}

الوعي الشقي الحائر بين الدين والدنيا

بشير البكر بشير البكر 9 أبريل 2026
اجتماع الوعي الشقي الحائر بين الدين والدنيا
شفيق محمد اكريكر


"الوعي الأخلاقي الشقي: تنازع الإنسي والديني في تراث الإسلام" كتاب صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للكاتب المغربي والباحث وأستاذ الفلسفة في جامعة مولاي إسماعيل بمدينة مكناس الدكتور شفيق محمد اكريكر، وهو يمثل محاولة جريئة للخوض في قضايا تبدو ذات طبيعة إشكالية، تتعلق بصلة الأخلاقي بالديني في الإسلام، ولم يجرِ نقاشها على نحو واسع، أو لم تحظَ باهتمام كبير من الدارسين، لذلك تبدو وكأنها مستوردة من فلسفات غربية، وحتى وإن تطرّق إليها علماء وفقهاء ومفكرون مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وقبله بثلاثة قرون أبو حيان التوحيدي في كتابه "الهوامل والهوامش".

يرى المؤلف أن سؤال الكتاب ليس غريبًا عن تراث الإسلام لأن الذي حيّر السائلين أمر واحد: هل يمكن تصور فضيلة أخلاقية قائمة بذاتها، مستقلة في الاعتبارات الملية، أم إن لا قرار لها إلا في كنف الملة؟ وهو بذلك يبحث عن موقع الأخلاق بين العقل والسمع. وقد أدى إدراك المؤلف للتنازع بين الإنسي والديني داخل أعماق النفس المسلمة إلى اشتقاق مصطلح "الوعي الأخلاقي الشقي" كناية عن وضع غير مريح يصفه في بيان أن الإيمان بدين معين والاعتراف بوجود ما للخير خارجه، "أمران لا يجتمعان إلا بشق الأنفس وشقها" على حد تعبيره، وهنا يقف السؤال عند اختصاص الإسلام وحده بحق حصري على الفضيلة الأخلاقية.

يعالج الكتاب التقابل والتجاذب داخل أعماق النفس المسلمة بين إنسية أخلاقية تحتفي بقيمة الإنساني واستقلاليته في النطاق الأخلاقي باسم القوامة الأخلاقية على الإنسان، والنزعة الألوهية التي تدمج الأخلاقي بالديني، ومن تحليل هذا الوضع يتوسل إطارًا مفهوميًا يقوم على مبدأين، الكونية، وما يسميه أتونوميا أي التشريع الذاتي. وفي الأولى ينزع الدين إلى الملية، أي إنشاء أمة من المؤمنين بملة مخصوصة. وينجم عن ذلك أن الأخلاق تصطبغ بخصوصية العقائد والشرائع، فيسود شعار "ما ثمة فضيلة إلا وهي مؤمنة أو مسلمة". وهذه هي الخصوصية الأخلاقية. أما الأتونوميا فإن الدين فيها يقوم على الطاعة التي يظهرها المؤمن من خلال أفعال العبادة المختلفة، ثم تزدوج هذه الطاعة بفضيلة دينية أخرى هي التقليد.

وتفيد الدعوى الرئيسية لهذه الدراسة المطولة التي كانت عبارة عن أطروحة نال بها المؤلف رسالة دكتوراه، أن أتونوميا الشخص الأخلاقي وكونية الشرعة الأخلاقية خامرتا الوعي الأخلاقي لعدد لا يُستهان به من رجال الإسلام ومفكريه، ولكن الفكرتين لم تجدا صيغتيهما الصريحتين إلا في الأزمنة الحديثة.

يشير الكاتب إلى ثلاث مرجعيات رئيسية رائدة: "النظريات الأخلاقية في الإسلام" لماجد فخري، و"العقل والنقل في الأخلاقيات الإسلامية" لجورج حوراني، و"العقل الأخلاقي العربي" لمحمد عابد الجابري


يتناول القسم الأول من الكتاب "تكوينية الوعي الأخلاقي الشقي: الأخلاقي والديني في الإسلام"، ويشتمل على فصلين، الأول يتناول بواكير الوعي الأخلاقي في الإسلام، وفي الثاني تشخيص لبعض من محن الوعي الأخلاقي المسلم ومناوراته، بدءًا من القدريين، ومن ثم البراهمة. وفي القسم الثاني المعنون بـ "انبساط الوعي الأخلاقي الشقي: النقائص المؤتلفة في النفس"، يبلغ المؤلف موضوع العقدة في قصة الوعي الأخلاقي الشقي من خلال ثلاثة نماذج، يفصلها في الفصل الثالث من خلال عبد الله بن المقفع، الذي يصفه بأنه رسم ببيان قلمه خطًا رفيعًا بين الديني والأخلاقي. كما أنه وعى مبكرًا السؤال الأخلاقي للتقليد، الذي "سيقضّ من بعده زمنًا طويلًا، مضجع الوعي الأخلاقي في الإسلام". وفي الفصل الرابع يفرد مساحة لنموذج من داخل الإسلام، ليتناول المحدث ابن أبي الدنيا الذي يقول إنه "بذل الوسع في إنشاء أخلاقيات فضيلة تراهن على القدوة لا على الأمر"، وتحتفي بشرف العقل ونبل المكارم، وفي مقدمتها الحياء والمروءة، بما هي وازع أخلاقي ذاتي، وينتهي القسم بالفصل الخامس الذي يصل فيه إلى ما يسميه "قمة النقائض المؤتلفة" كما احتواها العقل الموسوعي لأبي حامد الغزالي. ويناقش في الفصل السادس المسألة عند المعتزلة من خلال الوعي الأخلاقي المسلم، ومركزية العدل، وفي الفصل السابع والأخير يتناول الكتاب مواقف الطبيب محمد بن زكريا الرازي، الذي امتلك جرأة تجاوزت طروحات المعتزلة وفلاسفة الإسلام، ذلك أنه انطلق من شرف العقل ومصدره الإلهي وحاكميته التي تقتضي جعله حاكمًا لا محكومًا، متبوعًا لا تابعًا.

