تصمد أسطورة كريستوفر كولومبوس ورمزيته بعناد أمام كل محاولات التفكيك التي تروم تعرية حقيقة هذه الشخصية الجدلية و"الدجلية" (اشتقاقًا من دجل)، فعوض النظر إلى البحّار الإيطاليّ هذا بكونه أحد أقبح رموز الاستعمار والعبودية والبادئ في إبادة شعب أميركا الأصليّ، والباحث الجشع عن الذهب، تطغى منذ قرون نظرة مضلّلة إليه بوصفه بحارًا مكتشفًا، مغامرًا، بطلًا ورمزًا للشجاعة البحرية، بل ومنشئ الأمّة الأميركية.
تعود أسطورية هذا "الشارلاتانيّ" إلى أن سيرته ليست مجرّد سيرة رجل، بل هي جزء من سردية كاملة عن "اكتشاف العالم الجديد" وبداية العصر الحديث الأوروبي، ولذلك فإن سقوطها (أو إسقاطها) الكامل صعب، رغم كل النقد التاريخي والأخلاقيّ الذي تناولها. ومن أسباب استمرار الأسطورة قوة الرمز، فالرموز تعيش أطول من الوقائع. تحوّل كولومبوس إلى رمز لعبور الحدود والمغامرة والاكتشاف، بينما لا يعرف كثر تفاصيل حياته بل يعرفون صورة الرجل الذي "أبحر نحو المجهول"، فالصورة هذه أقوى عاطفيًا من الدراسات الأكاديمية التي تفككها. سبب آخر هو ارتباط اسمه بولادة الحداثة الغربية، فرحلته عام 1492 تقدّم عادةً كبداية لعصر جديد من التوسع الأوروبي، والتجارة العالمية، والرأسمالية الحديثة. لذا فالمساس بصورة كولومبوس يبدو أحيانًا كأنه مساس بسردية الغرب عن نفسه وعن "التقدّم". سبب ثالث متعلّق بالتعليم والثقافة الشعبية، فلأكثر من قرن، خصوصًا في الولايات المتحدة، تمّ تقديم كولومبوس للأطفال كبطل إيجابيّ في الكتب المدرسية للتعليم الابتدائي، وتبقى هذه الصورة راسخة حتى عندما تتغير المناهج. والسبب الرابع المهمّ له صلة بالحاجة إلى أبطال تأسيسيين، فكل "حضارة" تصنع شخصيات "فاتحة" أو "مؤسّسة". لدى الرومان رومولوس، ولدى الفرنسيين نابليون، لذا يحتاج الأميركيون إلى كولومبوس باعتباره شخصية سابقة على الاستقلال وموحّدة للمهاجرين الأوروبيين حول أصل رمزي مشترك. أمّا السبب الخامس فيرتبط بتعقيد الحقيقة التاريخية، فالصورة الحديثة المضادة إلى كولومبوس تتحوّل بدورها إلى صورة تبسيطية. وسادس الأسباب أن كولومبوس أضحى جزءًا من "حروب الذاكرة" ضمن الصراع الثقافي والسياسي المعاصر، فبينما يرى فيه تيار معين رمزًا للاستعمار والإبادة، يرى تيار آخر في إسقاطه محاكمة للماضي كله بمعايير الحاضر أو هدمًا للتراث الغربي. ولذلك لا تسقط الأسطورة بسهولة إذ لم تعد تخصّ الرجل وحده، بل ترتبط بالطريقة التي يفهم بها الغرب نشأة العالم الحديث نفسه.
أوّل المعتقدات التاريخية المتهافتة حول "اكتشافات" هذا البحّار أنّه أوّل من وطأت قدماه القارة الأميركية، والحقيقة أن الفايكنغ هم الذين سبقوه إليها بـ500 عام، وكانت لديهم مستوطنات في غرينلاند ووصلوا منها إلى شواطئ كندا. اكتشف كولومبوس في الواقع جزيرة صغيرة في أرخبيل جزر البهاما، وجزءًا من البحر الكاريبي، وجزءًا من أميركا الوسطى. لكن الشعر والأدب الخياليّ لم يستغنيا قط عن شخصية كولومبوس الأسطورية، فالأدب الأميركي الناشئ، الباحث عن هويته الخاصة وهوية البلاد الجديدة ـ كما لو كان كولومبوس هو الحل لجميع الأسئلة والدواء لجميع المخاوف ـ وضع نفسه في خدمة هذا "البطل" الذي كان يحمل مفاتيح ماضي الولايات المتحدة ومستقبلها.
