قبل مدة وجيزة، خطف الموت تسع عشرة فتاة من قريتي في سن الزهور، بينهن طالبة في كلية الهندسة كانت تعمل في تقليع البطاطس مقابل مائة وثلاثين جنيهًا لتسد مصاريف دراستها. خرجن مبتسمات للعمل وللحياة، وانتهى بهن الأمر مكدسات فوق ظهر عربة نصف نقل، مكشوفات للسماء، وللملائكة، وللقبر. وفي الغداة، خرجت عربة أخرى محملة بفتيات أخريات أخذن مكانهن، لتدور العجلة التي لا ينبغي لها أن تتوقف لموت أحد.
منذ سماعي الخبر، والحزن يسكنني في أعمق صوره. حزن ممتزج بغضب عارم واغتراب عن كل شيء. لا لغة تصف مرارة القهر حين يأتي الموت رخيصًا ومباغتًا، كأن أرواحنا سقطت من حسابات الوجود، ولم تعد تساوي شيئًا. لم تعد تساوي شيئًا حتى عند من معنا في المفرمة نفسها، من أبناء الطبقة نفسها. فقد سمعتُ جاري، الذي اختار أن يعيش في الدنيا بطوله، يقول بسخرية: "فقير وجوعان، ويروح يتجوز؟ ويخلف كمان؟ يا عم قول لأهل الميتين يحمدوا ربنا إن ريّحهم من بُق زيادة".
أن تولد فقيرًا يعني أن تبذل أقصى جهدك، ثم تكتشف في النهاية أنك غير مهم، وأن وجودك لا يتجاوز كونه ترسًا قابلًا للاستبدال في أي لحظة. هذا شكل رخيص للبؤس، بؤس بلا خصم محدد، أو جهة بعينها يمكن مساءلتها. وقد أفرز هذا الواقع البائس نموذجين اجتماعيين: "المواطن الزبون" الذي صار مطالبًا بشراء حقه في التعليم والصحة، و"المواطن الفائض" الذي لم يعد سوق العمل في حاجة إليه أصلًا.
أن تكون فائضًا معناه أن يُختزل وجودك كله في سؤال واحد: هل ستأكل اليوم، أم لا؟ عندئذ تصبح لقمة العيش هي القضية الوحيدة، ويتحول الإنسان إلى كائن بيولوجي يسعى للبقاء فقط. وهذا ما جعل أبراهام ماسلو يضع الحاجات الفسيولوجية، وعلى رأسها الجوع، في قاعدة هرمه للدوافع الإنسانية. فإذا كانت المعدة خاوية، تصبح كل الاحتياجات الأخرى، مثل الحب، وتقدير الذات، وتحقيق الطموح، ثانوية، أو حتى غير مرئية. بهذا المنطق ينقسم الناس إلى فئتين؛ قلة تصعد الهرم بحرية نحو تحقيق الذات، وأغلبية ساحقة محبوسة في قاعدته. هؤلاء يستنزف السعي وراء الرزق كل طاقتهم العقلية والنفسية، حتى يغدو مجرد البقاء على قيد الحياة إنجازًا يوميًا مرهقًا، يخلو من أي معنى، أو بطولة.
أنا ابنة تلك القرى البعيدة. أحاول كل يوم أن أتصالح مع هذا العالم، وأن أعيش بسلام، ورغم أن ظروفي أفضل نسبيًا، إلا أن كل حادثة جديدة تكسرني. يؤلمني أن أرى جيراني وأقاربي يبيعون أعمارهم في مقابل الفتات، ويوجعني مشهد تلك المرأة الستينية التي تفترش الأرض في حر الظهيرة تبيع بضع حزم من الخضار، لتعود في آخر اليوم بجنيهات معدودة.
