}

جاكلين روز: الفهم العميق للشخصية الصهيونية (1 ـ 2)

جورج كعدي جورج كعدي 21 مايو 2026
اجتماع جاكلين روز: الفهم العميق للشخصية الصهيونية (1 ـ 2)
جاكلين روز

هذه الإضاءة على تشريح جاكلين روز للشخصية الصهيونية أريدها موجّهة إلى بعض أبناء وطني، لبنان، الملهوفين إلى السلام والتطبيع مع المدعوّة "إسرائيل"، وهم لا يعون علامَ هم ملهوفون ومستعجلون، فالجهل المعرفيّ مصابهم، وهم ملامون على إقامتهم سعداء في جهلهم.
جاكلين روز/ Jacqueline Rose هي باحثة أكاديمية بريطانية يهودية مرموقة، درست اللغة الإنكليزية وآدابها في جامعة أُكسفورد البريطانية، ونالت ماجستيرًا في الأدب المقارن من جامعة السوربون الفرنسية عام 1972، ثم نالت الدكتوراة في الأدب الإنكليزي من جامعة لندن عام 1979. ولم تحصر اهتمامها في الحقل الأدبي التقليدي، بل انطلقت منه إلى حقول المعرفة المتعددة المتداخلة، ما جلب لها مكانة مرموقة في الأوساط الأدبية والثقافية والسياسية على المستوى العالميّ، وعُرفت كأكاديمية ناشطة تساهم كتاباتها وأبحاثها في القضايا الساخنة، فهي من أبرز كتّاب London Review of Books المعروفة بمواقفها اليسارية والتي تشارك فيها صفوة من الكتّاب حول العالم، وبينهم المفكر الفلسطيني العالمي الراحل إدوارد سعيد، الذي ربطته صداقة شخصية بجاكلين روز كمفكرة يهودية متنورة مؤيّدة للقضية الفلسطينية ومناهضة شرسة للصهيونية. حتى إنها تعترف بفضل سعيد عليها، وتأتي على ذكره مرارًا في كتابها "مسألة صهيون/ The Question of Zion" الذي صدر عام 2005، واستلهمت عنوانه من كتاب إدوارد سعيد "المسألة الفلسطينية/ The Question of Palestine" الذي صدر بالإنكليزية عام 1979. ولجاكلين روز عدد من المؤلفات التي تتراوح بين الأدب والسياسة وعلم النفس.

الهذيان الأخرويّ
تردّ جاكلين روز البذور الأولى للفكرة الصهيونية إلى شبتاي تسڤي، المخلّص اليهوديّ الغيبيّ (من القرن السابع عشر)، الأقبح والأغرب في كل تاريخ الحركات الخلاصية (المسيانية) اليهودية، الذي كانت مهمته التاريخية إعادة اليهود إلى فلسطين لتحقيق نبوءة "ملكوت إسرائيل". كان تسڤي هذا أشبه بمحاكاة مغالًى فيها لرجل ملهم وزعيم سياسيّ فتّاك، فقد كان يتحدث مع الذات الإلهية على نحو أشبه بالهذيان، ويتحوّل بهاؤه المدمّر بلمح البصر إلى سلطة دنيوية، محوّلًا قبائل إسرائيل العشر إلى غزاة منتصرين، ويزوّدهم من رؤاه الخلاصية قوةً مطلقةً لا يقيّدها قيدٌ ولا شرط.
تستلهم "إسرائيل" الحالية الحكاية الخلاصية، مؤمنةً بأنها ستُقاد عبر المصاعب إلى الخلاص القومي، "فالخلاص لن يتحقق من دون دمار وفزع، ولا بد من أن تَقْتُل وتُقْتَل حتى تتماسك الرؤيا". هذه الرؤيا الخلاصية هي المحرّك والدافع لكل العقيدة الصهيونية، حتى إن بعض الصهاينة رأوا في إخلاء بعض البقع الاستيطانية من غزة عام 2005 "مصيبة غير عادية بل كارثة ذات أبعاد رهيبة تتصل بعملية خلاص اليهود"، و"أن إزالة مستوطنة واحدة تعني تدمير العالم، وليس تدمير الأسس الروحية الصهيونية وتدمير دولة إسرائيل فحسب". يومذاك قال إيفي إيتام، من الحزب الوطني الديني، ردًا على خطة أرييل شارون: "لدينا شريك آخر في هذه القرارات، ألا وهو رب الكون". فكرامة الله "الشخصية"، بحسب أحد خطوط الفكر اليهودي، تستلزم "خلاص إسرائيل"، وإن لم يحصل ذلك فإن اسمه يُدنَّس، وشارون يرتكب خطيئة التدنيس بمشروعه لتفكيك المستوطنات.

