نتابع هنا ما بدأناه في جزء أول ("ضفة ثالثة"، 21 أيار/ مايو الحالي) من قراءة في تشريح الباحثة البريطانية اليهودية القديرة للشخصية الصهيونية في مؤلّفها القيّم "مسألة صهيون" الصادر عام 2005، مضيئةً على الأعطاب الفكرية والنفسية والاستيهامية لدى منشئي الفكر الصهيونيّ وأتباعه ومعتنقيه حتى اللحظة التاريخية الراهنة، فلا شيء تبدّل تاريخيًّا بين القديم والحديث لأن الأمراض ما برحت هي نفسها، والشرّ استمرّ هو نفسه، وقد قالت الآية 11 من سورة الرعد: {إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم}.
تستند جاكلين روز إلى اعترافات ثيودور هرتزل نفسه في إحدى يومياته لعام 1879 لكشف ما كان يعانيه من أزمات نفسية حادة، إذ كتب يومذاك، وكان في التاسعة عشرة من عمره: "أملك ما يكفي لأشكو التقلّبات التي تنتابني، فمرة أجد نفسي وقد انتابني شعور بأن سعادتي تحلّق بي إلى عنان السماء، ومرة أخرى تهبط الكآبة إلى الحضيض. إن الألم هو الشعور الأساسي في الحياة". وتلفتنا الباحثة إلى أنّ تناوب حالات السعادة والكآبة هذه لدى هرتزل تشبه ما كان يختبره شبتاي تسڤي، مدّعي شخصية المخلّص الشهيرة في القرن السابع عشر، من كآبة أو امتلاك قدرة خارقة للمألوف على الرؤيا. هرتزل نفسه يقول إنه كتب "الدولة اليهودية" في حالة من السكر الذهني وكان يعتقد أنه يفقد عقله: "لقد سيطر عليّ الكتاب على نحو يفوق حدود الوعي"، وبدا لرجل التقاه في الشارع في فترة تأليف الكتاب أنه يشبه شخصًا يعاني من صدمة نفسية أو شُفي للتو من مرض رهيب. غير أن كآبة الصهيونية لا تقتصر على "الهوس الخلّاق" لدى هرتزل وحده، ففي كانون الثاني/ يناير 1902 كتب مناحيم وايزمان لليو موتسكن: "صحتي ليست على ما يرام. الحقيقة أنني ذهبتُ لاستشارة الطبيب أمس، فشخّص حالتي بأنها نيوراستينيا (اضطراب عصبي يرافقه وهنٌ متكرّر وفقدان الذاكرة وآلام عامة) وضعف في الجهاز التنفسي. إرهاق جسدي وعاطفي". ويوم فقد ثقته بهرتزل في السنة السابقة، لشعوره بأن القضية بدأت تفشل، كتب وايزمان لخطيبته: "أعصابنا مضطربة، مهزوزة، واهنة، ولا نصلح للقضية اليهودية (...) حساسيتنا تجعلنا غير واثقين مما نفعل". كان تحقيق الحلم يتطلّب عنفًا كثيرًا، ويضيف وايزمان في الرسالة نفسها لخطيبته: "القائد يبكي. الذاهب إلى الحرب يبكي". هذا ما دلّ عليه إيلان بابيه بأنه من المؤشرات الأولى للغة الصهيونية حول "نقاء السلاح" و"اقتلْ وابكِ".
قدّر لهرتزل أن يدفع ثمنًا شخصيًا مأساويًا باهظًا، إذ انتحر اثنان من أبنائه الثلاثة، پولين وهانس، فيما وُضعت ابنته ترودي في مصحٍّ للأمراض العقلية عقب إنجاب ابنها شتيفان ثيودور الذي انتحر بدوره عام 1945 بعد أشهر قليلة من استقباله الحافل في زيارة إلى فلسطين بوصفه حفيد هرتزل. "الصهيونية تطلب أكثر مما يُطاق" عتابٌ بقيت زوجة هرتزل جولي ناشاوزر تردّده (هل تعني شيئًا هذه الكآبة العائلية المتوارثة؟). حتى حنّه أرندت لاحظت اتصال هرتزل بالتيارات الخفية للتاريخ، ووصفته بشيء من القسوة بأنه "معتوه". وكتب ديفيد غوردون عام 1921: "لن يتمكن من أداء المهمة (الصهيونية) في المستقبل إلا من في أرواحهم مسٌّ من جنون".