هل الفقراء فقراء لأنهم كذلك حقًا؟
هذا السؤال فخ لغوي وأخلاقي، لأنه يفترض أن الفقر صفة متأصلة في الفقير نفسه. للإجابة عنه نحتاج إلى أدوات علم الاجتماع، بوصفه العلم القادر على تفكيك الكيفية التي يُصنَع بها الفقر ويُعاد إنتاجه يوميًا: من يصنعه؟ من يدير شروطه؟ وكيف ينتقل بالإرث من جيل إلى جيل؟
هنا تبرز إسهامات عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930 ــ 2002)، الذي ظهر مشروعه في لحظة تاريخية بدأ فيها الفكر الماركسي يفقد قدرته التفسيرية أمام تعقيدات المجتمع الأوروبي وتحولات أشكال الهيمنة داخله. فإذا كان ماسلو يشرح لنا لماذا لا يفكر الجائع في الفن، فإن بورديو يشرح لنا لماذا يُترك أصلًا ليجوع، وكيف تقنعه المنظومة بأن مكانه الطبيعي هو القاع.
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن الفقر لا يستمر بوصفه حالة اقتصادية فحسب، وإنما يُعاد إنتاجه عبر آليات رمزية وثقافية واجتماعية متشابكة. وتستند هذه القراءة إلى المشروع النظري لـ بيير بورديو، عبر مفاهيمه المحورية: ذوق الضرورة، والعنف الرمزي، والهابيتوس، وإعادة الإنتاج. ويسعى المقال كذلك إلى تتبع الكيفية التي جسّد بها بورديو تصوّره لدور السوسيولوجيا حين رأى أن مهمة السوسيولوجي هي نزع الشرعية عن البديهي. البديهي هنا يتمثل في التصور الشائع أن «الفقراء فقراء لأنهم كذلك». ومن ثم نحاول تتبع الطريقة التي أخضع بها بورديو هذا التصور للمساءلة السوسيولوجية، كاشفًا عن الدور الذي تؤديه البنى الرمزية والثقافية في تحويل الفقر من ظاهرة اجتماعية وتاريخية إلى حالة تبدو وكأنها طبيعة مستقرة، يُعاد إنتاجها باستمرار، وتترسخ مشروعيتها داخل وعي الفقراء أنفسهم. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في كتابه "التمييز: النقد الاجتماعي للحكم" (1979)، وكتابه "بؤس العالم" (1993).
قبل بيير بورديو، كان عالم الاجتماع يقف فوق الناس كإله؛ يجمع البيانات ويحللها ثم يصدر أحكامه. ثم جاء هو وقلب هذه العلاقة رأسًا على عقب، حين أكد أن الباحث نفسه جزء من البنية الاجتماعية التي يسعى إلى تحليلها. فموقعه الطبقي، ومساره التعليمي، ولغته الأكاديمية، وأشكال رأس المال التي يمتلكها، كلها عناصر تتدخل في تشكيل رؤيته للعالم، وتجعل معرفته محمولة على انحيازات بنيوية لا يمكن تجاهلها. وهذا ما جعله يحذر من أن خطاب السوسيولوجي عن الفئات المهمشة قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى شكل آخر من أشكال العنف الرمزي. فعندما تُصاغ معاناة العمال، أو الفقراء، بلغة أكاديمية مغلقة من قبيل: «البروليتاريا تعاني من الاغتراب البنيوي»، يصبح الخطاب منفصلًا عن أولئك الذين يدّعي تمثيلهم، وقد يعجز المعنيون أنفسهم عن التعرف إلى خبرتهم داخل هذا القاموس النظري المعقد.
لذا، شدد على ضرورة أن يُمنح الناس القدرة على التعبير عن ذواتهم بلغتهم الخاصة، لا أن يُعاد الحديث عنهم من موقع الوصاية المعرفية. وجاء "بؤس العالم" تطبيقًا عمليًا لهذا المبدأ؛ حيث حاول أن يفسح المجال أمام المهمشين كي يرووا تجاربهم بأصواتهم هم، مستفيدًا من موقعه المؤسسي داخل كوليج دو فرانس.