الصهيونية العالمية، بحسب جاكلين روز، مُشرّبة بالخلاصية


في المقابل، يرى المفكر اليهودي المعاصر ديفيد هارتمان، مؤسس "معهد هارتمان للسلام" في القدس، أن الفكر الخلاصيّ يشكّل أكبر تهديد لـ"إسرائيل"، وأن على الشعب الإسرائيلي أن يعود إلى أرض الواقع، وإلى المساومات البطيئة والعمل السياسي في زمن ليس من طبيعته أن يؤدي إلى الخلاص، إذا لم يكن يريد تدمير نفسه. يجب، في نظره، استبعاد الله عن التاريخ، فليس كل مواطني "إسرائيل" مؤمنين بأن سلطتها مستمدة من السماء.
يمكن أن تُفهم الصهيونية، في أبسط أشكالها، على أنها أول حركة خلاصية يهودية بعد شبتاي تسفي، وترى حنه أرندت أن الشعب اليهوديّ يتحرّك على غير هدى في عالم لم يعد طريقه مفهومًا بعدما ضاع الأمل الخلاصيّ الذي جاءت به "الشبتائية" (نسبة إلى شبتاي تسفي)، فما إن تهاوى ذلك الأمل حتى فقد اليهود دليلهم "في برية الحقائق المجرّدة"، وليس إيمانهم بـ"بداية ربّانية ونهاية ربّانية للتاريخ" فحسب، ولذلك من الممكن النظر إلى الصهيونية بكونها أول حركة تحاول التقاط هذا الخط الفكريّ المهجور، بل إحياءه من العدم. خير تعبير عن ذلك قول موشيه هِسّ، أحد رواد الصهيونية الاشتراكية، في كتابه "روما وأورشليم"، بأن الخلاصية اليهودية هي "لحظة البحث الأبدي، عنصر القلق الدائم"، فمن دونها يمسي اليهود "أشبه بالأشباح".
هنا نأتي إلى سمات القلق والفزع في الشخصية اليهودية عامة، والصهيونية خاصة، وتقول جاكلين روز: "أرجو في تتبّعي هذا الخط الاقتراب أكثر من الصفة التي أرى أنها أكثر ما يميّز الحركة الصهيونية، وهي الصفة التي قد تفسّر شيئًا من قوتها الداخلية، فلعلّ الرعب كامن في قلب الألوهة (...) وليس هناك ربما ما هو أخطر في حركة سياسية من مزيج الفزع من التاريخ والإحساس بأن الحركة ملهمة من السماء، فقد وضعت الصهيونية بضاعتها منذ البداية على هذه الأرضية الوهمية"، مستشهدة بقول أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية بالقدس، يعقوب تلمون، في كتابه "طبيعة التاريخ اليهودي": "إن اليهود يمكن تعريفهم بأنهم ملّة القدر"، متسائلةً: "لماذا تظهر إسرائيل وكأنها تحقق ذاتها تحقيقًا مأساويًا مليئًا بالتفاني مهما حدث ومهما بلغت الحوادث من دموية ورعب؟"، مشاركةً دانيال بارنباوم وديفيد غروسمان ويعقوب پري قولهم بأن "إسرائيل تواجه منذ إنشائها إمكان التوقف عن الوجود"، وتتعقد الأمور أكثر إذا ما رافق الخوف من الكارثة شعور بأنها قادمة لأنها جزء من مخطط إلهيّ، فالنظرة الخلاصية إلى تاريخ العالم هي أن الشعب اليهودي لا بدّ من أن يعيش على حافة السكين لأنّ ذلك جزء من طبيعة الأمور.

