}

الخيبة، هل هي قدَرنا الوجودي؟

فريد الزاهي 23 مايو 2026
اجتماع الخيبة، هل هي قدَرنا الوجودي؟
الخيبة هي الوجه الخفي لكافّة مساعي الإنسان في الحياة
يبدو أنّ الخيبة تلاحق حياة المرء منذ أن يرى جسده النور، إلى حدّ أنّ قوّتها السالبة تكاد تخيّب ظنّه تمامًا في أمور وقضايا أخلاقية ووجودية كبرى كالواجب والإيمان والخير والسعادة... ترتبط الخيبة بكافّة لحظات الحياة الذاتية والغيرية والاجتماعية والسياسية والميتافيزيقية. إنّها تسري في شرايينها ومسامّها بحيث تلحَق بكافّة الرغبات وتكاد تنغّص التمتّع بها. الخيبة ليست فقط شعورًا ذاتيًا بالإحباط، وإنّما هي شبكة من المشاعر التي تختلط فيها آثار الرغبة المهزومة بالإحساس بالصِّغَر والعجز أمام العالم. تخلق الخيبة وضعًا مأساويًا يقوم على مفارقة الرغبة والتحقّق. وقد تقود الفرد إلى الارتياب في قدراته ومراجعة حساباته أو تحطّم آماله كلّيةً. وتكون آثارها مدمّرة حين الوثوق العميق بالذات وعدم انتظار أيّ منقلب ممكن للوضعية.

الخيبة هي الوجه الخفيّ لكافّة مساعي الإنسان في الحياة. تتربّص بالمرء في كافّة خطواته لتحقيق رغباته. تباغته وهو في عزّ نشوة الإمساك بأهدافه، وتبدّد آماله التي بنى عليها مقاصده. ومهما كان له من حظّ وافر في الحياة، قد تمهله لحظاتٍ لكي تحطّ عليه بوارف إحباطاتها وتهزم عزيمته الفذّة بضربة تقضي على أحلامه. وإذا ما توالت الخيبات فإنّها تؤدّي إلى الاكتئاب العميق وانفراط الأواصر بالواقع وعدم الإيمان بالممكن، وأحيانًا إلى الانتحار أو الجنون.
إنّها ظاهرة شعورية ذات طابع انتشاري وضبابي وغازٍ وسائل (في الآن نفسه)، وربّما لذلك لم تحظ بالتفكير على عكس العواطف والمشاعر الأخرى كالحبّ والألم والغضب وغيرها. وهي، ربّما نظرًا لطبيعتها الملغزة هذه، تجد مرتعها في الحكاية والرواية والمسرح والسينما. فلم ذلك يا تُرى؟ أَلأنّ الخيبة تتّصل بشذرات ولحظات من الحياة تفترض الحكي أو تؤدّي إلى حكاية؟ أم لأنّ الخيبة تخترق الحياة في كامل مظاهرها إلى حدّ أنّها تنسج بشكل ما حكاية حياتنا في كافّة تشعّباتها؟ لهذا لا يمكن لأحدٍ أن يطلّ إطلالةً ولو سريعةً على الرواية العربية الحديثة والمعاصرة، على سبيل المثال، من غير أن يجد أنّ الروايات الشهيرة فيها، التي طبعت متخيَّلنا الأدبي، تتّخذ من الخيبة الذاتية أو السياسية أو الاجتماعية أو الوجودية موضوعها المفضّل: من "الوقائع الغريبة لسعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي، إلى "الموتشو" لحسن أوريد، مرورًا بـ"حين تركنا الجسر" لعبد الرحمن منيف، و"ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ، و"اللجنة" لصنع الله إبراهيم، وغيرها الكثير من النصوص التي تطرّقت بعد ذلك إلى خرائب الربيع العربي.