يرى المؤلف أن سؤال الكونية الأخلاقية يهم المسلم اليوم أكثر من أي وقت مضى، ذلك أن الفكرة باتت واضحة بفضل ثورة وسائل المواصلات والاتصالات، بالإضافة إلى مدى التنوع الديني في العالم. ومن وجهة نظره تعلو الكونية الأخلاقية على العقائد الدينية، وربما لا تتوقف عليها إلا قليلًا، ما يفتح الطريق أمام المسلم الراهن نحو كلمة سواء مع غيره، من المشاطرين له في الإنسانية المخالفين في الملة، وهذا سيقود لإغناء المحادثة الأخلاقية العالمية الدائرة في صدد حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والحكم الرشيد والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وقيمة التنوع البيئي.

وفي المقدمة يمر المؤلف على "رفاعة الطهطاوي ومروءة أهل باريز"، في فترة الأعوام الخمسة (1826-1831) التي أمضاها إمامًا للبعثة المصرية وواعظًا، وخلاصتها كتابه الشهير "في تخليص الإبريز" الذي تحدث فيه عن أن "الفرنسيين يعتنون كثيرًا بالمروءة الإنسانية". وتأتي قيمة هذه الشهادة من عربي مسلم عن بلاد غير المسلمين. وينتقل من ذلك لعرض مسألة مهمة تتعلق بتطور الإسلام التاريخي، الذي انتهى بسدل حجاب التشريع على كل مناحي الحياة، فصار "علم السلوك أو علم الأخلاق لا ينفصل عن الفرائض الدينية وعن إكراهات القانون". ويجزم بأن الشرائع الدينية كلها شرائع تاريخية مخصوصة ومحلية، تجلّ الله وتعبده، بناء على إيمان تاريخي، وفي مقابلها تقع عبادة أسمى هي العبادة الأخلاقية الكونية القائمة على إيمان عقلي.

ويقر المؤلف أن هناك دارسين سبقوه إلى هذه المسألة، ويشير إلى ثلاث مرجعيات رئيسية رائدة: "النظريات الأخلاقية في الإسلام" لماجد فخري، و"العقل والنقل في الأخلاقيات الإسلامية" لجورج حوراني، و"العقل الأخلاقي العربي" لمحمد عابد الجابري. ويرى أن هؤلاء لاحظوا توتر الديني والأخلاقي داخل الوعي المسلم، لكن كلًّا منهم رآه من زاوية خاصة، وعلى سبيل المثال يصنف الجابري الموروث العربي الخالص تحت عنوان المروءة وما يدخل تحتها من الفتوة والمعروف والكرم. ويرى أن الجابري لمح فعلًا إلى مشكلة العلاقة بين المروءة والدين، لأن الأخير دائر على التقوى، بينما تقع المروءة خارج الدين، "ولو أنها منه وهو منها"، مثلها مثل كل القيم التي توجه سلوك الجماعة كالوفاء والصبر والإيثار. وخلاصة هذه النقطة أن مفكري الإسلام لم يجدوا أنفسهم بين خيارين بسيطين، الإنسان الأخلاقي والإنسان الديني، فالواقع أبعد غورًا من ذلك وأعقد، ويكمن قدره في التردد بين منزلتين.

يعد هذا الكتاب جهدًا متميزًا يخوض مؤلفه في غمار قضايا شائكة لم يُحسم الجدل حولها منذ ظهور الإسلام، وكي يبقى على الطريق الصحيح أعمل أدوات البحث على نحو مهني واضح، وهذا ما يفسر أن العمل قبل كل شيء هو رسالة دكتوراه في جامعة مرموقة، وهذا يعني أنه حتى لو أراد أن ينحاز أو يقدم قراءة من منظور ذاتي، فإن الطرقات أمامه موصدة، ولذلك يبدو الكتاب متوازنًا، وحفل بعرض واسع للأسئلة القلقة التي لم تجد أجوبة، وفتّش عما يناظرها في فلسفات وديانات أخرى كالمسيحية واليهودية التي عرفت بدورها التنازع بين الديني والدنيوي بدرجات مختلفة، وأقل في حال المسيحية. وهو يعتبر أن اثنين حلا هذه الإشكالية العميقة على نحو جريء وجذري هما المعتزلة ومحمد بن زكريا الرازي.

في الختام استطاع الكتاب وضع فرضية التنازع في ساحة الوعي الأخلاقي، وأضاء مطولًا على حيرة مفكري الإسلام بين الموقف الديني والموقف الأخلاقي، وسعيهم إلى مداراة هذا الشقاء من خلال الاحتفاء بقيم أخلاقية قبل إسلامية ومدح شرف العقل، وبذلك يبرهن على أن السؤال الأخلاقي رافق الإسلام نفسه بشكل لافت منذ نشأته إلى درجة أن الأخلاق ("إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق"، الرسول) كانت واحدة من أقوى دلائل النبوة، ولبنة أساسية من البناء الإسلامي في بداياته، وظل الضمير الديني في الإسلام مهيمنًا على الوعي الأخلاقي للمسلم على مر الزمن الإسلامي، منذ النبوة وحتى اليوم. 


الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.