حين نذكر فرنسا، سرعان ما تيمم مخيلتنا وجهها شطر "باريس" وبرجها، أو "مرسيليا" وشاطئها، و"بوردو" وزيدانها (زين الدين زيدان)، أو "ليون" وكريمها (كريم بن زيما)، لعشاق كرة القدم.
لكن هنالك مدينة مغمورة ربما، ومن دون أن نسمع بها، ساهمت في رسم مخيلاتنا التي لاحقت "الكابتن ماجد" في ملاعب الكرتون، وطاردت سوبرمان في سماء مدينة ما، وشاركت "باتمان" ملاحقة ظلاله بين الأزقة، مخيلات لم تتعب من التجوال في خرائط "تانتان" شقي الاستكشاف، وشاركت "سبايدر مان" في "التعمشق" على جدران أحلام طفولية منسوجة بخيوط العنكبوت.
هي مدينة أنغوليم التي تتلطى خلف جدران مشغولة بأشهر أبطال القصص المصورة، أو الكوميكس (بالفرنسية (Bandes dessinées)، لتصبح إحدى أهم عواصم أوروبا والعالم في "الفن التاسع". مدينة كاملة في فرنسا تُعنى بفن لم تعرفه ثقافتنا العربية إلا هدفًا للأطفال، تاركًا للكاريكاتير شرف محاولة اختراق الخطوط الأمامية للجبهة العبوس على وجوه أناس تجاهد لتجد الابتسامة طريقًا إليها.
تألق فن القصص المصورة المولود في أوروبا، والمزدهر في أميركا على أيدي فنانين صاروا ماركة مسجلة لدى أجيال متلاحقة رافقتهم صغارًا، وما فارقتهم عندما كبروا.
في أنغوليم، الواقعة جنوب غرب فرنسا (نحو 400 كم عن باريس)، وأنت تغذ السير في الشوارع تغذي النظر بجداريات أحالت المدينة إلى كتاب مفتوح على الهواء الطلق صفحاته جدران أبنية تستنطق حجارتها التاريخ.أكثر من 30 لوحة جدارية عملاقة رسمت ثاني أطول مسار من نوعه في العالم بعد "بروكسل" على امتداد 8.5 كيلومتر. لا تشكل تلك اللوحات ديكورًا بقدر ما هي فن يعيش بين الناس، مزدانة بتواقيع أساطير في عالم الـB.D (اختصار فن القصص المصورة الفرنسية ـ البلجيكية).
من "كان"(*) إلى "كونياك"
لم تأتِ شهرة المدينة بالـ"BD" من فراغ، فتلك الشوارع تعج سنويًا بأضعاف عدد سكانها المقدر بحوالي 40 ألفًا، من الزوار القادمين من كل أنحاء العالم خلال مهرجان أنغوليم السنوي للقصص المصورة منذ انطلاقه عام 1974، ليصبح أهم احتفالية من نوعها أوروبيًا وعالميًا، متجاوزًا مهرجان "لوكا" الإيطالي.
تنطوي حكاية المهرجان على تفاصيل غنية موشاة بالطرافة حول أنغوليم، التي لم تكتفِ بكونها عاصمة لإقليم شارنت/ Charente، ليبادر مؤسسو المهرجان إلى وضع العاصمة والإقليم على خارطة الاهتمام الثقافي عالميًا، من خلال الحدث الذي يشغل شوارع المدينة بعشرات آلاف العناوين والمشاركين، من رجال فن وصحافة وإعلام وأصحاب دور نشر قادمين من أرجاء المعمورة كافة.
يضخ المهرجان السنوي في شرايين المدينة موارد بالملايين (بلغت 10 ملايين يورو عام 2019)، في ظل تزاحم مئات الكتاب والفنانين وآلاف العناوين في تنافس يخترق جمود الاقتصاد وبرودة كانون الثاني/ يناير في أيامه الثلاثة الأخيرة من كل عام، كما أخبرنا أحد مؤسسي المهرجان الثلاثة فرانسيس غرو.
حين دعانا فرانسيس إلى منزله لإجراء المقابلة، فوجئنا بأننا لا ندخل منزلًا، وإنما نطأ عتبة متحف يكتنز تجربة مهيبة بين جدران تنطق بأسماء وصور ولوحات عمالقة "الفن التاسع" من فناني الكاريكاتير والقصص المصورة في فرنسا وأوروبا والعالم.
