كًثُر الحديث بين المفكرين في السنين الأخيرة عن نهاية الحب والحب السائل في عصر الرقميات. في الوقت الذي نشهد فيه في وسائل التواصل الاجتماعي وفرة من الخطابات الشخصية عن الحب والعشق والهيام سواء بالتقريظ أو بالتبخيس. ثمة فيض بالغ من التدوينات عن الحب وألم الحب ومفارقاته، وعن المحبوب وخذلانه. الحب إحساس قبل أن يكون وصالًا، وتعبير قبل أن يغدو لقاء، ومعاناة وانجراف، ولحظات قاسية من الشك والارتياب والسؤال وجلد الذات، والبحث عن خيوطه اللامرئية، وما يصلنا من الآخر وما ينفلت من بين أيدينا منه. هو لحظات متشذرة، تتشابك وتتناثر لتصوغ حاضرًا متماوجًا قد يعرف السكينة والهدوء قبل أن يعيش الهيجان. البعض ينساق مع هذا الحاضر المنساب من غير أن يثبّته في سلوكيات مقعّدة، فينقلب عليه الأمر ألمًا وهجرانًا، والبعض الآخر يأخذه مأخذ الجد فيعيشه بفكره ووجدانه ويجعل من نفسه حارسًا لومضاته. يغدو الآخر ملاكًا تارة وتارة أخرى شيطانًا. ويؤكد البعض ضرورة الحب في حياتنا واختراقه الشامل لها، فيما ينفي البعض الآخر وجوده ببراغماتية محنّكة، ليحوله إلى لقاء جسداني فحسب. ولأن القلب سمي قلبًا في العربية لأنه يتقلّب، فإن من يحب بقلبه (أي بحواسه) فقط يعيش تقلبات الحب ومنقلباته؛ ومن يعيشه بعقل قلبه يخلق له قالبًا نمطيًا يلائمه ويحميه من الآلام؛ ومن يعيشه بقلب عقله يجعل الحدس وفكر الجسد يقوده في المغامرة الخطيرة للحياة مع الآخر وبه وفيه.
الحب كان سائلًا ولا زال كذلك
ليس ثمة أخطر من عيش الحب في الحياة وليس ثمة من يستطيع مداورته ولو بعد خيبات عديدة. وما دام الإنسان لا يستحق مقامه في العالم إلا بالمخاطرة (كما يقول هولدرلين ومعه هايدغر عاشقه الفيلسوف)، فإن الحب عصيٌّ على البرمجة والتوقع، ومن الكثافة واللاتحدد بحيث يصعب تحديده أو تعريفه أو عيشه وفقًا لمقصديات واعية. فهو "كيان" أثيري مركب لا يعبأ بالظروف والفوارق في الطبقة والسمت و"الحسن والجمال"، ولا بالمحاذير والمعاذير. إنه، من بين "الأهواء" (passions) الهوى الذي تتعدد آثاره وأسبابه وعلله وأشكال تمظهره، وهو الهوى الذي يرتبط بالأهواء الأخرى كالغضب والحقد وغيرهما إذا ما خاب الأمل فيه. وهو، خلافًا للحقد والغضب والبخل... تتعدد أحواله ومظاهره.
الحب حال سائلة أصلًا لا تمسك بالأصابع، وحال أثيرية لا تُرى بالعين المجردة. لذلك كثرت أسماؤه حتى فاقت الأربعين لدى العرب. ولأنه كذلك، لا تجد عنه سوى كتب قليلة موسوعية نظير لكتاب "البخلاء" للجاحظ، من قبيل "طوق الحمامة" لابن حزم أو "مصارع العشاق" لابن السراج. فكتب الحب في العربية نادرة، والقول فيه موزع على متون عديدة. بل إن كتب الحب الجسدي والغواية (وهي مظاهر مرتبطة به) أكثر من غيرها، من قبيل "الروض العاطر" للنفزاوي، و"جوامع اللذة" لعلي بن نصر الكاتب، و"رشف الزلال من السحر الحلال" للسيوطي، و"نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب" لأحمد التيفاشي وغيرها. وأنت تجد إنسكلوبيديا للحب الجسدي ولا تجد إنسيكلوبيديا للحب عمومًا إلا إن تعلق الأمر بالحب الروحاني كـ"ترجمان الأشواق" لابن عربي.