ترى جاكلين روز أنه من غير المجدي توجيه الإهانة إلى هوية ما لأنك سوف تعمّقها، ولهذا السبب لن تؤثر على الصهيونية باتهامك إياها بأنها تقوم على مجموعة من الأساطير. كما ترى أنه من غير المفيد لنقّاد سياسات "إسرائيل" قولهم، عندما يتهمون بمعاداة السامية، إنهم لا يستهدفون اليهود بل الصهيونية، فالمدافعون عن سياسات "إسرائيل" الحالية سيردّون قائلين: إن التمييز بين (اليهودية والصهيونية) لا يصحّ عندما يكون حق الشعب اليهودي في الدفاع عن نفسه على المحك. فالصهيونية حركة قادرة على جعل نفسها حركة مقدسة مؤيّدة (يهوديًا) من السماء. أما بالنسبة إلى مناهضيها فهي الوهم الذي تقوم عليه النزعة التدميرية في "الدولة الإسرائيلية" أساسًا. وحالات الاعتقاد التي تستمدّ قوتها من أعماق الروح والتاريخ لا تحتمل النقاش. فقد أبدى صهاينة كثر استعدادهم للاعتراف بأنهم ينتهكون الواقع بكل سرور. بحسب هرتزل في كتابه "الأرض القديمة الجديدة" (1902): "كل أفعال البشر كانت حلمًا ذات يوم وستصبح حلمًا مرة أخرى". الصهيونية حركة تُبرز بُعدها المستمدّ من خارج الواقع، فقد كانت تعلم على الدوام أنها تدفع نفسها إلى فضاء متخيّل ربما يكون مستحيل التحقّق، فالصهيونية تقدم نفسها، قبل أي أمر آخر، على أنها حركة أمل ورغبة من غير أن تكون لها بالضرورة قوة على الأرض تستطيع أن تستدعيها لتضع قدميها عليها. حاييم وايزمان نفسه قال عام 1909: "إن اعتناق الصهيونية لا يعني بالضرورة الإيمان بأن الفكرة قابلة للتحقّق (...) علينا أن نخلق حقنا من رغبتنا في الذهاب إلى فلسطين" (أي أن الحق لم يكن موجودًا قبليًا، بل خلقته الرغبة في احتلال فلسطين)، وهذه أوضح صيغة لما سيدعوه فرويد "التفكير السحريّ" أو "القوة غير المحدودة للأفكار". تعي الصهيونية منذ البداية وهمها وتمضي مع ذلك في هذا الوهم. وايزمان يؤكد أيضًا، خلال اجتماع صهيوني في باريس عام 1914: "من حسن حظ الصهيونيّ أنه يُعدّ مجنونًا. فلو كنا طبيعيين لما فكرنا في الذهاب إلى فلسطين، بل في البقاء حيث نحن كما يفعل البشر الأسوياء". ولا ترى جاكلين روز إمكانًا للمزايدة على وايزمان كأول رئيس للكيان الصهيوني، لدى اعتباره الصهيونية شكلًا من أشكال الجنون الجماعي (الساري المفعول حتى الآن).