الأصل الملتبس
خلال حياته، وحتى في القرون التي تلت موته، لم يشك أحد في أصول كريستوفر كولومبوس، فهو مولود فعلًا في جنوى الإيطالية عام 1451، ويقال إن والده دومينيكو كولومبو، من لومبارديا، كان نسّاجًا في هذه المدينة الواقعة شمال غرب إيطاليا على ساحل ليغوريا. وتعززت هذه الفرضية التاريخية عام 1931 مع نشر وثائق مكتوبة بخط يد كريستوفر كولومبوس نفسه، وإحداها مؤرخة في 22 فبراير/شباط 1498، وفيها طلب ببقاء ممتلكاته في جنوى بأيدي عائلته لكونه مولودًا هناك. وبهذا الدليل المكتوب بدا أن مسألة أصول كريستوفر كولومبوس حُسمت نهائيًا. ومع ذلك، أُعيد في السنوات الأخيرة الماضية إشعال النقاش، إذ تثير عدة دلائل شكوكًا حول هذا الأصل الجنوي، وكشفت نتائج دراسة علمية أن "مكتشف الأميركتين" ليس من أصل إيطالي على الإطلاق، بل من أصل يهوديّ إسبانيّ، والنظرية هذه ليست جديدة، فبعد تفسير أحرف ومصطلحات في رسائله تبيّن أن ثمة احتمالًا بوجود أصول يهودية خفية لديه، وتمّ تحليل الحمض النووي لهيكله العظمي غير المكتمل المدفون في كاتدرائية إشبيلية، وقورن بمثله في رفات جياكومو أحد إخوته، ورفات ابنه الثاني فرديناند، فأظهرت النتائج أنه من أصل يهودي سفاردي، أُجبر خلال محاكم التفتيش الإسبانية على اعتناق الكاثوليكية أو مغادرة البلاد، فاعتمد الحل الأول تجنّبًا للنفي ومحاكم التفتيش. ومع ذلك، بقي لغز أصول كريستوفر كولومبوس حتى هذه الساعة بلا جواب أكيد وحاسم ونهائيّ.
حقيقة الرسوّ الأول
لدى نزول كولومبوس وبحارته إلى شاطئ إحدى جزر الباهاما، حاملين سيوفهم، هرع نساء الأراواك ورجالهم لاستقبالهم عراة، مملوئين دهشة، ناظرين إلى السفينة الكبيرة الغريبة عن كثب، فقدموا للوافدين الغرباء طعامًا وماءً وهدايا، وقد دوّن كولومبوس ذلك لاحقًا في مذكراته على هذا النحو: "أحضروا لنا ببغاوات وكرات من القطن ورماحًا وأشياءً أخرى كثيرة، وبادلوها بخرز زجاجيّ وأجراس صقور. تاجروا بكل ما يملكون عن طيب خاطر... إنهم لا يحملون السلاح، ولا يعرفونه، وحين أريتهم سيفًا أمسكوه من حدّه وجرحوا أنفسهم بسبب جهلهم. سيكونون خدّامًا ممتازين ... نستطيع بخمسين رجلًا إخضاعهم جميعًا وإجبارهم على فعل ما نشاء". كان شعب الأراواك في جزر البهاما أشبه بالهنود في البر الرئيسي، وتميزوا (على ما أكد المراقبون الأوروبيون مرارًا وتكرارًا) بكرم ضيافتهم وإيمانهم بالمشاركة، ولم تكن تلك الصفات موجودة في أوروبا في عصر النهضة حيث هيمنت سلطة البابوات وحكم الملوك والهوس بالمال الذي طبع الحضارة الغربية. فالمعلومة التي سعى إليها كولومبوس بشدة كانت: أين الذهب؟ فقد أقنع ملك وملكة إسبانيا بتمويل رحلة استكشافية إلى الأراضي التي توقّع أن تكون ثروتها في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أي جزر الهند وآسيا، حيث الذهب والتوابل. وإذ كان مثل غيره من المثقفين في عصره يعلم أن الأرض كروية، تيقّن أنه يستطيع الإبحار غربًا لبلوغ الشرق الأقصى. وفي مقابل جلب الذهب والتوابل، وُعِد كولومبوس بنسبة 10% من الأرباح، وبحكم الأراضي المكتشفة حديثًا، وبلقب "أدميرال المحيط". وحالفه الحظ وسط المحيط الهائل، فعثر بعد اجتياز ربع المسافة على أرض مجهولة غير مستكشفة تقع بين أوروبا وآسيا، كانت جزيرة في جزر البهاما بالبحر الكاريبي.
