}

المساجد العربيّة: تاريخ ترويه جماليّات العمارة

أشرف الحساني 18 مايو 2026
عمارة المساجد العربيّة: تاريخ ترويه جماليّات العمارة
مسجد باب الكيسة أو باب غيسة بفاس (المغرب)

شكلت المساجد خلال شهر رمضان المنصرم ملاذًا آمنًا للناس في البلاد العربية، رجالًا ونساءً، حيث يهُمّون مباشرة بعد الإفطار إلى ارتيادها لأداء صلاة التراويح وقراءة القرآن. لكن المثير هو أن هذا الطقس الديني في السنوات الأخيرة لم يعد يرتبط بمساجد الحي الصغيرة التي تم بناؤها في السنوات القليلة الماضية، بل أصبحوا يرتادون الجوامع العتيقة والمساجد الكبيرة التي يوجد فيها الأئمة الأكثر شهرة داخل وسائل التواصل الاجتماعي، سيما داخل بعض المدن، مثل الرباط، والقاهرة، وبيروت، وإسطنبول، والدوحة، ودمشق، وبغداد. فهي مدن تتوافر على مساجد تاريخية ضاربة في قدم الحضارة العربيّة، والتي تفتن الزائر، بحكم رحابة الفضاء، وزخم أشكالها المعمارية، وغزارة ألوانها ومقرنصاتها، وكل ما يرتبط بها من جماليات القباب، والصومعات، والمآذن، حيث تمنح للمصلي فسحة روحية تجعل جسده يتماهى مع فضاء المسجد وذاكرته. وبالرغم من صغر مساحة بعض الجوامع العتيقة داخل فاس وتطوان بالمغرب، إلا أنها تشهد حضورًا مكثفًا، بسبب بعض الأئمة وعذوبة أصواتهم، وأيضًا بحكم قيمة الجامع ورمزيته وقيمته في تاريخ المدينة. ذلك أن مجمل هذه المساجد بُنيت في المرحلة الوسيطية خلال فترات مختلفة وصلت فيها العمارة المغربية إلى أوجها الحضاري، مثل المسجد الكبير بتازة، ومسجد حسين بالرباط، ومسجد تينمل بمراكش، فهذه المساجد تظهر العظمة التي وصلت إليها الدولة منذ تولي الأدارسة الحكم في بلاد المغرب الأقصى (المغرب حاليًا).
والحقيقة أن التقدّم الحضاري الذي حققته البلاد العربية على مستوى تطور العمارة الفنية الخاصة بالمساجد والكنائس والكاتدرائيات، لا يزال البحث التاريخي العربي فيه قاصرًا وغارقًا في قضايا سياسية وإشكالات اجتماعية وأمور اقتصادية، فهو مبحث لم يخرج من الإطار التقليدي الذي كانت المدرسة المنهجية، أو الوضعية، مع كل من لانغوا، وسينيوبوس، تروّج له منذ القرن العشرين، والذي يهدف إلى جعل التاريخ يكتب من خلال الوثيقة المادية فقط، في الوقت الذي سعت فيه مدرسة الحوليات مع فرناند بروديل، ولوسيان فيبر، ومارك بلوك، إلى جعل الوثيقة التاريخية تنفتح على مختلف الجوانب الأخرى التي همّشها الوضعانيون. لذلك سعت الحوليات إلى إرساء معالم الحداثة داخل الكتابة التاريخية المعاصرة، بعدما تم توسيع الوثيقة، أو الشاهدة، وأصبح التاريخ لا يقف عند حدود السلطة والطبقة الحاكمة والعلاقات الدبلوماسية والنظم الاقتصادية، بل راهن على كل ما كان منسيًا داخل المجتمع. وهنا برز الوعي بقيمة "الهامش" باعتباره مفهومًا فكريًا أصيلًا يحرر الكتابة من صرامتها المركزية، ويجعل الخطاب التاريخي ينتبه إلى مختلف الظواهر والمعالم والعوالم التي تنبت على هوامش المجتمعات، ومنها الممارسات الفنية والحرفية المرتبطة بالآلات الموسيقيّة، وعمارة المساجد، وصناعة الكتب، وغيرها من العناصر التي كانت حاضرة بقوة في التاريخ العربي خلال المرحلة الوسيطية، والتي تقدّم للمؤرّخ إمكانات مذهلة لفهم طبيعة المجتمع العربي وخصوصيته وتحولاته في ذلك الإبان.

مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء 


لم ينفتح المؤرخ العربي على الأرشيفات الفنية المتعلقة بتصاميم المساجد العربية، بل يسعى من خلال هذه العمارة إلى كتابة مونوغرافيات تاريخية دقيقة حول نماذج فنية من هذه المساجد التي لا يمكن عزلها عن السياق التاريخي العام لتطوّر المدينة الإسلامية. فهنالك نهضة فنية حضارية وجمالية لم يرافقها خلال الحقبة الحديثة دراسات ومؤلفات تعيد الاعتبار لتاريخ العمارة العربية للمساجد وفهم الأسس العلمية والميكانيزمات الجمالية التي تأسست عليها هذه النماذج المعمارية المُضيئة ورصد تقاطعاتها مع الجمالية الغربية، بحكم المنطلقات المفاهيمية الرومانسية والإغريقية التي طبعت التشكيلات الجمالية لطوبوغرافية الفن الإسلامي وتمثلاته داخل المساجد.





