في المخيال الإنساني والوجدان الجمعي، يحمل الجنوب، على وجه العموم، دلالات جامعة تجعله، أو تكاد، وطنًا واحدًا لكل سكانه؛ ابتداءً من جنوب أميركا وصولًا إلى أفريقيا؛ القسوة التي يواجهها أبناء جنوب العالم بالإصرار، واليَباب الذي يواجهونه بالأصالة والتمسّك بالأرض مهما شحّ الزيت في قنديلها، والحرارة التي يشربونها عن آخرها فإذا بها، مع الأيام، تُزفَر من شرايين إيمانهم بخصوصية جهتهم مقابل باقي جهات العالم. أما عن التهميش والابتلاء بموجات الاستعمار؛ استعمار وراء استعمار وراء استعمار، فحدّث ولا حرج، فإذا بنا بدلًا من أن نتحدث عن الجنوب بوصفه جهة، نتحدث عنه بوصفه عنوانًا لكل هذا التهميش والتغييب، وانعدام عدالة الفرص، واحتكار كل استثمار.
العقل الجمعي (الوعي الجمعي)
بعيدًا عن تنظيرات الفلسفة الغربية حول علاقة الفرد بالمجتمع والمعرفة بالواقع، وليس قريبًا من التقاط الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917) لأهمية هاتيْن العلاقتيْن في الدراسات الفلسفية الغربية الحديثة، بوصفهما حجر زاوية في تناول فهم الوجود الإنساني والكينونة الاجتماعية، فإن ما يعنيني من مصطلح متشعّب ومتداخل من طراز "الوعي الجمعي" هو أن المعارف على وجه العموم هي نتيجة تراكم جماعي (جمعي) "تولّدت وتراكمت وتطوّرت داخل أنساق اجتماعية"، إلى أن باتت، في لحظة تاريخية فاصلة، تحكُم سلوك الأفراد وتوجّه مجسّات إدراكهم. من هذه التفريعة الملتقطة في آلاف الدراسات حول العقل (الوعي) الجمعي، أريد أن أنطلق نحو الوجدان الجمعي، باعتبار أن الوجدان أقل تعقّلًا، ربما، وأكثر رومانسيةً، أو حدسيةً، أو نزعةً غيبيةً داخل غياهب النفس الإنسانية، وأسرار محرّكات وعيها، وتوضيبات تفاعلها مع محيطها. بالعودة إلى دوركايم الذي يرى أن العقل الجمعي هو "الروح التي تعيش داخل البُنْية الاجتماعية متجليةً في القيم والرموز والطقوس والنظم ومجمل متمثّلات البعد الثقافي في التاريخ الإنساني" (من دراسة لـ د. عدنان بوزان تحت عنوان "العقل الجمعي عند إميل دوركايم: من الأُطُر الاجتماعية إلى تأسيس سوسيولوجيا المعرفة"، نشره موقع "آزادي بوست" بتاريخ 4 آب/ أغسطس 2025)، فإن ذهابنا إلى أن التراكم الإنساني توافَقَ جمعيًا على معانٍ ما للجهات غير معانيها الجغرافية، إلى أن أصبحت هذه المعاني المتوافَق (أو المتواطَأ) عليها نهائيةً وغير قابلةٍ للهرمسة الفلسفية، لا الغربية ولا غيرها. ناهيكم عن النظرة الاستعمارية الغربية التي جعلت للشمال، حيث تقيم وتخطط لكل هجوم، علوًّا وتفوقًا غصبيًا اغتصابيًا على الجنوب، كما هي حال الغرب (غربها) الأعلى والأنقى إنسانيًا ولونيًا وعِرقيًا وجينيًا من الشرق (شرقنا).