نُشرت رواية هرتزل "الأرض القديمة الجديدة" بعد كتاب "تفسير الأحلام" لفرويد بسنتين. الصهيونية وعلم التحليل النفسي رفيقان في الروح، تنتهي رحلتهما في المكان نفسه، حتى لو اختلفا في أهدافهما جذريًا. تعلم الصهيونية أنها ابنة البنية النفسية، حلمٌ من اختراعات الذهن البشري، إذ تعلم علم اليقين أنه كان عليها أن توجد نفسها من العدم، وأن توجد وحدةً ولغةً ووطنًا، حيث لم يكن ثمّة شيء من ذلك. وإذ كان هرتزل كاتبًا مسرحيًا في الأصل، أدرك أن الصهيونية، شأنها شأن اللاوعي، تحتاج إلى أن تُعدّ إعدادًا مسرحيًا بطريقة لا يفهمها إلا المشتغلون بالمسرح. كانت الصهيونية عملًا من أعمال السحر المسرحيّ. لا يحسم العقل المسألة، فالحلم لا يُناقش. إذا كانت الصهيونية تعلم أنها تنتمي إلى عالم اللاوعي فإن ثمة طريقتين مختلفتين تمامًا تتخذهما هذه المعرفة، أوضحهما طريقة هرتزل: "عَلَمٌ؟ ما العَلَم؟ عصا مع قطعة قماش؟ كلا يا سيدي، العَلَم أكثر من ذلك... إنه الشيء الوحيد الذي من أجله يكون الناس على استعداد لأن يموتوا أفواجًا، شرط أن نعلّمهم أن يفعلوا ذلك" (هلّا لاحظنا كثافة حضور العَلَم الإسرائيلي في كل زاوية وميدان داخل الكيان). إنه شكل من أشكال الفاشية السابقة لظهور الحركات الفاشية الفعلية، يجعلنا ندرك مدى النجاح المذهل الذي تحققه الفاشية في تدريب العقول والأجساد: "الناس على استعداد لأن يموتوا أفواجًا، شرط أن نعلّمهم أن يفعلوا ذلك" ("إسرائيل" الحالية تعلّم شبابها جيدًا كيف يموتون). مع العلم أن المفكر اليهودي المتنوّر مارتن بوبر حذّر من أن الظلم الموجّه ضد العرب لا يؤذي العرب وحدهم "بل ستكون له عواقب وخيمة داخل الشعب الجديد"، ويقصد الشعب الصهيوني المحتلّ لفلسطين، مردفًا قوله: "فهو بدلًا من ضمان أمنه ومستقبله سيهدّد تماسكه الداخلي وسيجلب الدمار والتمادي في أعقابه. ولن تجعل الأمة نفسها عرضة للهجوم فحسب، بل ستفسد حياتها الداخلية وتموت، إذ جعلت من نفسها أمّة طبيعية. أي شعب سيقبل أن يُزاح من موقع الأكثرية إلى موقع الأقلية من دون مقاومة؟". عنف "إسرائيل"، بحسب بوبر، سيرتدّ إلى عنقها. وقد كتب بوبر بعد 1967 بسنة واحدة: "نحن مستقلون تمامًا ولدينا دولة وكل ما يتعلق بها. ولكن أين الشعب في الدولة؟ وأين روح ذلك الشعب؟". ديفيد غروسمان أيضًا يقول إن الإسرائيلي "يخشى أن يستثير أسئلة مقلقة حول عدالة أفعاله...".
من ناحيته يرى الفيلسوف والمؤرخ الأميركي من أصل يهودي مجري هانس كوهن/ Hans Kohn "أن الصهيونية التي كان عليها أن تقدم أنموذجًا جديدًا لمفهوم الأمة سقطت ضحية ذاتية العقيدة الدينية الساذجة والمحدودة". كوهن وبوبر وأمثالهما كثر كانوا شديدي المعارضة للنظرة الصهيونية الأخروية التي توقف نفسها على إضفاء "القداسة" على الحياة اليومية بالاستناد إلى التراث "الخوسيدي" التصوفي الذي كان شائعًا بين يهود أوروبا الشرقية. ومن وجهة نظر بوبر فإن تحوّل الصهيونية إلى دولة ذات سيادة من أجل الدخول في عالم الشعوب، كان بمثابة كارثة سياسية وروحية. كما يحذّر هانس كوهن من فرض سلام زائف مع العرب بالقوة (أي ما يعتمده الكيان تمامًا في الزمن الحالي) لأن هذه القوة هي ضربٌ من الوهم في رأيه، فالقوة تقتات على نفسها "وسنكون غير قادرين على التخلّي عن الخراب"، مؤيدًا ديفيد غوردون القائل: "إن الشعب يحصل على الخلاص لا بالنجاح السياسي ولا بالنصر العسكري، بل بالبعث الروحي والأخلاقي للفرد" (ما أبعدهما اليوم عن الفرد الإسرائيلي!)، وتوقّع كوهن ألّا يتمكن شعب يعتنق القوة العسكرية من لجم نفسه. هذا التحليل النقدي لا يزال صحيحًا اليوم، فالشعب الصهيوني يستمدّ من المعتقدات الدينية العنف التسلّطي والتوسّع الإقليمي والغضبة العسكرية القاتلة، ليمسي ذاك الوحش المظلم بغضبه العارم وعقليته العسكرية وتعصّبه الدينيّ.