| |
| في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2018 أزيل تمثال كريستوفر كولومبوس من حديقة "غراند بارك" في لوس أنجلس، إثر احتجاجات متصاعدة من السكان الأصليين |
هذا الرسو عند شاطئ شعب الكاراواك كانت له عواقب وخيمة، إذ أخذ كولومبوس بعضًا من أفراده أسرى على سفينته، وأمرهم بإرشاده إلى مصدر الذهب. ثم أبحر إلى ما يعرف اليوم بكوبا، ثم إلى هيسبانيولا (الجزيرة التي تضم اليوم هايتي وجمهورية الدومينيكان)، وهناك أثارت فيه قطع الذهب الظاهرة في الأنهار، وقناع ذهبي أهداه إياه زعيم هندي محلي، رؤى جامحة في مخيلته عن حقول الذهب، وكان تقريره إلى البلاط الملكي في مدريد مزيجًا من حقيقة وخيال، ومما وصفه: "هيسبانيولا معجزة. جبالها وتلالها، سهولها ومراعيها، كلّها خصبة وجميلة... فيها أنواع كثيرة من التوابل، ومناجم عظيمة من الذهب والمعادن الأخرى...". كما ذكر أن الهنود "سذّج جدًا وشديدو الكرم إلى حد لا يُصدّق، فلو طلبت منهم شيئًا لا يرفضون البتّة"، مختتمًا تقريره بوعد لملك إسبانيا بجلب الذهب والعبيد في رحلته القادمة (هو إذًا مستعبِد بامتياز مهما قيل في صفاته). عام 1495 جمع كولومبوس ورجاله ألفًا وخمسمائة رجل وامرأة وطفل من شعب الأراواك، ووضعوهم في حظائر يحرسها الإسبان والكلاب، ثم اختاروا أفضل 500 منهم لتحميلهم على السفن، فتوفي 200 من الـ 500. وعقب يأسه من العثور على ما يكفي من الذهب، أرغم مجموعات على العمل في مزارع شاسعة (البذرة الأولى لاستعمار القارة الجديدة البكر)، وأدت السيطرة المطلقة على هذا الشعب المسالم إلى قسوة مطلقة، فلم يتردد الإسبان في طعن الأراواك بالسكاكين، ولم يستطع هؤلاء الدفاع عن أنفسهم فعانوا وماتوا في المناجم وغيرها من الأعمال الشاقة في صمت يائس، وبوصف لا إنسانيّ منعدم الضمير يصف كولومبوس نفسه عملهم قائلًا: "تُجرّد الجبال من قمتها إلى أسفلها، ومن أسفلها إلى قمتها ألف مرة. يحفرون، يشقّون الصخور، ينقلون الحجارة، يحملون التراب على ظهورهم لغسله في الأنهار، ويبقى أولئك الذين يغسلون الذهب في الماء طوال الوقت، ظهورهم منحنية على الدوام، إلى حدّ الكسر". بعد كل ستة أشهر أو ثمانية من العمل في المناجم، وهي المدة اللازمة لكل طاقم لاستخراج كمية كافية من الذهب لصهرها، كان يموت نحو ثلث الرجال العاملين. وفيما كان الرجال يُرسلون إلى المناجم على مسافة أميال، كانت الزوجات يبقين لزراعة الأرض ويُرغمن على القيام بالعمل الشاق المتمثل في حفر آلاف التلال وتهيئتها لزراعة نبات الكسافا. ويروي الكاهن والمحامي الإسباني بارتولومي لاس كاساس (1484 ـ 1566) في الجزء الثاني من كتابه "تاريخ جزر الهند الشرقية" أن كولومبوس امتلك لفترة من الزمن مزرعة عمل فيها سكان أصليون عوملوا كالعبيد، مشيرًا إلى أن ثلاثة ملايين من سكان هيسبانيولا هلكوا بين عامي 1494 و1508 بسبب الحرب والعبودية والمناجم.