إن النظر إلى أطروحتي العملين معًا يمنحنا عدستين متكاملتين؛ عدسة "التمييز" التلسكوبية التي تكشف القانون العام الحاكم لتوزيع الأذواق والخيارات، وتفسر كيف يتحول الفقر من واقع اقتصادي إلى ثقافة يعتادها الفقير ويراها طبيعية، وعدسة "بؤس العالم" المجهرية التي ترصد كيف يعيش الناس الفقر يومًا بيوم. الأولى نظرية تشرح لماذا يبدو الفقر طبيعيًا، والثانية تطبيقية تُرينا كيف يُعاش هذا "الطبيعي" كجحيم.
فإذا كانت الفلسفة منذ أرسطو حتى كانط قد انشغلت بسؤال "الحياة الجيدة" وبحثت في شروط الفضيلة والعقل والكرامة التي تجعل الوجود الإنساني جديرًا بأن يُعاش، فإن ما نرصده اليوم هو تحول جوهري في بنية السؤال ذاته. السؤال صار يدور حول آليات تحمل الحياة الرديئة، وكيف يتحول الإنسان من كائن يبحث عن المعنى إلى كائن يدير الانحطاط اليومي ويتكيف معه.
(1)
طبقك يكشف طبقتك
يُعد مفهوم "ذوق الضرورة" عند بيير بورديو امتدادًا للفكر الماركسي في جوانب عديدة؛ فقد استعار بورديو من كارل ماركس (1818 ــ 1883) أدوات تحليل الصراع والهيمنة، لكنه أعاد توظيفها ضمن منظور يرفض اختزال المجتمع في البعد الاقتصادي وحده. ففي حين ربط ماركس السلطة والهيمنة بامتلاك رأس المال الاقتصادي، المتمثل في المال، ووسائل الإنتاج، والممتلكات، وسّع بورديو هذا التصور ليشمل أشكالًا أخرى من رأس المال، ومن بينها رأس المال الثقافي، الذي يظهر في الشهادات التعليمية، وأنماط الكلام، والمعرفة بالفنون. كما أضاف رأس المال الاجتماعي، المتمثل في شبكات العلاقات والمعارف، ورأس المال الرمزي المتجسد في السمعة والهيبة والاعتراف الاجتماعي.
من ناحية أخرى، ينظر بورديو إلى المجتمع بوصفه مجموعة من الحقول شبه المستقلة، كالحقل الاقتصادي والسياسي والفني والتربوي، حيث يمتلك كل حقل منطقه الخاص وقواعده وآليات التنافس داخله. ويتصارع الفاعلون داخل هذه الحقول على أشكال رأس المال المختلفة، وفق ما يمنحه كل حقل من قيمة وشرعية. فالفنان داخل الحقل الفني، على سبيل المثال، قد لا يسعى إلى الربح المادي المباشر بقدر سعيه إلى الاعتراف والتقدير، وهما شكلان من رأس المال الرمزي يمكن أن يتحولا لاحقًا إلى نفوذ وسلطة ومكانة اجتماعية.
هذا الانتباه لتفاصيل الممارسة اليومية لم يأت من فراغ، فقد نشأ بورديو في قرية نائية جنوب غرب فرنسا، لأب عمل مزارعًا، ثم ساعي بريد، مما جعله يعايش الفوارق الطبقية كخبرة معيشة لا كإحصاءات مجردة. هذه الحساسية جعلته يدرك أن خيارات الفرد في الطعام واللباس والذوق الفني ليست اختيارًا حرًا تمامًا، وإنما هي مشروطة بوضعه الاجتماعي والاقتصادي. وانطلاقًا من ذلك صاغ مفهوم "ذوق الضرورة" لوصف النمط الذوقي السائد لدى الطبقات الشعبية والعاملة.
