نتأمل في مرآة الصيد التي صقلتها رؤى أورتيغا إي غاسيت وهمنغواي وغيرهما، ندرك بأنّ استعادة الوسط الذهبي، لم تعد مجرد ترف بيئي أو تشريعي، بل هي ضرورة وجودية من أجل ترميم إنسان الحداثة المستلَب؛ فإذا ما انكسر التوازن القديم بين ذكاء الإنسان وغريزة الفريسة تحت وطأة التقنية الصماء، فإنّنا لا نفقد الطريدة فحسب، وإنّما نفقد ذلك الإنسان الصيّاد الذي كان يرى في الطبيعة محرابًا مقدسًا، وفي الكائن أخًا يشاركه فاجعة الفناء الجميل. إنّ نهاية المطاردة الحقيقية لا تكمن في الظفر بالغنيمة أو تكديس الضحايا، بل في الحفاظ على تلك المسافة المتوترة التي تمنحنا حق الانتماء لسلسلة الحياة، حيث يدرك الإنسان أخيرًا أن وجهه الأكثر صدقًا لا يتجلّى بوضوح إلّا حين يرى انعكاس روحه في عيني طريدته، بصفتهما شريكين في رحلة كبرى تبدأ بالبحث عن المعنى وتنتهي بالذوبان في رحم الأرض التي خرج منها الجميع.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.