التاريخ الأميركي محوَّرًا ومقلوبًا
هل هي أسطورة كريستوفر كولومبوس أم أسطورة أميركا؟ في أغلب الأحيان، يصعب الفصل بينهما. أراد الأميركيون أن يروا في كولومبوس الشخصية التاريخية العظيمة، وفي عام 1792 شرعت المدن الأميركية الكبرى من بوسطن إلى ريتشموند، فرجينيا، مرورًا بنيويورك وبالتيمور، تتنافس في إظهار إعجابها به، معبّرة ضمنًا عن إعجابها بالأمة الأميركية الحديثة "الملجأ السعيد للمضطهدين من سائر الأمم والأديان". ومع ذلك، لم يسلم كولومبوس الكاثوليكي (وإن من أصل يهوديّ مرجّح) من كراهية الأميركيين المتعصبين ضد الكاثوليكية والبابوية. بين اكتشاف أميركا وولادة الولايات المتحدة، لم يجرِ التاريخ في مسار أحاديّ، فبمعنى ما كان ممكنًا أن تغدو إحدى الجزر التي اكتشفها كولومبوس مكانًا أو موقعًا فعليًا لمدينة توماس مور "يوتوبيا"، فيما لاحظ الجيل الأول من الكتّاب الأميركيين "أن النجاح السياسي والاقتصادي والأخلاقي" لبلادهم لم يكن في جوهره حلمًا ولا يوتوبيا، بل كان واقعًا ملموسًا، ذا مستقبل مضمون. لقد غرست الولايات المتحدة في رأيهم "الشكل الجمهوري للحكم" في بلد شاسع تتوسع حدوده باستمرار ويشكل "إمبراطورية مزدهرة وواعية تحت حماية الله وبركته". تلك هي "معجزة" كريستوفر كولومبوس العظيمة لأميركا، للولايات المتحدة، فاكتشاف "العالم الجديد" كان نتيجة رحلة أسطورية وخيالية أخذت طابعًا صوفيًا، خارقًا للطبيعة، وبالنسبة إلى أميركيين كثر استوطنوا البلاد بـ"إرادة إلهية".
| |
| طرح هوارد زنّ فكرة أن التاريخ الأميركي الرسمي مكتوب من وجهة نظر المنتصرين، وأن كولومبوس قُدّم كبطل وأخفيت جرائمه المرتكبة بحق السكان الأصليين (Getty) |
اليوم، تبدّل واقع "التقديس" والتبجيل لهذا البحّار الغازي، ففي 12 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2018 أُزيل تمثال كريستوفر كولومبوس من حديقة "غراند بارك" في لوس أنجلس، إثر احتجاجات متصاعدة من السكان الأصليين والناشطين الذين يعدّون كولومبوس رمزًا للاستعمار والعنف ضد الشعوب الأصلية. تمّ ذلك وسط هتافات حشد غفير، وقادت العملية مجموعة برئاسة عضو المجلس المحلي ميتش أوفاريل، وهو من سلالة أحد السكان الأصليين لأوكلاهوما. والتمثال كان قد وضعه أميركيون من أصل إيطالي عام 1937، وكانوا يحتفلون بهذا الرمز كل أكتوبر/تشرين الأول من كل سنة. ثم انتقلت الظاهرة إلى مدن أخرى بلغ عددها خمسين مدينة حتى اليوم، أي أن "المقدّس" بدأ يخضع للمراجعة والتشكيك، وهي بداية جيدة تحتاج إلى وقت لإزالة آثار التبجيل والأسطرة.