كتبت حنّه أرندت في أيار/ مايو 1948 وصفًا ثاقب النظر لمستقبل "الشعب الجديد" في فلسطين: "سيعيش اليهود ‘المنتصرون’ محاطين بعرب معادين لهم، محصورين بحدود تتعرّض للتهديد المستمرّ، منشغلين بالدفاع عن أنفسهم دفاعًا يطغى على كل اهتماماتهم وأنشطتهم الأخرى، ولن يعود نموّ الثقافة اليهودية هو محطّ اهتمام الشعب بأكمله، وسوف يتعيّن التخلّي عن التجارب الاجتماعية بكونها ترفًا غير عملي، وينحصر الفكر السياسي بالاستراتيجية العسكرية، ويقتصر النموّ الاقتصادي على تلبية حاجات الحرب فقط" (نبوءة تنطبق حرفيًا على ما يشهده الكيان منذ تأسيسه حتى الساعة). ورأت أرندت أيضًا أن الإسرائيلي لن يشعر يومًا بالأمان في فلسطين ولا بالاطمئنان الجسدي والذهني.
تقول جاكلين روز (حالمةً): "إني أسمع في فضاء الحوار الذي يجمع كلًّا من بوبر وأرندت وكوهن فكرة مفادها أن الصهيونية كان يمكنها أن تكوّن كيانًا وطنيًا يستبعد السياسة، وأن تواجه الوحش المظلم في داخلها، وأن تفسح المجال للغرب بين ظهرانيها، بل ربما أن تذهب أبعد من ذلك فترى نفسها هي الغريب بالنسبة إلى العرب في فلسطين. وقد سنحت فرصة قصيرة للصهيونية لتكوين شعب لا يكون ذاتًا تتضخّم بل شيئًا آخر (...) لكن الصهيونية لم تغتنم تلك الفرصة".
في الفصل الثالث من "المسألة الصهيونية" الذي منحته جاكلين روز عنوان "حطّموا عظامهم: الصهيونية كسياسة عنف"، تلفت إلى أن هرتزل جعل من القسوة أمرًا أشبه بمسوّغ وجود اليهود، فقد ادّعت المنظمة اليهودية عام 1922 بالقول: "إننا ندين لأنفسنا بضرورة ممارسة القسوة"، ومضت إلى حد القول: "فلنسيطر على الوضع مرة، عندئذٍ سيكون في وسعنا أن نقول: فلتحصل المذابح، ولكننا سننقذ المستوطنات قبل أي شيء آخر، ونحن نتمسّك بمستقبلها، فالمستوطنات هي المحل الوحيد الذي ما برح مستقبل شعبنا فيه حيًّا". ويرى جورج بن سوسان في هذه الكلمات انتقالًا من الفظائع إلى فكرة المصير، فالقوة هي سيرورة نشوء الدولة. وفي كلمة لبن غوريون بعنوان "ضرورات الثورة اليهودية" ألقاها في حيفا عام 1944: "إن مقاومة القدر ليست كافية. لا يكفي عدم الخضوع للنفي، بل يجب وضع حدّ له"، معتبرًا أن ليس لليهود مستقبل إلا في فلسطين، ولن يحصل التاريخ اليهودي على الخلاص إلا إذا قامت الدولة. بذلك يختفي باقي اليهود من المشهد، ولا يُعتدّ إلا بـ"إسرائيل".
