منذ عامين ونصف عام ونحن نراقب حروبًا لم تشهد لها العقود السابقة مثيلًا من أي باب. جيوش مدرعة بألف درع ودرع، تخوض حروب التأكد من منع المدنيين من تأمين أبسط مقومات العيش المعاصر. لا نتحدث عن كهرباء مستقرة، ومياه نظيفة، وغذاء، فهذه باتت من أحلامنا، بل عن تدمير لكل أشكال التبادل المعاصرة، وخنق لكل موارد التجارة الممكنة، وتضييق سبل الإنتاج إلى حدود انعدامها. خلال هذين العامين والنصف، تظاهر بعضنا احتجاجًا، وكتب بعضنا ثورة وغضبًا، وقاتل بعضنا يأسًا أو أملًا. لكننا كنا متروكين جميعًا كأوراق خريف. ويومًا بعد يوم كنا ندرك أن أيدينا مغلولة، وعقولنا مشلولة، ولا نملك أن نغير في المعادلة شيئًا.
في زمن مضى، كانت صفتنا كمدنيين، واجتماعنا المتشابك يشكل لنا درعًا. درع خفيف، لكنه كان يشكل حماية من نوع ما. كنا نحتج بكوننا مدنيين، لا نحارب أحدًا، ولا نسعى لقتل أحد. وكان هذا الإعلان والسلوك المجتمعي الذي يستدعيه يجعلنا نصدق أننا لن نكون في أي حرب سوى خسائر جانبية غير مقصودة، وأن الإمعان في قتلنا لن يكون متيسرًا على أي وجه.
هذا الانعطاف الحاد في التعامل مع المدنيين لم يكن انعطافًا على الجانبين طبعًا. فما زالت هنالك بلاد ودول يتمتع مواطنوها بحماية هذه الدروع. وما زالت الحروب فيها من اختصاص الجيوش. لقد انزلقنا أولًا إلى هذا الدرك، والأرجح أن السنوات المقبلة ستفرض على شعوب أخرى الانزلاق إلى موقعنا الذي نعيش فيه اليوم. وهذا أمر مروع طبعًا، لكن الأكثر مروّعًا منه أننا لم نلتفت إلى تبعاته، ولم نفكر في تداعياته الخطيرة. ما زلنا نكتب كما لو أننا متساوون مع شعوب الأرض. ونحن لم نعد كذلك. وما زلنا نحاجج كما لو أن سلطة المنطق ما زالت قادرة على إحداث تغيير، تغيير طفيف، لكنه تغيير يمكن البناء عليه. هذه الانعطافات الهائلة كانت أسرع من قدرتنا على المسايرة والتعامل معها. لهذا بات احتجاجنا أقرب إلى الصراخ، ومنطقنا أقرب إلى الشتيمة. والحال، ليس في وسعنا أن نلوم أحدًا منا على هذا الانحدار، وعلى العجز عن التكيف. الأحداث كانت تسبقنا بأشواط، والتغير كان مفاجئًا على كل الأصعدة. بسبب دمويته أولًا، وبسبب عقود من التجاهل والتراجع والعيش في الظل، كما لو أننا لم نكن موجودين إلا حين نطلق النار على خصومنا وأعدائنا.