الخيبة: سرديّة خفيّة لمجتمعات العالم العربي؟
مع أنّ الخيبة لا تحظى بالتفكير في الثقافة العربية بما هي كذلك، يمكن تتبّع تجلّياتها في الوقائع التاريخية الحديثة التي طبعت التاريخ السياسي للبلدان العربية، خاصّةً مع مفاهيم من قبيل الهزيمة والنكسة والحداثة المبتورة أو المعطوبة وخريف "الربيع العربي"... إنّها تخترق توالي المشاريع السياسية ونضوبها، من نهضةٍ تحوّلت إلى تلفيق، وحداثةٍ تقدّم رجلًا وتؤخّر الأخرى، ووحدةٍ لم تفرخ إلّا الانغلاق القُطْري. وهي اليوم تعبّر عن نفسها بانطفاء آخر الأحلام، مع انحسار دور المثقّف وانهيار الطبقة المتوسّطة، والانصياع أكثر فأكثر للتيّارات الدينية المتشدّدة وتحوّل العولمة إلى تبعيّة جديدة على كافّة المستويات.





في هذا السياق، ليس مصادفةً أن يكون علي حرب من أبرز المفكّرين في العالم العربي الذين تناولوا مفهوم الخيبة في مراجعاته النقدية المتوالية للوضعية السياسية والفكرية في البلدان العربية. وهو باتّجاهه إلى تفكيك أوهام النخبة الثقافية، يضع اليد على فشل المشاريع الأيديولوجية الكبرى في تغيير الواقع العربي ويحلّل تبعاتها. إنّه لا يعتبر الخيبة حالةً نفسيةً استسلاميةً، بل أداةً معرفيةً ومحرّكًا لنقد الذات المفكّرة بهدف الانتقال من "منطق الحقيقة المطلقة" إلى "المنطق التحويلي" الذي يتماشى مع صيرورة الواقع.
ثمّة إذًا أوّلًا خيبةٌ للنخب تتمثّل في تهافت مشاريع التنوير والحداثة. ففي كتاب "أوهام النخبة أو نقد المثقّف" يعتبر أنّ الشعارات الكبرى (العلمانية، والثورة، والاشتراكية) ظلّت على هامش المجتمع العربي، عاجزةً عن اختراق بنياته. وما دامت العقلية اللاهوتية سائدةً لدى المثقّفين فإنّهم يمارسون العقلانية والتقدّمية بطرقٍ طقوسية وسحرية، محوّلين النظريات الحديثة إلى "مقدّسات بديلة". وهو أمر يؤدّي إلى وصاية غريبة للمثقّف على المجتمع مدّعيًا في ذلك امتلاك الحقيقة والنيابة عن الشعب، ممّا يعزله تمامًا عن حركة الواقع الفعلي.
هذه المفارقات تجعل علي حرب يؤكّد في كتاب "لعبة المعنى"، مثلًا، أنّ الخيبة تنشأ من وهم "التطابق" بين الكلمات والأشياء، أو بين الفكر والواقع؛ فيما أنّ هذا الأخير يثبت دائمًا أنّه أغنى وأعقد من المقاييس الذهنية والقوالب الجاهزة التي يحاول المثقّفون حشره فيها. من ثمّ، تكون الخيبة تعبيرًا عن واقع مركّب، وحافزًا على المجاوزة. فالخيبة تدفع إلى التحوّل من الإحباط الوجودي إلى المراجعة النقدية، وتحفّز العقل على الاعتراف بحدوده وقصور أدواته القديمة.
حين يحلّل المفكّر أو رجل السياسة الخيبة وتمظهراتها الاجتماعية والسياسية، يقف على شروخ تطوّر المجتمعات العربية ويضعها أمام مرآة كينونتها الحاضرة والمستقبلية. وهو، مع كونه يرى فيها خيبةً بنيويةً تتّخذ في كلّ فترة مظاهر معيّنة، يسعى إلى جعل الفكر النقدي مخرجًا من مأزقها الهيكلي. بيد أنّ الفكر النقدي، إن كان يحلّل المفارقات التاريخية، ويضع اليد على مسبّباتها العميقة، ألا يجعلنا بالمقابل عرايا أمام الطابع "القدري" لخيباتنا السياسية المتوالية؟