تطرح جاكلين روز على نفسها هذا السؤال: كيف أنّ شعبًا من أكثر شعوب العالم عرضة للاضطهاد راح يجسّد بعضًا من أسوأ صور القسوة التي تمارسها هذه الدولة الحديثة؟ يسعى الجيش الإسرائيلي اليوم ـ تقول روز ـ إلى تحطيم عظام الفلسطينيين، متخذًا من ذلك سياسة معتمدة، فلدى اندلاع الانتفاضة الأولى أصدر رابين أمرًا للجيش: "حطّموا عظامهم"، وشهد الجندي يوسي سفيد على ذلك بإفادته: "نفّذ الجنود الأوامر التي صدرت لهم بطاعة تامة: تحطيم أذرع العرب وأرجلهم بالهراوات".
تروي جاكلين روز أنها سألت بنيامين نتنياهو عام 2002 عن جدار جابوتنسكي الحديدي فأجابها: "ليس الجدار الحديدي هو السور فحسب، بل هو الردع، أن يتكسروا Smash عندما يجابهون دفاعنا أو هجومنا" (وضرب يده بقبضته عند النطق بكلمة Smash، بحسب وصفها). وتنقل عن لسان آڤي شلايم: "الخطر هو أن تقع إسرائيل في غرام الجدار وأن ترفض الانتقال إلى المرحلة الثانية". أغرمت "إسرائيل" بالجدار أيّما غرام وانتهى الأمر. قال جابوتنسكي عام 1933: "إن القتل هو أهم ضرورات البعث الوطني" (لنتذكر هنا أن والد نتنياهو هو من أبرز أتباع جابوتنسكي الشخصيين ونقل "وصية القتل" إلى بنيامين، فتلقّف هذه الوصية بحرص وأمانة شديدين!). كان جابوتنسكي، على غرار بوبر وكوهن وأرندت (بالأحرى خلافًا لهم) على علم بالعنف الذي سيكون عليه مصير الدولة اليهودية. في عقيدة نتنياهو الجابوتنسكية المعلنة، يجب أن تكون القوة عسكرية قبل أي شيء آخر، وقد استلزمت هذه القوة في تعبيره "قدرًا كبيرًا من الصراع المرير ضد الرأي الراسخ في أذهان اليهود والقائل إن لا شأن لهم بالجيوش (...) إن الاتجاهات الهروبية في السياسة اليهودية تنبع من عدم قدرة اليهود على التوافق مع الحاجة الدائمة إلى القوة اليهودية". وتلحظ جاكلين روز أنه يستخدم في كلامه "السياسة اليهودية" وليس الإسرائيلية، و"القوة اليهودية" وليس الإسرائيلية.
يحثّ نتنياهو اليهود بوضوح ما بعده وضوح (ولولاه لما استحقّ استشهادنا به، تقول جاكلين روز) على ضرورة التماهي مع أشدّ مكوّنات الدولة فتكًا، فهذا هو الردّ على تاريخهم هم. فقد كانت المهمة التاريخية الصهيونية، ولا سيما صهيونية هرتزل وجابوتنسكي، هي أن تمنح اليهود القوة ضد كل النقاد الذين حذّروا من أن "إنشاء القوة العسكرية اليهودية سيرمي باليهود في أحضان الروح العسكرية والنزعة القومية المتطرفة"، وهذا تمامًا ما يراه ديفيد غروسمان منذ عام 2002 بنبرة أقرب إلى اليأس من مستقبل "إسرائيل": "إن إسرائيل أشدّ تشبّعًا بالنزعات القتالية والقومية والعرقية مما كانت عليه في أي وقت مضى" (ما عسى يقول اليوم؟!). قبل نتنياهو كانت عقيدة شارون أيضًا: "القوة، والمزيد من القوة، ولا شيء غير القوة". هل يمثّل شارون ونتنياهو (وبن غفير وسموتريتش وأشباههم) حالة شاذة أم الجانب المظلم من "روح إسرائيل"؟
| |
| تروي جاكلين روز أنها سألت بنيامين نتنياهو عام 2002 عن جدار جابوتنسكي الحديدي فأجابها: "ليس الجدار الحديدي هو السور فحسب، بل هو الردع" |
يبقى السؤال، بحسب الباحثة القديرة، "ماذا يحصل للخوف عندما ينغرس داخل الحياة والهوية السياسية؟ كيف يصبح شيئًا مقدّسًا يتصلّب كالبلّورة في النفس؟". وتسأل مع يوسف برينر: "ما الطريق الذي ستسلكه الأيدي القوية؟"، حيث أمسى من واجب الأبناء أن يعلّموا الآباء: "الحياة في هذا البلد تحتاج إلى المسدس والسكين والقنبلة والقتل مثل أي مكان آخر".