"الضرورة" هنا تشير إلى أن الظروف المادية الصعبة تفرض نمطًا من الاختيارات تتقدم فيه الوظيفة العملية على القيمة الجمالية، في مجمل أنماط الحياة. في الطعام، مثلًا، تتجه الأولوية نحو الشبع، وتوفير الطاقة اللازمة للعمل البدني، لا نحو المتعة الحسية، أو التذوق الرفيع؛ لذا تهيمن الأطعمة الثقيلة والرخيصة والمشبعة، كالخبز والبطاطس واللحوم الدسمة. وينسحب المنطق ذاته على اللباس، حيث تُفضل المتانة والعملية على الموضة المتغيرة، وعلى الأثاث حيث يُختار الصلب والمُعمِّر، وعلى الترفيه حيث يغلب ما هو جماعي ومباشر، مثل كرة القدم، أو الأغاني الشعبية، على ما يتطلب تراكمًا ثقافيًا لفك شيفرته.
في المقابل، تتشكل ذائقة الطبقات المهيمنة في ظروف مغايرة، يسميها بورديو "ذوق الحرية"، أو "ذوق الترفع"؛ فالتحرر النسبي من ضغط الحاجة يمنح أفرادها مسافة تسمح بتعليق المنفعة المباشرة. لذلك تتجه اختياراتهم نحو معايير الندرة والأصالة والشكل: في الطعام تُفضّل الوجبات الخفيفة وطريقة التقديم، وفي اللباس تُلاحق الموضة وتفاصيلها الدقيقة، وفي الفن يُقدر التجريد والموسيقى الكلاسيكية التي تتطلب كفاءة ثقافية مكتسبة.
يحذر بورديو في هذه الجزئية من الحكم على "ذوق الضرورة" وتأويله بوصفه نقصًا ثقافيًا، أو تدنيًا جماليًا. فأذواق الطبقات الشعبية لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن الظروف التي أنتجتها، لأنها استجابة عملية ومنطقية لأولويات الحياة اليومية. ما يبدو من الخارج اختيارًا محدودًا هو في الواقع تكيف واقعي مع وضع اجتماعي لا يتيح بدائل واسعة.
في أحد اللقاءات التي وردت في "بؤس العالم" مع عائلة عاملة تسكن في الضواحي، يتحدث الأب عن وجبات الطعام وأثاث المنزل. ويظهر بوضوح أنهم يختارون الأطعمة المشبعة والثقيلة، والأثاث المتين الذي يعيش طويلًا. وبدا واضحًا من كلام الأم أنهم يفضلون الفن الواقعي المباشر ذا الرسالة الأخلاقية الواضحة، ويرفضون التجريد والشكلانية التي تبدو بلا معنى عملي. هم بذلك ينتجون نوعًا خاصًا من الجمال يتناسب مع حياتهم، جمال يركز على البساطة والوضوح واستمرارية الفن مع الحياة.
انطلاقًا من هذه الأمثلة، يرى بورديو أن الذوق يكتسب عبر التنشئة والتعليم والخبرة الطبقية، ويرتبط بالموقع الاجتماعي للفرد، وبحجم الرأسمال الثقافي الذي تملكه طبقته، أي مجموع المعارف والمهارات والكفاءات الجمالية الموروثة والمكتسبة. ولهذا تسيطر الطبقات المهيمنة على المال والسلطة، وتحتكر كذلك حق تعريف "الذوق الشرعي"، أو "الثقافة الرفيعة"، ثم تفرض هذا التعريف على المجتمع باعتباره معيارًا عامًا ومحايدًا.
