في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2021م أدرجت منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) "فنّ التطريز في فلسطين: الممارسات، والمهارات، والمعارف، والطقوس"، في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادّي للبشرية. وتتويجًا لنجاح جهود الحكومة الفلسطينية في إدراج هذا الفنّ العريق، الذي يعدّ رمزًا من رموز الهوية الوطنية الفلسطينية على القائمة الأممية للتراث الثقافي غير المادّي، أقرّت وزارة الثقافة في رام الله رسميًا، يوم 15 كانون الأول/ ديسمبر من كلّ عام "يومًا وطنيًا للتطريز الفلسطيني". يأتي إدراج فنّ التطريز في فلسطين، بحسب "الثقافة الفلسطينية"، تأكيدًا على تأصل الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلّة منذ عام النكبة 1948م، واستمراره بالحياة عليها من دون انقطاع منذ عشرات آلاف السنين، ولحماية وحفظ التراث المادّي، وغير المادّي، والإرث، والفولكلور، والثقافة الفلسطينية المتوارثة جيلًا بعد جيل، من الاحتلال الإسرائيلي الساعي إلى نهب وتزوير الموروث الوطني للشعب الفلسطيني. وعلى مدى قرون، كتبت النساء الفلسطينيات حكايات حياتهنّ وأرضهنّ بالإبرة والخيط. وقد ألهم تطريزهنّ، أو ما يُعرف بالتطريز الفلسطيني التقليدي، مئات الفنّانين الذين أعادوا تفسيره وتحويله إلى رمز للهوية الفلسطينية والصمود والمقاومة، كما تذكر الباحثة والفنّانة البصرية الفلسطينية، جوانا بركات (1)، في كتابها "خيوط سردية: التطريز الفلسطيني في الفنّ المعاصر"، الصادر أخيرًا باللغة الإنكليزية، عن "دار الساقي" في لندن.
نقوش المطرزات: ارتباط وثيق مع تاريخ أرض وشعب فلسطين
التطريز هو فنّ الزخرفة على القماش باستخدام الإبرة والخيط، يضاف إليه في بعض الأحيان مواد كالخرز أو الصدف. وفي فلسطين، نجد أقدم الأمثلة على التطريز على أثواب يعود تاريخها إلى أربعينيات القرن التاسع عشر، وفقًا لما تذكره الباحثة الفلسطينية ديانا أبو علي (2).
وهي تشير إلى أنّ غُرز التطريز وأنماطه ومواضيعه وألوانه وتنسيقاته مرّت بتغيّرات عدّة عبر الزمان والمكان، حيث أثّرت التنويعات الإقليمية وتغيّر الموضة في كلّ حقبة على شكل الفساتين وطرازها وأشكال التطريز عليها. وتلفت أبو علي إلى أنّ الغرزة المصلّبة هي الأوسع استخدامًا والأكثر ارتباطًا بفلسطين، وهي تُعرف بالقطبة الفلّاحيّة التي أصبحت الأوسع انتشارًا في نهاية القرن التاسع عشر. مصادر تاريخية تذكر أنّ التطريز وأشغال الإبرة بأشكال وصور مختلفة وجدا منذ أقدم العصور في كثير من الحضارات، وأخذتهما النساء كوسيلة لتأكيد الهوية والتراث الذي يورثنه للأجيال القادمة. ويُمكن النظر إلى فنّ التطريز الفلسطيني، وفقًا للفنّان والناقد التشكيلي الفلسطيني منذر جوابرة، بوصفه نتاجًا لصيرورة ثقافية معقّدة تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ، وتتقاطع السياسة مع الإبداع الفنّي، ما يجعله وسيطًا بصريًا حيًّا يُعبّر عن الهوية، فهذه الممارسة