قد تتجاوز فكرة العقل الجمعي مفهوم الجماعة البسيط متحوّلةً إلى إطارٍ فلسفيٍّ يحاكي طبيعة الفكر بوصفه بنيةً تحتيةً معرفيةً يعبّر عنها المجتمع عبْر رموزه وأعرافه وقوانينه، وقد يكون دوركايم ذهب في تنظيراته حول المصطلح إلى ربط العقل الجمعيّ بآليات نشأة الحقيقة الاجتماعية ومتواليات تشكّل الهوية الجماعية، لكن الحقيقة التي أجنح، شخصيًا، نحوها هي أن العقل الجمعي انفجر كالبركان في وجه الظاهراتية الغربية، وفي وجه العقلانية التجريبية، وتسلّل، كالطوفان، من ثغرات مضحكة/ مبكية في وجه التفسيرات المادية والميكانيكية للمعرفة بمختلف تفريعاتها وتعاريفها في العقل الغربي المقوْلَب؛ من الاستبدادية إلى المنطقية إلى التجريبية كما أسلفنا، ويكفيني، لأستقوي برأيي، أن سقراط الذي أحترمه لم يكن يومًا من الأيام واحدًا من مدّعي، أو من آباء "الإِبِست" Epistemology بشقيّ (مفردتيّ) المصطلح؛ Episteme التي تعني معرفة، وLogos التي تعني السبب، أو الحُجّة.
وبما أن حيّ بن يقظان لم يولد في أيّ غابة، بل فقط في رأس ابن طفيل وفي خياله الجامح الذي أراد أن يبلغ إنسانه هذا الذي لا يحيط به أي أحد أو شيء؛ لا قيم، ولا دين، ولا لغة، ولا طقوس، ولا أعراف، ولا معتقدات، ولا قوانين، أن يبلغ اليقين المتمثّل بالإيمان بوجود خالق واحد، أجاز للناس بعد مكابدات ونبوءات ونبوّات دينًا واحدًا، أقول: بما أن ذلك كذلك، فنحن أمام حقائق لا يمكن القفز فوقها؛ يولد الواحد منّا محاطًا بحشدٍ غزير من محدّدات حياته، كما أنه يولد داخل حدود منطقة جغرافية بعينها؛ إقليم، دولة، مدينة، قرية، ناحية، خربة، أي، بالتالي: جهة بعينها؛ شمالًا أو جنوبًا، شرقًا أو غربًا. كل هذا وذاك يحمّله، أراد أو أبى، مفاعيل جمعية جماعية مع مختلف الإحداثيات حوله، ويكبر عقله ووعيه وسط معطيات بيئته ومعارف أهله وأسرته الصغرى وكذلك الكبرى، وحين يدخل مرحلة التأهيل الكفيل بالمحاسبة يكون قد أدرك أن شرقه (إن كان شرقيًا) يختلف عن بلاد الغرب، وهكذا دواليك؛ جنوبه يختلف عن الشمال، وكونه من أفريقيا، على سبيل المثال، يفرض عليه مسائل قد لا يكون له أي علاقة بها، ولا يتحمّل ولا بعدًا واحدًا من أبعادها.
إنها القدرية التي تجعل صاحب البشرة السمراء حاملًا لكل الإرث البغيض من تعامل الغرب مع هذه البشرة، ومن تاريخ العبودية القائم (أو الذي قام قديمًا، حتى لا نكون ظالمين لبعض التغيّرات التي طرأت في الغرب حول هذه الخطيئة التاريخية المروّعة) على إذلال أصحاب هذه البشرة. في هذا السياق فإن هناك من يرى أن العبودية لم تقم أساسًا على اللون، بل لأن أفريقيا كانت قارّةً فقيرة (حتى قبل أن تصبح قارّة)، ما اضطرّ سكان مناطقها منذ أقدم أزمان التاريخ الإنساني المكتوب على الأقل إلى قبول العبودية صيغةً للعيش، ما يعيدنا، بناءً على هذه الفرضية (حتى لا نقول النظرية)، إلى محدّد الجغرافيا: الجهة. في سياقات كثيرة تصبح الجهة قدرًا آخر من الأقدار التي يولد الإنسان لا حول له حولها ولا قوة. ويصبح الجنوب جنوبًا مهما حاول المُبتلى أن يلوي عنقه ويجعله شمالًا، والشرق شرقًا مهما حاول أحد أبنائه العاقّين أن يُغرِّبه. ويصبح الوعي الجمعيّ حول كل هذه الحقائق انجرافًا كونيًّا عالميًا يطوي ملايين الأميال طيًّا (طبعًا كونيًّا للمبالغة، فلا شأن لباقي كواكب الكون الفسيح ومجرّاته بقصصنا نحن أهل كوكب الأرض). كل هذا الحديث عن الوعي الجمعي، مع تجنّب الخوض الأكاديميّ المجرّد حوله، لأصل إلى نتيجة مفادها أن معاني الجهات والارتباط الدلالي حولها بات قارًّا راسخًا في الوعي الجمعيّ لسكان الكوكب أجمعين، رغم مختلف التمايُزات التي تمنع التقاءَهم حول وعيٍ جمعيٍّ مشتركٍ واحد. إنه تراكُم الأثر الذي لم يُبقِ ولم يَذَر، فصار الجنوب وشمًا، إن شئتم، أو وسمًا. وبات الشرق، بحسب الحقائق، حضاراتٍ ومناراتٍ وأديانًا وسجّادًا وتوابل وقصائد وأسرار، أو (حرملك)، بحسب القصور الغربي، وتخلّفًا؛ لأبنائه في مؤخراتهم ذيل، ولسكّانه قِذى وقمْلٌ وبلاوات ووَيْل!