هل ثمّة فلسفة للخيبة؟
قد يردّ البعض بداية التفلسف إلى الخيبة الدينية والسياسية، أي إلى خيبة المعنى في العالم والحياة، وخيبة العدالة في عالم يسوده الظلم والقهر. بيد أنّ الفلسفة لم تهتمّ بالخيبة إلّا في القليل النادر، ربّما لأنّها لا تدخل في الأهواء والعواطف وانفعالات النفس، أو ربّما لأنّها تشكيك في القدرة والإرادة البشرية، أو لأنّها أخيرًا فتحٌ لصندوق باندورا نحو الشكّ المحيق.
من الخيبة السياسية والثقافية إلى الخيبة الوجودية، يتأكّد الطابع العبوري للخيبة لتصبح مثلها مثل جميع القيم والمشاعر موضوعًا فلسفيًا خصبًا. إنّها ضربٌ من الوعي الشقي، كان الرومانسيّون الألمان قد اختبروه، في تحليلهم للطابع المأساوي للعالم، أي في ذلك الفارق الهائل بين وعي الذات بممكناتها وبين ما يضعه الواقع من حدود تخصي مقدرات الفرد وتحوّل الهوّة إلى ألم وجودي (غوته). بيد أنّ وسم فلسفة الخيبة بالتشاؤمية (لدى شوبنهاور) ينزع عنها طابعها العميق. فالخيبة لديه ليست شعورًا عارضًا بقدر ما هي بنية متحكّمة في الوجود البشري. إنّها النتيجة الحتمية لطبيعتنا كـ"ذواتٍ خاضعة للإرادة" والرغبة. هذا الطابع المأساوي للخيبة هو ما يستعيده إ. سيوران بشكل مغاير ليجعل من الخيبة مرارةً ذات طابع مرح وأسلوبًا في الحياة.

شوبنهاور (Getty)


تنشأ الخيبة كـ"واقعة وجودية" حتمية نتيجة الفجوة العميقة والمسافة الدائمة بين تطلّعات الذات اللامحدودة وبين الواقع البشري المحدود والمليء بالتناقضات. الوجود البشري مزيج معقّد من الكائن واللاكائن، ممّا يجعل الذات في حالة انتظار دائم ومستمرّ لتحقيق اكتمالها. ذلكم هو تصوّر بولس الخوري، الفيلسوف اللبناني الذي خبر الرهبانية الدينية وانطلق منها ليحوّلها إلى اختبار فلسفي، معتبرًا أنّ الإنسان يسعى دومًا إلى إسقاط "المعنى" المطلق المتسامي على "الواقعة" اليومية المادّية المحدودة، مع أنّ التطابق بينهما يظلّ أمرًا مستحيلًا.
يتبلور البعد الوجودي للخيبة لدى بولس الخوري في كتابه المرجعي "الواقعة والمعنى: تمهيد لفلسفة الخيبة" انطلاقًا من اعتبار أنّ الخيبة ليست عاطفةً عابرةً أو حالةً نفسيةً طارئة، بل هي بنية أنطولوجية (وجودية) ملازمة للوجود البشري. الإنسان لديه هو الكائن الوحيد الذي يعيش هوّةً حتميةً بين واقعه المحدود وتطلّعاته اللانهائية. "إنّ الكائن البشريّ الذي يتقصّد أن يجعل واقعته تتطابق مع معناه في سبيل بلوغ مقام المطلق، يظلّ بما هو كائن بشريّ كائنًا غير مكتملٍ، خليطًا من الكائن واللّاكائن، كائنًا في انتظارٍ دائمٍ لذاته". هنا بالضبط تتبدّى المسحة الرومانسية (والروحانية) لبولس الخوري الذي يربط الحرية بالرغبة والتحرّر، ويعتبر أنّ الخيبة تلاحق تجدّد رغبات الكائن، لأنّ تحقّقها يرمي به في حضن رغبات ومسعى إشباع لا يُنهي القلق الوجودي بل يجدّده. من ثمّ، فالخيبة هي المحرّك الذي يدفع الإنسان للأمام.
"الخيبة هي قدرُنا الوجودي": تلك هي أطروحة الخوري التي يستعيد بها فكر شوبنهاور. بيد أنّ هذه القدريّة تظلّ مفتوحةً على إرادة جديدة تتجلّى في "معانقة الخيبة" كفعل نضج وجودي، ليتمّ الانزياح عن الفلسفات السابقة وقدريّتها. الخيبة بهذا المعنى ليست دعوةً للعدمية أو التشاؤم المطلق، بل هي "خيبة خلاصيّة". إنّها المفارقة التي تجعل من النضج الوجودي وعيًا بمحدودية الإنسان يؤدّي به إلى التخلّي عن الأوهام وضروب النرجسية. هكذا يعلّمنا تدبّر الخيبة أنّ المعنى الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى الكمال، بل في تجربة الانتظار، وصناعة الوعي من داخل الانكسار: "المعنى يتجلّى ويختفي في الواقع بشكل دائم، ما يجعل الانتظار والخيبة جزءًا لا يتجزّأ من التجربة الإنسانية... الانتظار ليس مجرّد تطلّع إلى الخارج، بل هو قدرة الإنسان على خلق عالمه الخاصّ".