مفكّرون يفكّكون الأسطورة
حاول بعض الباحثين تفكيك أسطورة كريستوفر كولومبوس على مراحل، وهم مؤرخون أو أنثروبولوجيون أو مثقفون من اتجاهات مختلفة، فركّز بعضهم على العنف الاستعماري، والبعض الآخر على كيفية صنع "البطل القومي"، وآخرون على البعد الاقتصادي والإمبراطوري لاكتشاف العالم الجديد. ومن أبرز هؤلاء هوارد زنّ/ Zinn الذي نقض سردية كولومبوس التقليدية وطرح فكرة أن التاريخ الأميركي الرسمي مكتوب من وجهة نظر المنتصرين، وأن كولومبوس قُدّم كبطل وأُخفيت جرائمه المرتكبة بحق السكان الأصليين، معتمدًا على شهادات المؤرخ والمدوّن بارتولومي لاس كاساس الآنف الذكر، حول الاستعباد، وقطع الأطراف كعقاب، والانتحار الجماعي لبعض السكان هربًا من القهر، والانهيار السكاني الكارثي. ويُظهر زنّ كولومبوس كرمز لبداية الرأسمالية الاستعمارية والعنف الإمبراطوري. أمّا كوركباتريك سيل فيعرض في كتابه "غزو الفردوس" نقدًا جذريًا لفكرة "الاكتشاف" نفسها، معتبرًا أن الأوروبيين لم "يكتشفوا" عالمًا فارغًا غير مأهول، بل دمّروا حضارات قائمة، ورأى أن كولومبوس كان مدفوعًا بالطمع الديني والاقتصادي معًا، وأن رحلاته دشّنت كارثة بيئية وإنسانية. ويقدّم تزفيتان تودوروف في مؤلّفه "غزو أميركا" قراءة فلسفية وثقافية عميقة، مركّزًا على "مشكلة الآخر" لدى كولومبوس الذي لم يستطع رؤية السكان الأصليين كبشر متساوين، بل كموضوع للغزو والاستغلال، تحت ذريعة التبشير بالمسيحية، على طريقة المبشّر الدجّال. كانت بداية الحداثة الأوروبية مرتبطة في نظر تودوروف بعدم الاعتراف بالآخر المختلف. هذا في حين استخدم ديفيد إي. ستانارد لغة شديدة القوة في كتابه "الهولوكوست الأميركي"، معتبرًا أن ما حدث للسكان الأصليين بعد كولومبوس يمثل واحدة من أكبر الإبادات في التاريخ البشري، كما يرى أن الاستعمار الأوروبي لم يكن حادثًا عرضيًا، بل عملية تدمير منهجية للشعوب الأصلية.
وفي كتابه "الأكاذيب التي رواها لي معلمي" ينتقد جيمس دبليو لووين/ Loewen المناهج المدرسية الأميركية التي صنعت "كولومبوس اللطيف"، قائلًا إن التعليم الأميركي أخفى الحقائق غير المريحة حول شخصية معقدة وعنيفة وحوّلها إلى قصة وطنية للأطفال. بينما يمثل فيليب فرنانديز ـ أرمستو اتجاهًا أكثر توازنًا وتعقيدًا، ففي السيرة التي وضعها عن كولومبوس لم يحاول تبرئته، لكنه انتقد كذلك المبالغات الحديثة التي تحوّل الرجل إلى "وحش منفرد"، قائلًا إن فهم كولومبوس يستلزم إدراجه ضمن العقلية الأوروبية في القرن الخامس عشر، زمن التوسع الديني والبحث عن الثروة والتصورات الإمبراطورية، أي أن كولومبوس كان في رأيه نتاج عصره أكثر من كونه استثناءً شيطانيًا. غير أن الأنثروبولوجي الهايتيّ، مايكل ـ رولف ترويّو/ Trouillot يخالف أرمستو نظرته التخفيفية، باحثًا في كيفية صنع الذاكرة التاريخية، وكيفية إخفاء بعض الأصوات، خالصًا إلى أن الاحتفاء بكولومبوس كان جزءًا من إنتاج رواية غريبة عن "الحضارة" تخفي العنف الذي رافق نشأتها. واللافت في كل ما سبق أن تفكيك أسطورة كولومبوس لم يبق مجرد مسألة تاريخية، بل أضحى جزءًا من دراسات الاستعمار، ونقد المركزية الأوروبية، وتاريخ الرأسمالية، ودراسات الذاكرة والهوية. أي أن السؤال لم يعد فقط: هل كان كولومبوس جيدًا أم سيئًا؟ بل: لماذا كانت الثقافة الغربية تحتاج إلى اختراع هذه الصورة عنه في الأصل؟


تحميل المقال التالي...