فهذا التلاقح الثقافي والمثاقفة التلقائية التي تمت بين الفنون الإسلامية ونظيرتها الغربية تحتاج إلى دراسات علمية قويّة تظهر المكانة التي تنزلها الفن داخل الصيرورة الحضارية للمجتمعات عبر تاريخها الطويل. ورغم وجود دراسات كثيرة كُتبت في سورية، والعراق، ومصر، حول عمارة المساجد العربيّة، فإننا نحتاج اليوم إلى عملية تحيين تلك الدراسات، ونفض الغبار عنها، والتعريف بها، ومحاولة التدقيق في معطياتها، أمام المعلومات الكثيرة التي بدأت تغزو المكتبات العربية، وظهور أرشيفات بصرية تساهم بشكل يومي في تقدم البحث التاريخي، وتجعله يمتحن مناهجه ونظرياته ومفاهيمه ومعلوماته أمام اللقى الأثرية والقطع المعمارية التي تظهر هنا ويتم اكتشافها من لدن باحثين في مجال الأركيولوجيا، إذ يساهم هذا العلم اليوم في تطور مبحث الكتابة التاريخية، ويخلق لها نوعًا من الجدل العلمي الداخلي الذي تتحول معه الكتابة التاريخيّة إلى بناء علمي أصيل، يُعيد الاعتبار إلى عمارة المساجد العربية، ويعرّف بجمالياتها وفلسفتها الوجودية التي تقوم عليها.

المسجد الأعظم في شفشاون 


وتتميز عمارة هذه المساجد بصفائها وقدرتها على جذب الانتباه، انطلاقًا مما توحي به زخارفها من تاريخ معتق في جرار الزمن. فهي تدهش بطريقة غير مباشرة المصلي، وتجعل جسده يذوب في جماليات الفضاء الديني. وتأتي عمارة المساجد المغربية، باعتبارها شكلًا مركبًا يقوم على المزج بين ما هو جمالي يمتح ملامحه من جوهرة الفن الإسلامي، وبين ما هو وظيفي مباشر. كما أن العناصر الزخرفية تظل بمثابة ميسم فني مغاير في التجربة المغربية، فهي عناصر ترتكز على الخشب والجبس والزليج، وغيرها من المواد التي كانت حاضرة في المغرب منذ وقت مبكر. وشكلت هذه المواد مشروعًا جماليًا موحدًا داخل تركيبة المساجد المغربية، لكونها غدت علامة فارقة في تاريخ المساجد المغربية. إذ رغم مظاهر التحديث التي طاولت المساجد المغربية على مستوى البناء والمواد والتشكيلات الخطية والألوان، فهنالك عدد من المهندسين جعلوا من هذه المواد أفقًا لبناء كل تصاميمهم وعوالمهم. لهذا تعد المساجد مكونًا أساسيًا من مكونات الحضارة المغربية، بسبب ما تتوافر عليه من أنماط معمارية متنوعة ضاربة في تاريخ المغرب. ففي كل المدن يعثر المرء على نموذج معماري مختلف، من ناحية الأشكال والزخارف والتشكيلات الهندسية والثريات والنوافذ الصغيرة، لكن مع توحيد الجوهر المرتبط بجماليات هندسة تمتح مَعينها من الموروث الفني الإسلامي.
يرى عدد من المؤرخين أن المساجد لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ المغرب على مستوى التعريف بالتراث المعماري، إذ تعد في نظرهم بمثابة مختبر لحفظ الطراز المعماري والنظم الجمالية والأشكال الهندسية التي طبعت مسار الحضارة المغربية خلال العصر الوسيط. إذ رغم التغيرات المناخية والحروب والويلات التي أصابت المغرب الحديث، ظلت المساجد تقف سامقة في وجه الريح، محافظة على معمارها وجمالياتها بطريقة جعلت الباحثين والمؤرخين يرون فيها سجلًا حيًا شاهدًا على تحولات العمارة الإسلامية في المغرب. إن كثرة هذه المساجد ووفرتها تجعل الناس خلال شهر رمضان والأعياد الدينية تفضل ارتياد هذه الفضاءات، إيمانًا منهم بالسحر الذي يمارسه عبق التاريخ على أجسادهم، ويجعلهم يتماهون في صلواتهم مع ذاكرة المسجد وروحه.
لكن إلى جانب البعد المعماري الذي تتميز به مساجد المغرب، يبرز دور الأئمة المغاربة وقيمتهم في جذب الانتباه، خاصة وأن المساجد خلال رمضان وفترات الأعياد تعرف نوعًا من المنافسة بين الأئمة، لدرجة أصبحنا نتحدث عن "نجوم" السوشيال ميديا، انطلاقًا من عدد الأئمة الذين أصبحوا مشهورين ويستقطبون سنويًا أعدادًا هائلة بالمقارنة مع بعض مساجد الأحياء التي ينفر منها المصلون ويبحثون عن أئمة لهم سمعتهم ووقعهم على ذاكرة والوجدان.
من هذا المنطلق، تمثل المساجد مساحة ينبغي التفكير فيها وتأملها، لأنها تزود الباحثين في مجال التاريخ بالمعلومات التي تطور أبحاثهم، وتجعلهم يفهمون القضايا المرتبطة بمجتمعهم انطلاقًا من عمارة المساجد، سيما على مستوى الهندسة المعمارية، والصوامع، والفضاء، والزخرفة، وغيرها من العناصر المكوّنة للفضاء المسجدي، والتي تبدو عادية بالنسبة للمصلي، لكنها تضمر في طياتها تاريخًا ضاربًا في قدم الحضارة العربية الإسلامية، بمعارفها وجمالياتها وآفاقها الفلسفية اللامتناهية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.