هذا الاحتكار لتعريف الذوق الشرعي له سند فلسفي راسخ في الحداثة الغربية منحه غطاءً من العقلانية والكونية. ففكرة "الذوق الخالص" المنفصل عن الحاجة والمنفعة، التي تتبناها الطبقات المهيمنة بوصفها النموذج الطبيعي، تجد تأسيسها النظري الأبرز عند إيمانويل كانط (1724 ــ 1804) في نقد ملكة الحكم (1790).
| |
| تبلورت فكرة "الذوق الرفيع" عند كانط (الصورة)، وتعني أن الإنسان المثقف هو القادر على التجرد من حاجاته المادية المباشرة |
يقوم الحكم الجمالي في فلسفة كانط على فكرة التقدير الخالص للجمال. فحين نحكم على شيء بأنه جميل، فإننا نستمتع بشكله لذاته، من دون أن تتدخل في هذا الحكم أي رغبة في امتلاكه، أو استخدامه، أو الانتفاع به. عندما نقول إن الوردة جميلة، فنحن لا نريد أن نقطفها أو نأكلها أو نبيعها، بل نتأملها لذاتها. من هذا التصور تبلورت فكرة "الذوق الرفيع"، التي تعني أن الإنسان المثقف هو القادر على التجرد من حاجاته المادية المباشرة، والتأمل في الفن والجمال باعتبارهما غاية في ذاتهما. أما الإنسان المنشغل بضرورات الحياة اليومية فيظل حكمه أسيرًا لما هو نافع وممتع حسيًا.
وقد تحول هذا التصور الفلسفي لاحقًا إلى أيديولوجيا ثقافية تبنتها الطبقات البورجوازية والأرستقراطية في أوروبا. فظهرت مقولة "الفن للفن"، التي ترى أن الفن الحقيقي يجب ألا يخدم غرضًا تعليميًا، أو أخلاقيًا، أو ترفيهيًا مباشرًا، وعليه أن يظل معقدًا ورمزيًا ومتحررًا من الوظيفة. وتبعًا لذلك، تم التقليل من شأن كل ما هو واضح ومباشر وعاطفي، ووصفه بأنه "فن شعبي"، أو "ذوق سوقي". كما نشأت مؤسسات ثقافية، كالمتاحف، والصالونات الأدبية، وقاعات الأوبرا، لممارسة هذا الذوق الرفيع، وهي فضاءات تتطلب قدرًا من التعليم ووقت الفراغ والموارد الاقتصادية. وبالتالي، ترسخت معادلة ضمنية مفادها أن الذوق الرفيع هو القدرة على التجرد من الضرورة، وهذه القدرة نفسها تصبح علامة على الانتماء الطبقي المتميز.
يأتي بيير بورديو ليفكك هذا التصور من أساسه، عادًا أن الجمالية الكانطية ليست إلا أخلاق الطبقة البورجوازية وقد تحولت إلى "طبيعة ثانية". فمن وجهة نظره، لم يكتشف كانط قانونًا كونيًا للجمال، بل وصف وقنّن ذوقًا خاصًا بطبقته الاجتماعية، تلك الطبقة التي تمتلك الشروط المادية التي تسمح لها بممارسة التأمل الجمالي المجرد.
يقدّم بورديو نقدًا لهذا التصور من ثلاث زوايا رئيسية: أولًا: يرى أن فكرة "اللامصلحة" نفسها وهم، لأن الانخراط في الممارسات الثقافية الرفيعة يحقق مصلحة رمزية كبرى، وهي مراكمة الرأسمال الثقافي وتحقيق التميز الاجتماعي. حضور الأوبرا، أو اقتناء لوحة تجريدية، هو استثمار اجتماعي يعلن الانتماء إلى النخبة. ثانيًا: قلب المعادلة بين الضرورة والتجرد بأن رأى أن "ذوق الضرورة" هو الأصل الإنساني الطبيعي، لأنه ينطلق من ارتباط الحكم الجمالي باللذة الحسية والمنفعة المباشرة. أما القدرة على التجرد فهي مكتسبة ومرتبطة بشروط اجتماعية محددة، وليست فطرية. وبالتالي، فإن القدرة على تعليق المنفعة والتفرغ للتأمل الخالص هي في حد ذاتها امتياز طبقي، لأنها تفترض التحرر النسبي من إكراهات "مملكة الضرورة". فمن لا يهدده الجوع قادر على أن ينظر إلى تفاحة ويرى فيها تناغم الشكل واللون، بدل أن يراها غذاءً ضروريًا للبقاء. ومن لا يعمل بيديه يستطيع أن يتأمل خشونة يد العامل بوصفها قيمة جمالية، لا بوصفها ألمًا يوميًا ومعاناة جسدية.