التي نشأت بوصفها حِرفة منزلية، تحوّلت تدريجيًا إلى خطاب فنّي مشحون بالدلالات، يعيد تعريف العلاقة بين التراث والتحديث، ويؤكّد أنّ الفنون الشعبية قادرة على تجاوز الطابع التزييني لتُصبح أدوات ديناميكية تُجسّد النضال، وتُحافظ على الانتماء داخل سياقات عالمية متغيّرة، من دون أن تنفصل عن جذورها المتجذّرة في الأرض والثقافة (3). وتمارس النساء الفلسطينيات وبناتهنّ وحفيداتهنّ داخل القرى والبلدات الفلسطينية فنّ التطريز، الذي يوظف غالبًا في تزيين الملابس والمفارش والوسائد. ويلاحظ اختلاف الأنماط والألوان المستخدمة في تطريز أثواب النساء بين منطقة وأخرى في فلسطين، حتّى إنّه يمكن التعرّف إلى المدينة أو البلدة التي تنتمي إليها المرأة من خلال نوعية التطريز التي تزين ملابسها. لهذا، ينظر دائمًا إلى هذا الفنّ على أنه جزء من الهوية الفلسطينية ورمز من رموزها. وتعكس نقوش المطرزات الفلسطينية، التي تحمل عبق التاريخ والحضارة، ارتباطها الوثيق مع الأرض والطبيعة والتاريخ، وممّا يُلفت الانتباه في معظم أثواب النسـاء الفلسـطينيات تلك النجمـة الثُمانيـة، وهي نفسها النجمـة الكنعانيـة المشـهورة برؤوسها الثمانيـة؛ المحفورة في مختلف كهوف مدينة أريحا في الضفة الغربية، والتي يُقدر تاريخ حفرها بنحو 4500 سـنـة، وقد عثرت عليها الباحثـة الأثرية الألمانيـة كاتلين كانون. كما بيّنت عمليات البحث والتنقيب في فلسـطين التاريخية، أنّ ظهور الأزياء الشـعبيـة المطرزة يعود إلى آلاف السـنين قبل الميلاد، والشـاهد على ذلك مغارة "الرطبـة" شـمال غرب بحيرة "طبريـة"، ومغارات "الطابون" و"السـخول" و"الوادي" و"الوعد" في منطقـة الكرمل قرب مدينة حيفا بشمال فلسطين، كما ظهر ذلك في كهف داخل جبل "القفزة" جنوب مدينـة الناصرة، وسـواها. أمّا أقدم النقوش الكنعانيـة فقد وجدت على ملابـس جلديـة عثر عليها في مغارة "أم قطنـة"، وفي كهوف منطقـة بئر السـبع "عاصمة النقب" وأكبر مدن جنوب فلسطين التاريخية.
فنّ التطريز الفلسطيني في سياقه السياسي والنضالي
للتعريف بغنى وتنوّع هذا الفنّ العريق، أحد عناصر تاريخ فلسطين المادّي، صدرت في العقود الأخيرة العديد من المؤلّفات التي تعرّف بفنّ التطريز في فلسطين، وبالأزياء الشعبية الفلسطينية، لا سيّما أثواب النساء (4).
نذكر من هذه الكتب: "غزْل العروق: عين جديدة على التطريز الفلسطيني"، إعداد: ريتشل ديدمان، وتحرير: شروق حرب (المتحف الفلسطيني-2018م)؛ و"نشأة وتطوّر الأثواب الفلسطينية التقليدية"، تأليف: حنان قرمان منيّر (المؤسّسة العربية للدراسات والنشر-2020م)؛ و"دليل فنّ التطريز الفلسطيني"، تأليف: نبيل عناني وسليمان منصور، (دار الأهلية للنشر-2022م)؛ و"التطريز الفلسطيني، غرزة الفلاحي التقليدية"، تأليف: وداد قعوار وتاليا تماري ناصر (دار الأهلية للنشر - 2024م)؛ و"خيوط سردية: التطريز الفلسطيني في الفنّ المعاصر"، تأليف: جوانا بركات، (دار الساقي، 2025م)، والكتاب الأخير هو الذي سنتوقّف عنده في هذا المقال.