أفهم جيدًا أن قدرة الأفكار على مسايرة المتغيرات والتعامل معها بطريقة محكمة مسألة في حاجة إلى وقت طويل لتنضج. وأفهم جيدًا كل الذين آثروا أن يصمتوا كناجين من المذبحة، وأن يودعوا أحباءهم وأوطانهم بصمت، ويكتفوا بنجاتهم، بوصف إنقاذ من كان يحتاج لإنقاذ أصبح متعذرًا، وأن نتقبل خساراتنا على النحو الذي اتبعناه. فالأفكار في حاجة لوقت طويل لتصبح على مستوى الدم. لكننا اليوم نحتاج بشكل عاجل إلى محاولة الإجابة على أسئلة ملحة قد يكون أبرزها ثلاثة: هل ما يحدث هو إعادة تعريف لوظيفة العنف، أم انهيار لمنظومة الردع الأخلاقي والإعلامي، أم تحول المدني من خطأ حربي إلى مكوّن في هندسة الحرب؟
والحق أنه رغم كل الصعوبات التي تعترض من نجا منا حتى هذه اللحظة، كان يجدر بنا أن نلتفت إلى تحول هائل في سبل تواصلنا وتكوين آرائنا. والأرجح عندي أن تكرار ما كان رائجًا قبل الحرب في سبل تواصلنا، سواء كنا نتحدث عن الإعلام المرئي، أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى مجموعات الضغط المنتشرة في أصقاع الأرض، كان سقطة عميقة. منذ أن أثبتت لنا الشهور الطويلة والدامية من عام 2024 أن جهدنا كله يجب أن ينصب على إبعاد من نستطيع إبعاده عن الزلزال، باتت برامج القنوات الفضائية تشبه، في خطابها، هؤلاء الذين يعلو عندهم الإنجاز وولادة الحجة على الدم والحيوات. لقد بدت هذه البرامج كأنها موجهة لغير من تتوجه إليهم. كل ما كان يقال ويناقش فيها كان موجهًا لهؤلاء العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. وتطالبهم بالانحياز، كما لو أن هذا الانحياز، إذا ما تبنوه واتبعوا شروطه، قد يؤدي ليس إلى النجاة فحسب، بل إلى النصر. أن يساجل بضعة أشخاص بعضهم بعضًا على شاشة، محاولًا كل منهم أن يقنع الجمهور المشاهد بأنه يملك حلولًا أو سبلًا لتحويل الكارثة إلى إنجاز، كان، طوال هذه الشهور، أمرًا يفوق قدرتنا على الاحتمال. لقد بدا هذا السلوك، في هذه الشهور الطويلة، كما لو أنه عمل فوقي لا يقيم اعتبارًا لما يشعر به الجمهور ويعانيه. ماذا لو أنحزنا إلى الجهة التي يريدنا المحاضر أن ننحاز إليها؟ هل نملك أن نغير في طبيعة الحرب، أو نساهم في وقفها، أو في تخفيف حدة الاعتداء على المدنيين، وهم الجمهور المستهدف من برامج الشاشات؟ ثم لنفترض أننا انحزنا وغضبنا وتظاهرنا ورفعنا أصواتنا، هل كنا نملك ميزة أن نجعل لدمائنا (البريئة) ثمنًا؟ الأرجح أننا لم نفعل طوال تلك الفترة إلا تأكيد عجزنا عن الغضب، هذا لأن عجزنا عن التغيير كان واضحًا منذ البداية.
هل يجدر بنا أن نفكر اليوم، وعلى وجه السرعة، بمحاولة صناعة خطاب تواصل بين الناس ــ الضحايا يؤسس لإعادة الاعتبار للحياة البشرية بوصفها قيمة يجب أن يحافظ عليها؟ الأرجح أن نعم. هل أحد يملك وصفة جاهزة لتحقيق هذه المهمة؟ في ظني: لا أحد.
ما زلنا نؤسس خطابنا على ثيمة أساسية تفترض أنه يجب أن يكون موجهًا للخارج، وليس حوارًا بين المعرضين للاستئصال، أو من ما زال ناجيًا منهم. وهذا في حد ذاته ما يجعل خطاب الشاشات قاصرًا عن ملاحظة واقع أننا خرجنا من نظام الحماية العالمي، ولم نعد نملك أدوات التأثير، ولا أدوات التواصل، ولا أدوات النجاة.
لا وصفة جاهزة، نعم. لكن ربما تكون البداية هي أن يتوقف الضحايا عن محاولة إقناع العالم بأنهم ضحايا، وأن يبدأوا في الحديث إلى بعضهم بعضًا بطريقة لا تستعير أدوات الخطاب الإعلامي القديم، بل تبني مساحات صغيرة للاعتراف المشترك بالكارثة وبالعجز، ثم ــ من هناك فقط ــ ربما يُنتج شيء لم نره بعد، شيءٌ لا يشبه النصر، بل يشبه استمرار الحياة في وجه آلة صممت لاستحالتها.


تحميل المقال التالي...