عُصاب جماعي بلا علاج
يقول فرويد: "إن الكشف عن العُصاب الجماعيّ يواجه صعوبة خاصة، فنحن نبدأ في حالة العُصاب الفردي من المقارنة بين المريض وبيئته التي نفترض أنّها سويّة، أما الجماعة التي يعاني جميع أفرادها من الخلل نفسه فلا وجود لمرجعية تُنسب إليها". المقصود أن ليس ثمة قياس طبيعي يُقاس به عُصاب الجماعة (كما هي حال المجتمع الإسرائيلي العصابيّ ماضيًا وراهنًا)، فالجماعة، وهي الظاهرة التي تستوعب كل شيء، هي بيئة نفسها، وهي التي تخلق عالمها الخاص بها. اقترب فرويد من القول إن الجماعات، مثل الأفراد، تتصف أيضًا بالجنون طبعًا.
من صفات معظم الجماعات أن الحدود تضمحلّ داخلها (يمسي أعضاء الجماعة وجوهًا واحدةً)، وأنها تتصلّب عند الحدود الخارجية، أي تتسلّح. وبالعودة إلى شبتاي تسڤي، نجده قائلًا إن الفناء سيكون من نصيب كل مَنْ يجابه "إسرائيل" (العقلية الحاضرة اليوم بامتياز). أما داخل دائرة "الشعب المختار"، أو داخل شخصية المخلّص، فإن الحدود الفاصلة بين الإله والإنسان تنهار على نحو يثير الاستغراب. العاطفة الجماعية الجيّاشة تغذّي الصهيونية. تزدهر الخلاصية في الأوقات المظلمة. يأتي الخلاص من دمار التاريخ، وتتشرّب القصة الخلاصية من جموح الخيالات، وتعد بمزيد من الكوارث طالما أنها وُلدت من الكوارث، فالخلاصية اليهودية هي، بحسب الفيلسوف والمؤرخ الإسرائيلي غرشوم شوليم، "نظرية خاصة بالكارثة، أصلًا وطبيعةً، وهذا أمر لا نبالغ فيه مهما أكدناه". بذلك يغدو الخلاص (أو الخلاصية) شكلًا من أشكال الانتقام التاريخيّ (غير المنتهي) أو وسيلة من وسائل تصفية الحساب، أي أن عنف التاريخ القاسي يعيد نفسه علاجًا لذاته. هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة، تقول جاكلين روز، فالعذاب هو الذي جذب اليهود إلى التراث الأُخرويّ بما يتنبأ به من كوارث، لكنهم، وهم يقتربون من فجر تاريخ جديد، يجدون أن العذاب ملازم للرؤية وكامنٌ في قلب الحلم غير منفصل عنه، والمستقبل الذي يُراد منه أن يخلّصهم (أي اليهود) يستعير أشد صفات الماضي إثارة للرهبة، ومهما تكن الآمال طوباوية فإن الأسوأ لن يُرخي قبضته، متابعًا مسيرته كأنه لعبة رياضية مجنونة لا تنتهي.

تستشهد جاكلين روز بأوري أفنيري، النائب السابق في الكنيست، والذي أصبح من أشد منتقدي "إسرائيل" إذ قال: "إننا بلد يعاني من إنفصام الشخصية" 


تلحظ الباحثة القديرة أن "النشوة بالكارثة" والرغبة في التوصل إلى حل للصراع هما متلازمتان في العقلية الإسرائيلية. وتستشهد بأوري أفنيري، النائب السابق في الكنيست، والذي أصبح من أشد منتقدي "إسرائيل"، إذ قال: "إننا بلد يعاني من انفصام الشخصية". لا بد من العنف. لا بد من السلام. أي أن عبارة "دوامة العنف" المألوفة في المنطقة دقيقة جدًا، فكيف يمكن إيقاف شيء تمتد جذوره في أعماق التاريخ، وتمتدّ نتائجه إلى آخر الزمان؟ الشعب يشبه الفرد الذي تمسك به عاطفته وتتلبّسه غرابة طبعه وعوارض مرضه، يمكنه أن يسير على درب الدمار من غير أن يكون مخطئًا في ما يهدف إليه.