القيمة والباحثة البريطانية، المختصّة بتاريخ الفنّ في الدول العربية، ريتشل ديدمان، والتي عملت في السنوات الماضية على تنظيم معارض تسلّط الضوء على الفنون التقليدية في فلسطين؛ منها: "أطراف الخيوط: التطريز الفلسطيني في سياقه السياسي" عام 2016م، وتلاه "غزل العروق: عين جديدة على التطريز الفلسطيني" عام 2018م، ترى أنّ حضور التطريز بوصفه معبّرًا عن التراث الفلسطيني بعد النكبة عام 1948م، حيث تمّ توظيفه في الفنّ الفلسطيني المعاصر ليحمل دلالات سياسية متعدّدة في أعمال العديد من التشكيليين خلال العقود الماضية (5)، وتناقش الباحثة البريطانية في السياق، دور حركات التحرير الوطني الفلسطيني في تكريس التطريز كرمز وطني، وذلك من خلال النظر في تاريخ الفنّ الفلسطيني، وفي المبادرات التي هدفت إلى حفظ التراث الفلسطيني، مؤكّدةً أنّ التطريز واكب المرحلة السياسية للمنطقة وفلسطين على وجه الخصوص. ففي سبعينيات القرن الماضي شكّل التطريز جزءًا من مقاومة الشعب الفلسطيني وازدهر معها، كما كان جزءًا لصيقًا بالانتفاضة الأولى (6). أمّا الباحثة والفنّانة البصرية الفلسطينية، جوانا بركات، مؤلّفة كتاب "خيوط سردية: التطريز الفلسطيني في الفنّ المعاصر"، فترى أنّ التطريز لم يكن مجرّد زينة أو مهارة يدوية، بل شكّل على مرّ الزمن وسيلة للسرد الذاتي، عبّرت من خلالها النساء الفلسطينيات عن قصصهنّ وعلاقتهنّ بالأرض والذاكرة الجماعية. ومن خلال الخيوط والألوان والرموز، تحوّل هذا الفنّ إلى لغة بصرية معقّدة تحمل دلالات اجتماعية وسياسية، ما جعلته مصدر إلهام لعدد كبير من الفنّانين المعاصرين الذين استعادوا هذه العناصر في أعمالهم للتعبير عن قضايا الهوية والثبات والمقاومة. تنطلق بركات في كتابها الجديد، الذي يحتفي بالجمال والأهمّية العميقة للتطريز الفلسطيني في الفنّ المعاصر، من السؤال التالي: "كيف تحوّل التطريز الفلسطيني إلى لغة عالمية تجمع بين الجمال والهوية؟"، ساعيةً إلى قراءة هذا الفنّ بوصفه تعبيرًا عن تجربة شعب يستخدم الإبداع وسيلةً للحفاظ على سرديته الخاصّة ونقلها عبر الأجيال.
توثّق الباحثة والفنّانة الفلسطينية، في كتابها هذا، تطوّر فنّ التطريز في فلسطين بصريًا وتاريخيًا، مُتتبعةً انتقاله من حرفة تقليدية نسائية مرتبطة بالحياة اليومية إلى ممارسة فنّية معاصرة تحمل أبعادًا رمزية تتعلّق بالصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي وممارساته الاستعمارية الإحلالية. يتضمّن الكتاب مقالات تحليلية لعدد من أبرز الباحثات والباحثين المتخصّصات/ين في تاريخ الفنّ والمنسوجات، من بينهم: الفنّانة وقيمة معارض الدكتورة تينا شيرويل (مديرة البرامج الأكاديمية في "الأكاديمية الدولية للفنون" بفلسطين)؛ والباحثة والكاتبة الفلسطينية الأميركية وفاء غنيم، المختصّة بفنّ التطريز في فلسطين؛ والبريطانية ريتشل ديدمان. وتقدّم هذه المقالات قراءات نقدية معمّقة تعزّز فهم التطريز الفلسطيني بما هو فنٌّ وأداة بصرية تتجاوز حدود الحرفة التقليدية. ولا ينحصر التوظيف الفنّي هنا في البعد الرمزي للتطريز كونه تراثًا وطنيًا، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلته، وإعادة تفكيكه، ثمّ إعادة بنائه بصيغ جديدة تجمع بين الخيط والإبرة والتقنيات الرقمية؛ كما في حالات التطريز المباشر على اللوحات أو دمجه في مشاريع تفاعلية رقمية، أو حتّى في سياقات الأزياء المعاصرة. محطّات تاريخية مفصلية لفنّ التطريز في فلسطين تستعرضها بركات من خلال رحلتها مع هذا الكتاب القيم، للحفاظ على هذه الحرفة الخالدة في الفنّ المعاصر. من بين هذه المحطّات؛ ظهور "ثوب الانتفاضة" خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، حين استخدمت النساء التطريز للتعبير عن الهوية الوطنية في ظلّ القيود السياسية، عبر إدماج رموز العلم وخريطة فلسطين في الأثواب، إلى جانب نماذج معاصرة تدمج التكنولوجيا والرموز الرقمية في هذا الفنّ. يضمّ الكتاب توثيقًا لأكثر من مائتي عمل فنّي لأربعة وعشرين فنّانًا وفنّانةً من أجيال وخلفيات مختلفة. أعمالٌ تستعرض كيفية توظيف عناصر التطريز في وسائط فنّية متعدّدة. تشمل هذه الوسائط الرسم والنحت والمنسوجات، إلى جانب الفنون الحديثة مثل السينما والتصوير الفوتوغرافي وفنّ الشارع، ما يعكس مرونة هذا التراث وقدرته على التكيّف، انطلاقًا من مقاربات فنّية تتقاطع مع أسئلة الهوية، والذاكرة، والمقاومة، والصمود، فكانت النماذج المقدّمة معبّرة عن التحوّل الجذري في فهم التطريز، ليس بصفته موروثًا فقط، بل أداة فنّية نقدية متفاعلة مع قضايا الحاضر. وتُبرز المؤلّفة تباين المقاربات بين فنّانين يحرصون على الحفاظ على الأشكال التقليدية للغرز، وآخرين يعيدون توظيفها ضمن سياقات معاصرة تعالج موضوعات مثل النزوح والانتماء والذاكرة والتحوّل. وتكشف جوانا بركات في الكتاب عن قوّة التطريز الفلسطيني بوصفه لغة بصرية تروي الماضي، وتصلنا بالحاضر، وتستشرف مستقبلًا مختلفًا يحمل الأمل.