فرانسيس غرو الوحيد الباقي على قيد الحياة من المؤسسين، بعد وفاة زميليه جان مارديكيان، الذي كان مسؤول الثقافة في بلدية أنغوليم، إضافة إلى الناقد كلود موليترني.
في حواره مع "ضفة ثالثة"، فاجأنا فرنسيس بأنه لا يمتهن الرسم أو الكتابة، إنما هو مجرد قارئ نهم لكل ما يتعلق بهذا الفن، لكنه "أحد أكثر الشخصيات إسهامًا في كتابة تاريخ القصص المصورة المعاصرة في فرنسا"، بحسب ما وصفه الفنان تيري غرونستين خلال تقديمه لمذكرات فرانسيس، عادًا أنه "يجسد، بحضوره المهيب، هذا التجمع السنوي الذي يسميه سكان أنغوليم ببساطة القصص المصورة".
ولدى سؤالنا عن فكرة تأسيس المهرجان، أجاب غرو بكل بساطة: "أريد أن ألفت نظر العالم إلى مدينتي، لتكون معروفة في مجال ما"، ملمحًا إلى غيرة لا يخفيها أهل أنغوليم من مدينة جارة وصل صيتها إلى أقاصي الغرب والشرق كمصدر رئيسي لمشروب استمد ماركته من اسم "كونياك" المدينة المحاصرة بأكبر مساحة من حقول الكرمة في العالم.
ويضيف: "في السابق، عندما كنت أسافر، كان عليّ أن أشرح أن أنغوليم Angoulême تقع شمال بوردو، أو قريبة من كونياك/ Cognac الآن، أينما ذهبت في العالم، بمجرد أن أذكر اسم المدينة، يقولون لي: آه، أنغوليم القصص المصورة (الكوميكس)، أو الـBD، لقد وصلنا إلى استقبال 220 ألف زائر تقريبًا خلال ثلاثة أيام". تحقق حلم فرنسيس وبات المهرجان السنوي يقارن بمهرجان "كان" العالمي الشهير للأفلام السينمائية.
بين الكاريكاتير والـ"BD"
يبدو "فرانسيس" كخازن أسرار المهرجان وكنز عتيق في تاريخ أنغوليم ومهرجانها، يواصل حكاية مدينته الصغيرة مع رموز هذ الفن. يتجول في المنزل المتحف بخطى أثقلتها سنون عمره الاثنتان والتسعون، شارحًا لنا قصة كل صورة ومجسم ولوحة قابعة على الجدران وفي الزوايا، والتي تضمنت لوحات اختزنتها ذاكرتنا، مثل "السنافر"، و"باباي"، وغيرها من شخصيات كرتونية رافقت بدايات تأسيس القصص المصورة عندما "كانوا يحذرون الأطفال من قراءتها لأنها كانت تعد سيئة السمعة"، أو "تتسبب لهم بالغباء"!.
لكنه اكتشف قيمة هذا الفن حين قرأ مغامرات "تنتان وميلو" بالأبيض والأسود على ضوء الفانوس، وتعلق بها، ليواكب لاحقًا تلك المغامرات التي صارت تطبع بالألوان، فكانت بمثابة الباب الواسع الذي أدخله إلى "الفن التاسع"، فصار يشتري كل ما تقع عينه عليه من الرسوم المصورة.
يتابع غرو حديث البدايات: "عندما تحب شيئًا، ترغب في مشاركته مع الآخرين، لذلك بدأت في تنظيم أمسيات حول الـ BD في (مركز الشباب والثقافة) في أنغوليم. كنت أعتقد أن الأمر سيثير اهتمام الأطفال فقط، لكني أدركت أنه يثير اهتمام البالغين أيضًا".
ولأننا في العالم العربي نعرف الكاريكاتير أكثر من الرسوم المصورة، لا سيما ما يخص الكبار، سألنا فرانسيس عن الفرق بينهما، فأجاب "كلاهما جزء من العائلة الفنية نفسها. أنا أحب الاثنين. أحب فرانكا/ Franquin الذي يميل للكاريكاتير، وأحب جيرو/ Giraud الذي يتميز بالرسم الواقعي. بعض العباقرة مثل Lambil رسام السترات الزرقاء/ Les Tuniques Bleues كانوا يرسمون بأسلوب واقعي جدًا، ثم انتقلوا ببراعة تامة للأسلوب الكاريكاتيري الفكاهي".