ثالثًا: يرى أن الجمالية الكانطية تقوم على إنكار الجسد وحاجاته المباشرة، وهذا الإنكار لا يستطيعه إلا من ضَمِن إشباع هذه الحاجات مسبقًا. فالفقير لا يملك ترف التجرد، لأن واقعه المادي يفرض عليه أولوية الإشباع والبقاء. بناءً على ذلك، يخلص بورديو إلى أن ما قدّمه كانط بوصفه قانونًا عامًا للذوق، لم يكن في الحقيقة سوى تعميم لتجربة ثقافية خاصة بطبقة مهيمنة، فُرضت لاحقًا على المجتمع بأكمله باعتبارها المعيار الطبيعي والمحايد للذوق السليم. ويكتمل الأمر عندما تُقنَع الطبقة المُهيمَن عليها بأن هذا الإقصاء مبرر جماليًا، وأن الدونية المعاشة دليل على افتقار طبيعي للذوق، لا نتيجة لنظام اجتماعي ينتج الحرمان أولًا، ثم يضع المحروم في مرتبة دنيا، ولا يكتفي بذلك، بل يلومه أيضًا على وجوده هناك.
إن تحليل آلية فرض هذا المعيار يقودنا مباشرة إلى مفهوم محوري آخر عند بورديو، لا ينفصل عن نقده للذوق، وهو مفهوم "العنف الرمزي".
(2)
عنفٌ ناعمٌ وخفي
يُعد مفهوم "العنف الرمزي" أحد المفاهيم الجوهرية التي قدمها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين، وأصبح ركيزة أساسية في أبحاثه عن السلطة والهيمنة والفروق الطبقية. وقد عرّفه بأنه "عنفٌ ناعمٌ وخفي يجهله ممارسوه وضحاياه في آنٍ واحد".
يقوم هذا العنف على قبول ضمني من قبل الأفراد الخاضعين له. ويرجع هذا القبول إلى أن أدوات التفكير التي يستخدمها الناس، كاللغة ومعايير الحكم الجمالي وتصنيفات الذوق، قد تشكلت أصلًا داخل نظام الهيمنة نفسه. وبذلك ينشأ توافق غير واعٍ بين الطرف المسيطر والطرف المسيطر عليه، حيث تنجح الطبقة المهيمنة في تقديم رؤيتها للعالم الاجتماعي على أنها رؤية طبيعية وبديهية لا تقبل الجدل. ونتيجة لهذا القبول، يتبنى أفراد الطبقات الدنيا المعايير الثقافية السائدة، ويُسقطونها على أنفسهم. فينظرون إلى ممارساتهم اليومية في الطعام واللباس والذوق الموسيقي وطريقة الكلام على أنها ممارسات أقل قيمة، وتفتقر إلى "الشرعية الثقافية" إذا قورنت بالمعيار الذي رسخته الطبقة المهيمنة.
يرى بيير بورديو أن أخطر ما تفعله الهيمنة الرمزية هو أنها تجعل الإنسان يعتاد النظر إلى نفسه باعتباره أقل قيمة، أو أقل استحقاقًا. فهي لا تعتمد على القهر المباشر، وإنما تعمل عبر ترسيخ شعور داخلي بالنقص، حتى يبدأ الفرد في تقبّل مكانته الهامشية باعتبارها أمرًا طبيعيًا. ومن خلال الرموز والمعاني السائدة داخل المجتمع، يُعاد تذكيره دائمًا بحدوده وموقعه الطبقي، فيتعلم التكيف مع هذا الموقع بدل مقاومته.