لا أحد يعلم، على وجه الدقّة، لماذا تورّط، ذات نزعة غربية غريبة، الشاعر الإنكليزي (الهندي المولد) روديارد كبلينغ (1865-1936) بمقطعه الشعري الذي يقول: "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا":
Oh, East is East, and West is West, and never the twain shall meet
ورغم ادّعاء بعضهم أن البيت اُقتطع من سياقه، وأن الشاعر عاد وعدّل وعدّد في القصيدة نفسها بعض ممكنات التلاقي على أساسٍ من "الاحترام المتبادل"، إلا أن كلماته الشعرية التي تحوّلت إلى مقولة أصبحت أكثر شهرة منه، والتقطها الباحثون عن قطيعة في الاتجاهيْن، باتت عند كثير من المتخصصين مدخلًا لدراسة سوسيولوجيا الأقوام وعلوم الاجتماع والإنسانيات، ووُظِّفت، حتى، في صراع الحضارات، ليس فقط لغايةٍ في نفس يعقوب، بل لأن العلاقة قامت منذ البدء على سوء الفهم المقصود أو غير المقصود، ولأن للجهات فتنتها من جهة، وقدرياتها من جهة ثانية. وعلى كل حال، وقبل أن يشطّ كبلينغ شططه هذا، كان شاعرٌ من بني أسد تغزّل بالغرب على حساب الشرق، ولكن في سياق مختلف؛ فالمعروف أن أصل مُقام بني أسد كان في نجد، خصوصًا غربها، وصولًا إلى المدينة المنوّرة، ولكن عمر بن الخطاب طلب منهم ومن قبائل عربية عديدة مغادرة نجد في عام الرَّمادة والتشريقَ صوب جنوب العراق لعلهم يجدون هناك حالًا أفضل مما كانوا فيه في نجد في عام جفاف الضرع ويُباس الزرع، وحين جنّ الشوق في فؤاد الشاعر الأسدي، أنشد يقول: "اذكُر مجالس من بني أسدٍ... بعدًا فحنّ إليهم القلبُ/ الشرق منزلُهم، ومنزلنا... غرب، وأين الشرق والغرب". والتغزّل هنا يعود إلى ما كانت تتميّز به مناطق شرق نجد من خصب ونخل وواحات، علاوة على أن الإنسان يحنّ إلى بيته القديم وذاكرات طفولته بغضّ النظر عن تفاصيلها المناخية والبيئية وخصبها أو عدمه. أما (عَدْوا) في البيت فلعلها منطقة هناك، وربما لها علاقة بقبائل العدوان التي استقرّت لاحقًا في الأردن، وأصبحت من أكبر العشائر الأردنية، ومنها الشاعر نمر بن عدوان.
كثيرة هي الأمثال الدالّة على خصوصية الجنوب:
جنوب لبنان: الإباء والصمود المستحيل واللهجة المشعّة بكل ما هو جميل وأصيل ونبيل. جنوب الأردن: كرم أهل الكرك والطفيلة وشموخ أهل معان.
جنوب مصر: قدرية الثأر في الصعيد وشراسة التمترس خلف العادات.
جنوب العراق: حزن كربلاء وقابليتها للفداء.
جنوب فلسطين: غزّة، وما أدراك ما غزّة، فكل كلام المعاجم لا يوفّي أهلها حقّهم ولا يبلغ فرادتهم.
أما جنوب العالم فهو نحن الذين سنمسك الكرة الأرضية ذات لحظة تاريخية ونقلب عاليها واطيها ونُشقلب كل معانيها.


تحميل المقال التالي...