يحمل الحب نهايته في ذاته، وامتداده في القطيعة أو الاستحالة. لذلك فإن طابعه الملغز (مثله مثل الموت أو المرض القاهر) يجعله مدعاة لولادة الأسطورة الشخصية التي تتحول إلى مذهب. ذلكم حال قيس وليلى وجميل وبثينة. فالغياب الجسدي يتحول في هذه الحال إلى عفة (قسرية ومفروضة لا مفر منها) لا يطولها الحضور الجسدي واستهلاك الحواس. والعفة تغدو حبًا عذريًا أفلاطونيًا. استمرار الشعور بالحب في غياب كيان المحبوب وجسده أمر متأصل في "ظاهرة" الحب لأنه علامة على تمايز هذا الشعور مع الرغبة الجسمانية. والشوق يكون هو الإحساس الوسيط الذي يديم لهب الحب الذي يتحول بالضرورة هنا إلى عشق وصبابة وولع ووله وما إلى ذلك من التلاوين المتناسلة والسائلة التي، إن لم يطلها الوصال، تؤدي عادة إلى السقم أو الموت.
في غياب الوصال قد يخبو الحب وقد ينبعث من جديد. وهذا ما يعبر عنه الحب الروحاني الذي يكون مرماه لا الاتصال الجسدي وإنما الوصال الروحاني. إنه حب الصورة المتخيلة للرب أو النبي التي يصوغها الوجدان الديني. بيد أن حب رابعة، إذا كان ضربًا من مساماة sublimation الجسد للتوازي بين الذات والآخر (الرب)، يأخذ لدى ابن عربي صورة مركبة تؤنث الذات الإلهية ومعها تؤنث العالم، وتجعل الحب حبًا كونيًا وجوديًا. وفي هذا السياق يتساوى حب المرأة/الأنثى وحب الله وحب الوجود والعالم والكون.
ثمة جوانب غريبة في الحب لا نعثر لها على مثيل في الأهواء الأخرى. فحين يتحدث الجاحظ عن حب الإنس للجن وحب الجن للإنس (في كتاب "الحيوان") يمنح للحب بعدًا خارقًا للطبيعة ومجاوزًا لها إلى مفاوز المتخيل. هكذا يخترق الحب الكون ليربط بين الإله والبشر، وبين الكائنات الأسطورية والكائنات البشرية، مانحًا للعالم نكهة الوحدة الكونية.
هل نعيش فعلًا نهاية الحب؟
ثمة مفارقة غريبة قد تكون حضارية وثقافية، وقد تكون غير ذلك. ففي الوقت الذي بدأ فيه المفكرون الغربيون ينعون الحب ويرتبون له لحظة جنازته المقدسة، بدأت أصوات في الجنوب تعيد التفكير في الحب، وبدأت دور النشر في العالم العربي تهتم بكل ما يتعلق بالحب والجسد وتحقق وتنشر التراث المنسي فيه، ذلك الذي لم نكن نعرف فيه غير كتاب ابن حزم، وكتاب النفزاوي. وليس من قبيل الصدفة أن تهتم باحثة سوسيولوجية من قبيل فاطمة المرنيسي، بعد بحثها الأول عن الجنس في الإسلام، بقضايا الحب ثم بأسمائه العديدة؛ وأن يكتب الخطيبي عن حب اللسانين مازجًا بين حب اللغة وحب المرأة، في اللغة وفي تخومها. وأن تنشر إليف شافاق التركية رواية عن قواعد العشق الأربعين باعثةً الحب الروحاني الذي غناه شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي، جاعلة منه ترياقًا للمجتمع المعاصر.
| |
| يجترح باومان لنا مفهوم السيولة الذي يتقاطع مع مفهوم "العلاقات السلبية"، ويغدو مفهومًا شاملًا ينسحب على مختلف جوانب العلاقات الاجتماعية الحميمة منها والجماعية |
وسواء كان الحب روحانيًا صوفيًا أو جسمانيًا شبقيًا، فهو ضرب من الإسراف والحلول في الآخر أكان بشريًا أو إلهيًا. واللقاء بين الجسدي والروحي ظل ممكنًا، سواء في مساماته في ما عرف بالحب العذري، في بحثه المستحيل عن الوصال، أو في معادلته الصعبة لدى ابن عربي في جعله من حب المرأة شكلًا جسدانيًا لحب الإله. فالإسراف يدفع الذات إلى الفناء في موضوعها، ويجعلها تتحلل لتحلّ فيه وتنفي وجودها في وجوده.