ولا يظهر أثر هذه الهيمنة في المجال العام فقط، وإنما يمتد إلى داخل الأسرة نفسها. فالأسرة التي يُفترض أن تكون مساحة للحماية والدعم، قد تتحول تحت ضغط الفقر إلى مكان يُعاد فيه إنتاج الشعور بالعجز والدونية بصورة يومية. في كتاب "بؤس العالم" يوضح بورديو كيف تعيش الأسرة الفقيرة تحت ثقل الفقر ورموزه، بحيث ينشغل كل فرد فيها بمحاولة التكيف مع هذا الواقع، وإخفاء آثاره، وفوق ذلك تحمّل الضغوط التي يفرضها عليهم المجتمع ونظرته الطبقية.
تظهر الأم، في عدد من الشهادات التي جمعها فريق بورديو، باعتبارها الشخص الأكثر احتكاكًا بالبؤس اليومي، إذ يُلقى على عاتقها تدبير النقص وإخفاء آثار الفقر حفاظًا على تماسك الأسرة. تقول إحدى النساء: "حين ينفد المال تمامًا، فأنا التي لا آكل. زوجي يذهب إلى العمل قويًا، والأبناء ينمون. أما أنا فكبرت وانتهى أمري. أقول إن معدتي قد اعتادت. مرة سقطت في الطريق من الدوار، فأخبرتهم في المستشفى أن ضغطي منخفض. لم أذكر أني لم آكل منذ يومين. هذا عار. إعلان جوعي اعتراف بالفشل. الأم الناجحة يشبع أبناؤها، حتى لو ماتت هي".
تكشف هذه الشهادة كيف تتحمل الأم الجزء الأكبر من آثار الأزمة الاقتصادية داخل الأسرة، حتى يصبح حرمانها الشخصي وسيلة لحماية الآخرين من الجوع والنقص. فهي تخفي تعبها واحتياجها، لأن المجتمع يربط صورة الأم الجيدة بقدرتها على رعاية أبنائها مهما كان الثمن. بالتالي، فإن أي تحليل للفقر يتجاهل هذا البعد الرمزي يظل قاصرًا عن فهم الكيفية التي يُعاد بها إنتاج العنف الطبقي داخل الحياة اليومية، كما أنه يساهم في إعادة إنتاج العنف ذاته.
المسألة لا تتعلق فقط بنقص الموارد، وإنما أيضًا بالمعاني والقيم التي تجعل اللامساواة تبدو طبيعية ومقبولة. ولهذا تلعب مؤسسات كبرى، مثل الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، دورًا أساسيًا في إعادة إنتاج هذا العنف الرمزي؛ فهي لا تكتفي بإعداد الأفراد لأدوار اجتماعية محددة، وإنما تغرس فيهم أيضًا تصورًا يرى التفاوت نتيجة طبيعية لاختلاف المواهب والكفاءات. ولأن هذه السلطة تعمل بشكل غير مرئي، وتتخفى خلف ما يبدو مألوفًا وطبيعيًا، فإن أثرها يكون أعمق وأشد خطورة من القوة المادية المباشرة، لأنها تتغلغل في البنى الذهنية والنفسية للأفراد، وتعيد تشكيل طريقتهم في فهم الواقع وإصدار الأحكام. ومن خلال ذلك تحدد لهم ما يُعد صحيحًا، أو جميلًا، أو ذا قيمة، من دون أن يشعروا بأن هنالك من يفرض عليهم هذه المعايير.
في هذه النقطة، يلتقي بورديو مع ما طرحه ماكس فيبر (1864 ــ 1920)، الذي أكد أن استمرار أي سلطة مرهون بقدرتها على إنتاج الشرعية، بحيث تبدو علاقات الهيمنة مقبولة ومعترفًا بها من قبل الخاضعين لها.