بتعبير رائع بديع خلاق تقول جاكلين روز: "إن الصهيونية تعطينا، إذًا، فرصة فريدة لرؤية العذاب وهو يتعسكر، لرؤيته وهو يصمت ويصبح قضية نفسه في آن معًا". أي أن الشعب الذي اختبر العذاب في تاريخه بات يمارسه هو على الآخرين ويصمت حيال ذلك. تطبّق الصهيونية دعوة الثائر اليهودي الروسي يوسف فتكن عام 1905: "علينا الآن تحويل الوحدة المرعبة لآلامنا واحتجاجاتنا، لصرخاتنا وعويلنا، ولكل ما اختنق في حلوقنا، لأن الخوف من أعدائنا منعنا من إخراجه، إلى العمل الضخم الذي بدأناه لإنقاذ شعبنا وبعثه". هذا "العمل الضخم" ليس في الحقيقة والواقع سوى احتلال أرض فلسطين وذبح شعبها وطرده، أي قوة الجريمة المستمدّة من "تاريخ العذاب" الذي لا يتوقف صداه المتردّد بلا انقطاع، لتبرير القتل بلا انقطاع أيضًا. تحوّلت مسألة "الظلم التاريخي" إلى جرح نرجسيّ، حتى بات كل ما يُرى أنه اعتداء على اليهود، مهما كانت أسبابه، بمثابة الاعتداء على الهوية اليهودية. وما تاريخ إنشاء شعب "إسرائيل"، بحسب الباحثة، سوى جزء من سلسلة من الإزاحات يصبح فيها أعداء اليهود، مرة بعد أخرى، أشباحًا من الاضطهاد الذي تعرضوا له في السابق، كل شبح منها حقيقي وغير حقيقي في الوقت نفسه، خطير إلى آخر حد لكنه أيضًا شبح.
أضحت الهوية الإسرائيلية هي هوية الجندي (يبدأ الأمر بما يدعوه إسحق لاؤور بـ"غرام" الشعب بالعسكر)، أما رونيت حاخام فتقول في كتاب مقابلاتها مع رافضي الخدمة العسكرية: "بدا لهؤلاء الضباط الذكور أن كون المرء مواطنًا إسرائيليًا معناه أنه جندي، وأن لوم الجندي معناه التشكيك في هويته... الجيش يختم العلاقة بين المواطن والدولة". قال يهودا شاؤول بعد تأديته الخدمة العسكرية في مدينة الخليل: "كنت قد تشبّعت بالأساطير كلها: أن الجيش هو أهم شيء وأن عليك أن تساهم فيه، وأن الجيش والأمن يوحّدان الجميع. وقد رأيت في تجنيدي فرصة لأكون إسرائيليًا".
وبأفضل ما يكون تختم جاكلين روز بحثها القيّم والفريد بمقطع فلسفي وبقصيدة لغرشوم شولم. ففي الجانب الفلسفي تقول: "لقد استشرت اثنين من الفلاسفة الهيغليين المتميّزين أثناء وضعي هذا الكتاب حول المصطلح الذي يصلح نقيضًا لمصطلح "الارتفاع" (Sublation) الذي يستخدمه هيغل للتعبير عن حلّ التناقض ورفعه إلى مستوى أعلى. جرّبنا retrogression (النكوص) وdegradation (الانحطاط)، ولكن لم ينجح أيٌّ منهما في التعبير عمّا أردت، كما لم تنجح التحليلات النقدية ما بعد الحداثية للفلسفة الهيغلية، وهي التحليلات التي تضع في مقابل مصطلح Sublation شيئًا غير مرتبط بمركز، شيئًا متخلخلًا أو أقل تماسكًا، لأن "إسرائيل" ليست في طريقها إلى الانهيار ولا هي في طريقها إلى أن تصبح تعددية ولا ضبابية الهوية، بل هي تتمترس أكثر فأكثر على نحو يائس".
وقد وُضع لقصيدة غرشوم شولم "مواجهة مع صهيون والعالم" عنوان فرعي هو Decline (السقوط، الانحدار، الأفول):
آذانا ضوءُ النهار
وكلُّ ما ينمو يحتاج إلى الليل
نحن مَدينون لقوى
لم نحلم أبدًا بدعوتها
ما كان في الداخل أصبح الآن خارجنا
الحلم يتحوّل إلى عنف
وها نحن نقف ثانيةً في الخارج
وصهيون بلا شكل وبلا معنى.


تحميل المقال التالي...