فلسطين عنصرًا كونيًا
"ما جئنا لنجده في فلسطين هو العنصر الكوني"، يقول الكاتب الصهيوني ديفيد غوردون، فـ"يهودية أرض إسرائيل هي الخلاص نفسه"، بحسب الحاخام أبراهام كوك، معلم الجناح الديني الخلاصي في الكيان وملهم إسرائيليين كثر. وها هو الحاخام الآخر ليڤ يقول: "إن نفي بني إسرائيل وتدمير هيكلنا استثناء شاذ لنظام الكون، ووجود الاستثناء مؤقت"، ما يعني أن للصهيونية أن تتصرّف بلا رحمة لأنها لا تنقذ اليهود وحدهم بل البشرية جمعاء، إذ يصل ادعاء كوك إلى القول: "إن روحنا تحوي العالم كله وتمثله في أعلى أشكال وحدته". وهكذا نجد أن الصهيونية ذات الوجهين تلجأ إلى زمنين، تاريخيّ وكونيّ، ولا يمكن فهم قوة الصهيونية فهمًا كاملًا من دون النظر إلى الازدواجية هذه الكامنة فيها.
المفارقة الأفظع في مهمة الخلاصية النهائية هي رفع الشر إلى مرتبة القداسة، وليس الاكتفاء بمَحْق عالم الشر، فعلى الإنسان أن يهبط إلى الشرّ ليخلّص نفسه: "عندما تهبطون إلى الدّرك الأسفل سأخلّصكم"، هذا ما يقوله إله اليهودية لبني إسرائيل. وما دام الأمر كذلك، فإن العودة إلى الوضع الأصلي لا يمكن بلوغها عن طريق الأفعال المتصفة بتقوى الله، ولا بد من أن يُواجَه الشر بالشر. سوف يتربّص الشر مذّاك فصاعدًا بطريق الخلاص. الله والشر هما السبيلان المتاحان لبني إسرائيل في سيرهم نحو الخلاص.
مفاهيم غريبة ملتوية تكمن في صلب سياسة الانتقام الإسرائيلي، فهي سياسة تقوم على الإيمان المحموم بأخلاقية "الرعب المبارك" من السماء. إنه الاهتياج المرضي العنيف المصحوب بالسعادة، حتى في لحظات الخذلان المريرة. والصهيونية العالمية أيضًا مشرّبة، بحسب جاكلين روز، بالخلاصية، علمًا بأنها تتعرّض لانتقادات اليهود المتشددين الذين يرون في هذه الصهيونية العلمانية حركة شيطانية وقوة مناهضة للخلاصية، فالصهيونية في عرف هؤلاء تخالف التوقعات الخلاصية بانتزاعها زمام المبادرة من حركة التاريخ، وتضع في أيدي البشر مهمة الخلاص، مرتكبةً بذلك إثمًا عظيمًا (لكن من عبثيات الواقع الإسرائيلي أن هذه الفئات الدينية المتشددة تضع يدها في يد الصهاينة العلمانيين وتوفر لهم غطاء سياساتهم وحروبهم الإبادية وتوسعهم الاستيطاني... إلخ!). الحقيقة تكمن في رأي أحد منتقدي شوليم، في معرض اعتراضه على انتماء هذا الأخير لحركة "بريت شالوم"، قائلًا: "إن أملنا الخلاصيّ التاريخي موجود في هذه الأيام في قلب الإنسان الإسرائيلي الجديد على هيئة صهيونية سياسية تفوق الفكرة الخلاصية التي وُجدت ماضيًا في قلب اليهوديّ المتديّن". تشير الباحثة إلى قدرة الحماسة على إخراس صوت العقل في ذهنية الجماعة، وليس فقط الدَوس على حقوق الفلسطينيين، فالخلاصية، بوصفها اتهامًا لا واعيًا، موجودة في هواء "إسرائيل" وتربتها، وهي تطفو على السطح مهما ساءت الظروف، ولا سيما لدى بلوغها درجة عالية من السوء. وقد سعى المحلل النفسي البريطاني ويلفريد بايُن / Bion إلى تفسير الأمراض النفسية التي تصيب الجماعات، ماضيًا أبعد مما توصّل إليه فرويد، بحيث إنه لا يتكلم عن العُصاب (Neurosis) بل عن الذُهان (Psychosis)، وليس عن الكبت بل عن الأوهام، والظاهرة التي يصفها تتجاوز قدرة التحليل النفسي الكلاسيكي على التفسير، فهي "أغرب"، وفق تعبيره، مضيفًا: "لستُ أعرف تجربة تظهر الخوف الذي يرافق حالة التساؤل أو الشك بأوضح مما تظهره تجربة الجماعة". وتلفت جاكلين روز إلى أن بنيامين نتنياهو يستلهم الخلاصية وفق تفسير جابوتنسكي لها، إذ "أعاد دونما اعتذار إلى لغة الشعب الصيغة الأُخروية من الصهيونية"، وهذه النغمة الأخروية وردت في كتاب نتنياهو "مكانٌ بين الشعوب"، غير عابئ بتجاوز الكارثة وقائلًا: "كان الشعب اليهودي يقترب من النهاية"، فهل يلاقي مشروع نتنياهو "الخلاصيّ" تحذير غرشوم شوليم من أن "الصهيونية الخلاصية السياسية في خطر من أن تنتصر لنفسها حتى الموت"؟

(يتبع)

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.