عندما أعلنت عالمة الاجتماع إيفا إيلوز عن "نهاية الحب" في واقع المجتمعات الغربية، اجترحت مفهوم "العلاقات السلبية" التي تجعل من الحب رباطًا عاطفيًا هشًا ينطبع بعدم الالتزام والتحلل والتبخر، يغيب معه الشريك كما عهدته العلاقات فيما قبل من الأزمنة. فتسليع الإنسان وتطبيقات المواعدة وسيادة الحرية الجنسية المفرطة، عوامل سدّدت الضربة القاضية للاعتقاد بالحب والإيمان به، وجعلته "سردية" لا تنحو نحو الاستقرار وإنما تتسم بالاضطراب وتقوم على مبدأ "اللذة" الفردية. إن فقدان المعايير (الأنوميا)، وغياب التآلف الأسري الذي كان يؤدي إليه الحب يعودان إلى دور التكنولوجيات الجديدة في منح الحب طابعًا حركيًا ومتنقلًا ومهاجرًا وفاقدًا للعمق. إنه الحب الافتراضي الذي يولد ويموت بسرعة ويحمل نهايته في بدايته، لأنه فاقد للقواعد وقابل للموت.
وإذا كانت هذه التحولات لا تمس الحب وحده وإنما تتصل بالروابط وأنماط التواصل والتعايش وتداول المشاعر والعواطف في العصر الرقمي، فإننا نرى أن ما خضع للتحول ليس هو عاطفة الحب وإنما أشكال تصريفها وعيشها. وهذا التحول عرفه العصر البورجوازي في الغرب مع تطورات البريد والطباعة والصورة والتنقل بالقطار والسيارة قبل أن يعيشه الإنسان المعاصر. يكفي أن نعود لكتابات فلوبير وبروست ولمغامرات دون جوان لنقف على ذلك.
في السياق ذاته يركز كتاب "الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية" للمفكر البولوني زيغمونت باومان، عن انتقال العلاقات الإنسانية (ومن ضمنها مشاعر الحب) من الصلابة والاستقرار إلى السيولة والاضطراب، ومن العمق إلى السطحية، ما أثّر على طبيعة الروابط الاجتماعية. لقد أصبح الحب يتسم بالسرعة وقصر العلاقات وتغيرها، مطبوعًا بغلبة الرغبة على عاطفة الارتباط، وبالتغير على الاستمرار. وعلى غرار إيلوز، يرى باومان أن الإنسان المعاصر يميل إلى "الصلات" السريعة عوضًا عن "العلاقات".
هكذا يجترح باومان لنا مفهوم السيولة الذي يتقاطع مع مفهوم "العلاقات السلبية"، ويغدو مفهومًا شاملًا ينسحب على مختلف جوانب العلاقات الاجتماعية الحميمة منها والجماعية. وهي سيولة تدخل فيها التكنولوجيات الحديثة التي تجعل الحب يبدأ افتراضيًا (بحواريات على الشبكة) وقد ينتهي بها بالحذف والحظر. وقد وصف باومان هذه الحالة بـ "السيولة" لأن العلاقات لم تعد تتخذ شكلًا ثابتًا أو دائمًا. فهي تنساب وتتغير باستمرار مثل السوائل، ولا تصمد أمام ضغوط الزمن أو التحديات، مما يخلق حالًا من انعدام الأمان العاطفي والاجتماعي.
والحقيقة أننا، من موقعنا المحدد تاريخيًا وجغرافيًا، أي من محلّيتنا، نلاحظ أن هذه السيولة في حال علاقات الحب ليست بالجديدة، لأن الإنسان عاشها بشكل أو بآخر، منذ أزمنة سحيقة. قد يكون مفهوم السيولة جديدًا في العلاقات الاجتماعية التي تصوغها الوضعية الشبكية الرقمية الحالية، غير أنه ظل موجودًا في حال علاقات الحب منذ القديم. فبالرغم من تعقيد علاقات الزواج والنكاح وارتباطها بنظام القبيلة والعشيرة الصلب، إلا أن الحب الذي شكّل موضوعًا للتأليف والحكاية والأدب (بمعناه العام) ظل محافظًا على سيولته وحركيته، معاندًا صلابة العلاقات.