وبحكم خبرته في استقطاب الفنانين الدوليين إلى المهرجان، أكد فرانسيس مشاركة فنانين عرب، لا سيما من بلاد المغرب العربي ولبنان، الذين تربطهم علاقة تاريخيّة بفرنسا. ولا يمكن إغفال مشاركة عربية من نوع آخر، فقلما غابت فلسطين وقضيتها عن مهرجان أنغوليم مجسدة بإبداعات فنانين عرب وعالميين.
سوري بين عاصمتين للفكاهة
تصاعدت قيمة المهرجان حتى صارت أنغوليم فلترًا يتسابق إليه الفنانون من كل أرجاء العالم لصقل تجربتهم في منصة تمنح الشرعية من جهة، وتحدد من يستحق الاعتراف، حيث خصص جائزة سنوية تمنح الفائز بها فرصًا لتسويق منتجاته وبيعها بمئات الأضعاف. فنان من أصل سوري كان الفائز بالجائزة عام 2023، لإبداعه قصصًا شبه غائبة عن الجمهور العربي لأسباب ليس أهمها ما ذُكر أعلاه عن غياب الاهتمام بقصص مصورة موجهة للكبار.
رياض صطوف، المولود في باريس لأب سوري من قرية تير معلة شمال حمص، وأم فرنسية من إقليم بروتان، هو صاحب واحدة من أشهر سلاسل القصص المصورة تحت عنوان "عربي المستقبل/ L'Arabe du future"، المصنفة بين الأكثر مبيعًا في أوروبا والعالم بعد ترجمتها إلى لغات عدة ليس من بينها العربية، في مفارقة غريبة مع عنوان السلسلة وأحداثها التي يجري معظمها في ليبيا وسورية، حيث قضى رياض جزءًا من طفولته، فاستلهم بعينه الناقدة البارعة بالسخرية لقطات ترجمها إلى سيناريو ورسوم أذهلت الجمهور في فرنسا وعموم أوروبا.
| |
| صفحة من كتاب "صطوف" يتحدث فيها عن بشار حين حاول منع الثورة السورية بإجراءات اقتصادية واجتماعية (تصوير: جودت حسون) |
يلتقط رياض تفاصيل تميط اللثام عن فساد يتعلق بالنظام السياسي الديكتاتوري والمنظومة الاجتماعية المثقلة بممارسات فيها ما فيها من العنف والنفاق، سرعان ما انعكست بين كلمات ورسوم صطوف، ليبدأ نشر سلسلته عام 2014 ، راصدًا منذ طفولته على ستة أجزاء سنين نشأته بمنظور طفل عاش تناقضات المجتمعات العربية، خاصة في سورية وليبيا، التي تعاني تنازع الارتباطات والانتماءات بين تيارات تتأرجح بين الديني والقومي. لم تكن "عربي المستقبل" مجرد كتاب مذكرات، أو سيرة ذاتية، بقدر ما كانت شهادة على جيل عربي كامل منذ عام 1978، الذي ولد فيه رياض حتى انفجار الربيع العربي في 2011، بلغة بصرية سلسة وعميقة الدلالة يمكن اعتبارها جسرًا ثقافيًا بين العالم العربي والقارئ الأوروبي.
كاتب هذه السطور التقى رياض خلال تكليفه كوسيط مترجم في معرضه الذي استمر من كانون الثاني/ يناير حتى أيار/ مايو 2024.
| لوحة جدارية عن ألبيرت أوديرزو وعوالمه تم إنجازها من قبل مجموعة من الرسامين الفرنسين في جمعية Cité Création |
ظهر صطوف غير مبال بقضية الانتماء، رغم أنه مرتبط بشكل أو بآخر بحمص، التي تعد عاصمة النكتة في المنطقة، فصرح بأنه ينتمي إلى أنغوليم، كعاصمة للقصص المصورة التي احتلت معظم حياته. كشف لي أنه لم يعد يتذكر من العربية سوى عبارات الشتائم التي كان يتبادلها زملاء المدرسة الابتدائية والشارع في القرية، حيث عاش بضع سنوات. وحين سألته عن غياب الترجمة العربية لسلسلة تتحدث عن مجتمع عربي، أفاد بأن الأمر يعتمد على وجود دار نشر تتبنى الموضوع.