أخيرًا، يبقى التطريز الفلسطيني حاملًا لمعاني المقاومة والنضال الفلسطيني، فلكلّ غرزة حكاية، ولكلّ نقشة رمز. وهو يعكس الموروث الثقافي الفلسطيني بتنوّعه وجماله الذي يميّز فلسطين التاريخية، حيث تبرز الألوان والتصاميم المستوحاة من الطبيعة والتراث الفلسطيني الأصيل.
هوامش:
- جوانا بركات، فنّانة بصرية متعدّدة الوسائط، وُلدت في مدينة القدس المحتلّة، ونشأت في ولاية لوس أنجلس، قبل أن تتابع دراستها الفنّية في لندن، حيث طوّرت رؤيتها المعاصرة للفنّ المرتبط بالهوية. وهي تجمع في أعمالها بين الرسم والتطريز الفلسطيني، إلى جانب اشتغالها على مجالات مثل النسيج والأنيميشن والفنّ الرقمي. وإلى جانب ممارستها الفنّية، تكرّس جهودها للحفاظ على فنّ التطريز الفلسطيني ونشره من خلال ورشات عمل ومبادرات تعليمية، إضافة إلى حضورها على المنصّات الرقمية عبر مشروع "حلقة تطريز"، الذي يسهم في إعادة إحياء هذا التراث وتقديمه للأجيال الجديدة.
- ديانا أبو علي، مقال بعنوان: "التطريز الفلسطيني... إرث وطني غني ومتنوّع"، موقع الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، بلا تاريخ نشر.
- منذر جوابرة، مقال بعنوان: "أساليب التطريز في الفنّ الفلسطيني المعاصر"، صحيفة "العربي الجديد"، بتاريخ: 12 تموز/ يوليو 2025م.
- انظر مقالنا المنشور في "ضفة ثالثة"، تحت عنوان: "أثواب الغزّيّات: عن الإلغاء الثقافيّ في حرب الإبادة المستمرّة"، بتاريخ: 04 آب/ أغسطس 2024م.
- ريتشل ديدمان، محاضرة بعنوان: "الانتفاضة: التطريز والمقاومة في فلسطين"، قدّمتها عبر الفضاء الافتراضي، مساء يوم 25 آذار/ مارس 2024م.
- طرزت النساء الفلسطينيات مجموعة من أثواب الانتفاضة بأشكال البنادق والشعارات السياسية وخرائط لفلسطين، وكنّ يرتدينها أثناء الانتفاضة الأولى، وهو ما يدلّ على تسييس الفلسطينيين لفنّ التطريز بعد عام النكبة 1948م، واستخدامه أداة للمقاومة بتحميله دلالات تتعلّق بالهوية الوطنية الفلسطينية.
مراجع:
- محمد توفيق السـهلي، مقال بعنوان: "الإبرة الفلسـطينيـة في مواجهـة الاحتلال والاغتصاب"، مجلّة "صوت فلسطين"، العدد (483)، نيسان/ أبريل 2008م.
- زهرة مرعي، مقال بعنوان: "احتفاء بالتطريز ووضعه في سياقه السياسي: أطراف الخيوط الفلسطينية في معرض جمع أثواب وطن وحكاية شعب"، صحيفة "القدس العربي"، 04 حزيران/ يونيو 2016م.
- مجموعة تقارير ومقالات منشورة في موقع المتحف الفلسطيني في رام الله، ووكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، وصحيفة "العربي الجديد".
- صفحة الباحثة والفنّانة البصرية الفلسطينية جوانا بركات في "إنستغرام".


تحميل المقال التالي...