وما دام الإنسان لدى الخوري "كائنًا إشكاليًا"، فإنّ الخيبة تغدو هي الأداة الوجودية الكبرى التي تحرّره من نرجسيّته الفردية والجماعية وتدفعه إلى بلورة وعيه بذاته الحقيقية. والخلاص، كما يتصوّره، لا يأتي عبر وعود ميتافيزيقية دينية، بل عبر الوعي بالخيبة؛ فالاعتراف بالخيبة يحرّر الإنسان من الأوهام الأيديولوجية والتعصّب، ويفتح أمامه أفق التفكير النقدي المستمرّ.
ثمّة لدى بولس الخوري مزيج من الميتافيزيقا اللاهوتية والفلسفة الوجودية تحوّل الخيبة إلى خلاص وجودي باشتغال الذات على ممكناتها. ونحن نقف على هذا المزيج، الذي يسائل تحجّم الذات أمام ضخامة العالم ويفكّك الهوّة بينهما، باعتماد منفتحات تحوّل الخيبة إلى عملية بناء جديدة للذات المتصالحة مع نواقصها ونوازعها ورغباتها. يبدو أنّ الخوري، في ذلك، مثل ليفيناس (بخلفيته التلمودية) وبول ريكور (بخلفيته البروتستانتية)، لم يقطع تمامًا حبل السرّة مع الميتافيزيقا الروحية. إنّه ضربٌ من "الرهبنة الباطنية" التي تستعيد النفَس الديني بطريقة فلسفية، وتنقل الزهد من المجال الديني إلى المجال المعرفي. بل هي فلسفة حياتية تنحو، في حديثها عن النقص البشري والسعي نحو المطلق والفناء في اللامتناهي والبحث عن المعنى الكلّي، إلى ترجمة هذه المفاهيم من الروحانية الصوفية إلى الفلسفة العقلية.
ومثلما ينقل ليفيناس المطلق من السماء إلى الوجود الإنساني عبر مفهوم "وجه الآخر" و"اللقاء" باعتباره التجربة الدينية الحقّ، يعتبر الخوري أنّ سعي الإنسان الدائم إلى المعنى هو تجلٍّ للمطلق فيه، فهذا المعنى لا يتنزّل من السماء بل يتمّ بناؤه عبر التضامن البشري بالوعي بالخيبة المشتركة.
هكذا تغدو الخيبة المستشرية في الوجود الذاتي والحياة السياسية العمومية تجربةً مفتوحةً على الفكر والتفكير رغم طابعها "السائل". ونحن، إن كنّا نعيشها في أوجهها المتعدّدة يوميًا، نتنكَّف مع ذلك عن التفكير فيها باعتبارها معضلةً كبرى تخترق كينونتنا الشاملة. فهي بقدر ما تحيل على تفاصيل الحياة الأكثر صميمية، بقدر ما تثير الأسئلة الكبرى التي تنتظم مجمل كياننا بكافّة أبعاده. وفي أوقات الأزمات الكبرى تكون الخيبة هي محرّكها الأساس وناظمها الجوهري، وتغدو بذلك إحدى العلل العميقة للحركيّات الاجتماعية والثورات والتحوّلات، التي قد تفضي بدورها إلى خيبات ممكنة. بيد أنّ نكهة الخيبات لا تتشابه، لأنّ لحظات الحراك والتحوّل تلك تمنحها طعمًا مغايرًا... فلكلّ خيبة حكايتها، وكم من خيبة تصنع إنسانًا جديدًا...

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.