هل السيولة مفهوم كوني؟
من ناحية أخرى، ليس مفهوم السيولة هذا، منطبقًا على الحب وعلى غيره من العلاقات، مفهومًا كونيًا. فالمجتمعات المغاربية والعربية تعيش الحب السائل والحب "الصلب"، المبني على الزواج وبنية الأسرة والعائلة. وهي قد تعيشهما معًا في السياق نفسه. هذه المجتمعات المركبة تعيش على إيقاع تعايش بنيات اجتماعية متنافرة، فهي لم تحقق حداثتها إلا بشكل جزئي، والفردانية فيها توازي البنية المتصلبة للعائلة والقبيلة، والثأر للعار (حرية المعاشرة)، والتزويج القسري وتزويج القاصرات، والزواج العائلي ظواهر لا زالت فيها أمرًا متداولًا، تتحدى القوانين الأكثر حداثة. أما تسليع العلاقات الجنسية فأمر وارد بشكله التقليدي كما بشكله الحديث.
إذا كان الأمر كذلك، في مجتمعاتنا، فيمكننا القول بأن الحب فيها يعيش على إيقاع الحجز الاجتماعي والحرية الافتراضية التي أضحينا نعيشها منذ عقدين. وهما حالتان متنافرتان ومتداخلتان في الآن نفسه. وهو ما يخلق حرية خطابية تبيحها وسائل التواصل الاجتماعي والتواصل الرقمي تغلف انحباسًا واقعيًا. وتلك هي مفارقة الحب الكبرى في مجتمعاتنا.
لقد بدأ الحب بسيولة بدائية لا قواعد فيها، وانتقل إلى صلابة ساهمت فيها الأديان والدول، لنعود لهذه السيولة في الوقت الراهن بفعل التكنولوجيا. هذا التطور الدائري غير الخطي يجعل العاشق اليوم يبدو مثل البدوي الرحال في صحراء فضاء رقمي واستهلاكي يعيش فيه. في الغرب، حرية بلا ضفاف، ويعيش فيه في مجتمعات، من قبيل مجتمعاتنا، بين المطرقة والسندان: مطرقة الدين والرواسب المحافظة، وسندان الحرية الافتراضية التي تمنحه وهم الحرية ووهم عيش فرديته واختياراته. فالشاشة بقدر ما تكشف العالم والآخر هي حجاب فاصل بيننا وبين العالم والآخر. إنها حجاب يخلق معضلة موازية لمعضلة انحجاب اللقاء والوصال وتحولهما إلى استيهام، وإلى حب متخيل، مثلما كان "رسول الحب" والخطابات المبعوثة في الماضي تلهب خيال العاشقين وتعوضهم عن الوصال.
لذا من الصعب الحديث عن نهاية الحب في مجتمعاتنا رغم انطباعه بسيولة جديدة، وبسياق متسم بالسيولة. وبالرغم من حرية الخطاب التي تطبع وسائل التواصل الاجتماعي، لا زالت حرية الحب، مثلها مثل الحرية السياسية، والحريات الفردية، أمورًا بعيدة المنال، بل تبدو أمورًا شبه مستحيلة. بل يمكن القول إن هذه السياقات الجديدة، تعمق بشكل ما، مفارقات التعبير عن الحب وعيشه، وهي المفارقات التي ظلت تتحكم فيه منذ أزمنة طويلة...
إذا كان الحب يعيش سيولته القاتلة في الغرب، فهو في مجتمعات العالم العربي وفي ثقافاتها، يعيش انتعاشًا ويوسع من دائرة خطاباته. إنه يتنفس هواء الحداثة وحريتها في وسائل التواصل الاجتماعي كما في هوامش المجتمع، خارج رقابة الأسرة والعشيرة والقبيلة والمعتقدات. وأحيانًا في تعايش معها.


تحميل المقال التالي...