يرى فيبر أن السلطة لا يمكن أن تدوم بالقوة وحدها، فهي تحتاج إلى إيمان الناس بشرعيتها. وقد طور بورديو هذا التصور من خلال مفهوم العنف الرمزي، موضحًا الآلية التي تتحقق بها هذه الشرعية على المستوى الثقافي واليومي. فبينما بيّن فيبر أن السلطة تحتاج إلى تبرير، كشف بورديو كيف يُنتج هذا التبرير داخل وعي الناس وممارساتهم عبر مؤسسات التنشئة والتعليم. وعليه، يقوم العنف الرمزي بوظيفة أساسية هي تثبيت الهيمنة الطبقية، ويتم ذلك عبر إضفاء صفة العمومية والبداهة على القيم الأخلاقية والمعايير الجمالية التي تخص الطبقة المسيطرة.
يتوافق هذا مع ما طرحه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913 ــ 2005)، الذي أشار إلى أن اللغة والخطاب والرموز يمكن أن تتحول إلى أدوات هيمنة أشد تأثيرًا من العنف المادي، لأنها تفرض قراءة واحدة للواقع، وتُقصي إمكانات الفهم الأخرى، أو تُضعفها. ويرى ريكور أن العنف في جوهره يتجلى في المساس بإنسانية الآخر، عبر تجريده من إرادته وحريته وقدرته على الفعل.
ويقدم "بؤس العالم" مثالًا دالًا على ذلك من خلال شهادة عامل في مصنع يصف فيها كيف يتحول العمل إلى تجربة تسلبه اللغة والتعبير: "في المصنع لا يتحدثون إليك، يطلبون منك أن تكون جزءًا من الآلة. حين أعود إلى البيت أجد نفسي صامتًا، تظن زوجتي أنني غاضب منها، لكن الحقيقة أنني لم أعد أملك كلمات. المصنع يسرق منك حتى قدرتك على الكلام مع أطفالك. تشعر أنك مجرد قطعة غيار، وإذا تعطلت هناك ألف قطعة أخرى جاهزة في الخارج". تكشف هذه الشهادة كيف يمتد تأثير البنية الاقتصادية إلى الذات، بحيث لا يقتصر على الجسد، بل يصل إلى اللغة والوعي والعلاقات الاجتماعية، حيث يصبح الصمت جزءًا من شروط العمل اليومية. ومن هذا المنظور، يظهر العنف الرمزي كحلقة وصل بين البنية الموضوعية للهيمنة وتجربتها الذاتية لدى الأفراد، وهو ما يمهّد للانتقال إلى المفهوم التالي، وهو: الهابيتوس.
(يتبع)
هوامش:
- كتاب التمييز: النقد الاجتماعي للحكم (بالفرنسية: La Distinction: Critique sociale du jugement)، من تأليف بيير بورديو سنة 1979، ويُعد من أبرز المراجع السوسيولوجية في القرن العشرين. صدرت ترجمته الإنجليزية سنة 1984 بعنوان Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. أما الترجمة العربية فقد صدرت عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، سنة 2024، بترجمة نصير مروة.
- كتاب بؤس العالم (La Misère du monde)، الصادر سنة 1993، وهو عمل جماعي أشرف عليه بيير بورديو، وضم شهادات ومقابلات ميدانية مطولة مع فقراء ومهمشين وعمال وشباب من ضواحي فرنسا. صدر العمل بالعربية في ثلاثة أجزاء عن دار كنعان للنشر سنة 2010، تحت عناوين: "رغبة الإصلاح" بترجمة محمد صبح، و"نهاية عالم" بترجمة سليمان حرفوش، و"منبوذو العالم" بترجمة رندة بعث. وقد كُتبت الاقتباسات الواردة من هذا العمل بتصرف وصياغة أدبية، بما يتناسب مع طبيعة الطرح ومساحته.


تحميل المقال التالي...