من المفارقات المضحكة حول رياض صطوف احتفاء نظام الأسد بفوزه بجائزة أنغوليم، في فترة كان إعلامه يستجدي أي فرصة لتلميع صورة النظام، من دون أن يعلموا أن جزءًا كبيرًا من سلسلته كرّسه لفضح ممارسة الأسد الأب والابن!
سيرة ذاتية للفن التاسع
معرض رياض صطوف توزع على جدران أكبر معلمين يخصان القصص المصورة في أوروبا، في المتحف والمكتبة التراثية الأضخم في العالم، لاحتوائها عشرات آلاف الألبومات والدوريات والوثائق النادرة، وعناوين من مختلف مدارس الفن التاسع لفنانين وكتاب من كل العالم.
شهدت قاعات المكتبة عرض لوحات ومقتنيات رياض، لا سيما المتعلقة بمرحلة طفولته التي عاشها بين سورية وليبيا وفرنسا، بينما يضم متحف القصص المصورة الذي افتتحه رسميًا الرئيس السابق وابن المنطقة فرانسوا ميتران، عام 1990، استعراضًا تاريخيًا لهذا الفن منذ كان رسومات على جدران كهف لاسكو/ Lascaux الفرنسي، وأهرامات الفراعنة، مرورًا ببدايات فن الكوميكس الأميركي، والمونغا اليابانية والـBD الأوروبية (الفرنسية البلجيكية)، حيث يشغل الفنان البلجيكي "إيرجي/ Hergé" صاحب سلسلة "تنتان" حيزًا كبيرًا من اهتمام المدينة التي نصبت له تمثالًا في شارع وسطها يحمل اسمه.
يتطرّق الشريط التاريخي للفن التاسع في ثاني أكبر متاحفه عالميًا إلى ذكر أهم الاختراعات التي ساهمت بنشر القصص المصورة، لا سيما اختراع الورق والطابعة والآلة الكاتبة، ما مهد الطريق للصحف كي تحمل الفن الوليد إلى شرائح أوسع من الجمهور.
يتواصل العرض التاريخي إلى مرحلة صارت القصص المصورة تخاطب فيها الراشدين بعد اقتصارها على استهداف الأطفال، حتى أصبحت وسيلة لكتابة المذكرات الشخصية (بيبلوغرافيك)، التي كان أحد أشهر سلاسلها "عربي المستقبل" بأجزائه الستة.
كما يتضمن متحف القصص المصورة لوحات أصلية ورسومات نادرة ومخطوطات لفنانين عالميين، إضافة إلى نحو 25 ألف لوحة أصلية، و250 ألف مطبوعة وألبوم ووثيقة.
يعد المتحف جزءًا من "المدينة الدولية للصورة والقصص المصورة/ CIBDI"، التي تتوزع على ثلاثة مبان على ضفاف نهر شارنت، بمعارض دائمة ومؤقتة تتبدل على مدار السنة، حول الفن التاسع بتسمياته المتعددة (القصص المصورة الأوروبية، الكوميكس الأميركية والمانغا اليابانية)، فضلًا عن الأعمال التجريبية المعاصرة. وتضم مركزًا للتوثيق والبحث الأكاديمي المتخصص بتاريخ الرسوم المصورة وفنون الصورة، مع سينما فنية تعرض أفلام الأنيميشن والسينما التجريبية. كما تخصص المدينة قاعات ندوات وورش رسم وتعليم للأطفال والطلاب، فضلًا عن "بيت المؤلفين"، الذي يستقبل كتابَ ورسامي الكوميكس والأنيميشن من دول عديدة، يقيمون فيه لإنجاز أعمالهم وإنتاج مؤلفات جديدة ترفد "الفن التاسع".
هامش:
ــ تمثل أنغوليم في مهرجان كان بخمسة أفلام أنيميشين أنتجت كليًا، أو جزئيًا، في المدينة التي تحفل بأكثر من 30 استوديو للرسوم المتحركة، و2500 متخصص، وجامعة للفنون البصرية تضم ما يقارب 2000 طالب.


تحميل المقال التالي...